١٢٣- تأملت في فوائد النكاح ومعانيه وموضوعه، فرأيت أن الأصل الأكبر في وضعه وجود النسل؛ لأن هذا الحيوان لا يزال يتحلل، ثم يخلف المتحلل الغذاء، ثم يتحلل من الأجزاء الأصلية ما لا يخلفه شيء، فإذا لم يكن بد من فنائه، وكان المراد امتداد أزمان الدنيا، جعل النساء خلفًا عن الأصل.
١٢٤- ولما كانت صورة النكاح تأباها النفوس الشريفة، من كشف العورة، وملاقاة ما لا يستحسن لنفسه، جعلت الشهوة تحث عليه، ليحصل المقصود.
١٢٥- ثم رأيت هذا المقصود الأصلي يتبعه شيء آخر، وهو استفزاع هذا الماء، الذي يؤذي دوام احتقانه، فإن المني ينفصل من الهضم الرابع، فهو من أصفى جوهر الغذاء وأجوده، ثم يجتمع، فهو أحد الذخائر للنفس، فإنها تدخر -لبقائها وقوتها- الدم، ثم المني، ثم تدخر التفل١، الذي هو من أعمدة البدن، كأنه لخوف عدم غيره، فإذا زاد اجتماع المني، أقلق على نحو إقلاق البول للحاقن، إلا أن إقلاقه من حيث المعنى أكثر من إقلاق البول من حيث الصورة، فتوجب كثرة اجتماعه، وطول احتباسه أمراضًا صعبة؛ لأنه يترقى من بخاره إلى الدماغ فيؤْذِي،
_________________
(١) ١ التفل: اللعاب.
[ ٦٠ ]
وربما أحدث سُمِّيَّةً١، ومتى كان المزاج سليمًا، فالطبع يطلب بروز المني إذا اجتمع، كما يطلب بروز البول٢.
١٢٦- وقد ينحرف بعض الأمزجة، فيقل اجتماعه عنده، فيندر طلبه لإخراجه، وإنما تتكلم عن المزاج الصحيح، فأقول: قد بينت أنه إذا وقع به احتباسه، أوجب أمراضًا، وجدد أفكارًا رديئةً، وجلب العشق والوسوسة إلى غير ذلك من الآفات.
١٢٧- وقد نجد صحيح المزاج يخرج ذلك إذا اجتمع، وهو بعد متقلقل، فكأنه الآكل الذي لا يشبع! فبحثت عن ذلك، فرأيته وقوع الخلل في المنكوح: إما لدمامته: وقبح منظره، أو لآفة فيه، أو؛ لأنه غير مطلوب للنفس، فحينئذ يخرج منه، ويبقى بعضه.
فإذا أردت معرفة ما يدلك على ذلك، فقس مقدار خروج المني في المحل المشتهى، وفي المحل الذي هو دونه، كالوطء بين الفخذين، بالإضافة إلى الوطء في محل النكاح، وكوطء البكر بالإضافة إلى وطء الثيب، فعلم حينئذ أن تخير المنكوح يستقضي فضول المني، فيحصل للنفس كمال اللذة، لموضع كمال بروز الفضول.
١٢٨- ثم قد يؤثر هذا في الولد أيضًا، فإنه إذا كان -أي: الولد- من شابين قد حبسا أنفسهما عن النكاح [مدة] مديدة، كان الولد أقوى منه من غيرهما أو من المدمن على النكاح في الأغلب.
١٢٩- ولهذا كره نكاح الأقارب؛ لأنه مما يقبض النفس عن انبساطها، فيتخيل الإنسان أنه ينكح بعضه، ومدح نكاح الغرائب لهذا المعنى٣.
١٣٠- ومن هذا الفن يحصل كثير من المقصود من دفع هذه الفضول المؤذية
_________________
(١) ١ يرجع الآن إلى علماء الاختصاص في هذا الموضوع. ٢ يخرج المني بالاحتلام فلا يطول احتباسه. ٣ لنكاح الأقارب تأثير كبير في ظهور الأمراض الوراثية.
[ ٦١ ]
بمنكوحٍ مستجدٍّ، وإن كان مستقبح الصورة، ما لا يحصل به في العادة.
ومثال هذا: أن الطاعم إذا امتلأ خبزًا ولحمًا حيث لم يبق فيه فضل لتناول لقمة، [إذا] قدمت إليه الحلوى، فيتناول، فلو قدم أعجب منها، لتناول؛ لأن الجدة لها معنًى عجيب. وذلك أن النفس لا تميل إلى ما ألفت، وتطلب غير ما عرفت، ويتخايل لها في الجديد نوع مراد، فإذا لم تجد مرادها، صدفت١ إلى جديد آخر، فكأنها قد علمت وجود عرض تام بلا كدر، وهي تتخايله فيما تراه٢.
١٣١- وفي هذا المعنى دليل مدفون على البعث؛ لأن [في] خلق [مَنْ] همته متعلقة بلا متعلق نوع عبث، فافهم هذا! فإذا رأت النفس عيوب ما خالطت في الدنيا، عادت تطلب جديدًا، ولذلك قال الحكماء: العشق العمى عن عيوب المحبوب فمن تأمل عيوبه سلا.
١٣٢- ولذلك يستحب للمرأة أن لا تبعد عن زوجها بعدًا ينسيه إياها، ولا تقرب منه قربًا يملها معه، وكذلك يستحب ذلك له، لئلا يمله، أو تظهر لديه مكنونات عيوبها.
١٣٣- وينبغي له ألا يطلع منها على عورة، ويجتهد في ألا يشم منها إلا أطيب٣ ريح، إلى غير ذلك من الخصال التي تستعملها النساء الحكيمات، فإنهن يعلمن ذلك بفطرهن، من غير احتياج إلى تعليم، فأما الجاهلات، فإنهن لا ينظرن في هذا، فيتعجل التفات الأزواج عنهن.
١٣٤- فمن أراد نجابة الولد، وقضاء الوطر، فيتخير المنكوح: إن كان زوجة، فلينظر إليها، فإذا وقعت في نفسه فليتزوجها، وينظر في كيفية وقوعها في نفسه، فإن علامة تعلق حبها بالقلب أنه لا يصرف الطرف عنها، فإذا انصرف
_________________
(١) ١ صدفت: مالت. ٢ قال عمر بن عبد العزيز ﵀: إن لي نفسًا تواقة، لم تتق إلى منزلة إلا تاقت إلى ما هو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي بعدها منزلة "أي: الخلافة"، وإنها اليوم قد تاقت إلى الجنة. ٣ في الأصل: طيب.
[ ٦٢ ]
الطرف، قلق القلب بتقاضي١ النظرة، فهذا الغاية، ودونه مراتب على مقاديرها يكون بلوغ الأغراض، وإن كان جارية تشترى، فلينظر إليها أبلغ من ذلك النظر.
١٣٥- ومن قدر على مناطقة المرأة أو مكالمتها بما يوجب التنبيه، ثم ليرى ذلك منها، فإن الحسن في الفم والعينين، وقد نص أحمد على جواز أن يبصر الرجل من المرأة التي يريد نكاحها ما هو عورة، يشير إلى ما يزيد على الوجه٢.
١٣٦- ومن أمكنه أن يؤخر العقد أو شراء الجارية لينظر كيف توقان قلبه، فإنه لا يخفى على العاقل توقان النفس لأجل المستجد، وتوقانها لأجل الحب، فإذا رأى قلق الحب، أقدم، فإنه قد أخبرنا محمد بن عبد الباقي٣، قال: أخبرنا حمد بن أحمد، قال: أخبرنا أبو نعيم٤، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الجبار بن أبي عامر، قال: حدثني أبي، قال: حدثني خالد بن سلام، قال: حدثنا عطاء الخراساني٥، قال: مكتوب في التوراة: كل تزويج على غير هوى؛ حسرة وندامة إلى يوم القيامة.
١٣٧- ثم يبنغي للمتخير أن يتفرس الأخلاق؛ فإنها من الخفي، وإن الصورة إذا خلت من المعنى، كانت كخضراء المدمن ٦، ونجابة الولد مقصودة.
_________________
(١) ١ تقاضي: انقضاء، ويكثر هذا التعبير في الكتاب، وتختلف دلالته حسب السياق، فالمؤلف يستعمله بمعان دارجة. ٢ النظر إلى وجه المخطوبة ورقبتها ويدها مباح عند الحنابلة، بشرط أن يغلب على ظنه أنه مقبول عندها بحيث لا ترد خطبته، وأن لا يكون في خلوة، ولا يشترط أن يستأذنها، أو يستأذن وليها في النظر، بل له أن ينظر إليها وهي غافلة، وأن يكرر النظر مرة بعد أخرى، اهـ. الفقه على المذاهب الأربعة "٤/ ١٠" وانظر: مختصر الإفادات لابن بلبان ص "٤٠٤". ٣ أبو بكر البغدادي، النصري الحنبلي: "٤٤٢-٥٣٥" مسند العصر، العالم المتفنن المعروف بقاضي المرستان، وهو المرستان العضدي "الذي أنشأه عضد الدولة فناخسرو بن بويه بالجانب الغربي من بغداد" وكان حسن الصورة حلو المنطق. ٤ أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني "٣٣٦-٤٣٠هـ": حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، أشهر كتبه حلية الأولياء وهو من مصادر المؤلف في كتبه، وقد اختصره في كتابه صفوة الصفوة. ٥ عطاء بن أبي مسلم الخراساني "٥٠-١٣٥هـ": المحدث الواعظ، نزيل دمشق والقدس. ٦ الدمن: جمع دمنة، وهي ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها: أي تلبده في مرابضها، فربما نبت فيها النبات الحسن النضير.
[ ٦٣ ]
١٣٨- وَفَرَاغُ النَّفْسِ من الاهتمام بود محبوس أصل عظيم، يوجب إقبال القلب على المهمات، ومن فرغ من المهمات العارضة، أقبل على المهمات الأصلية، ولهذا جاء في الحديث: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"١، و"إذا وضع العَشَاء، وحضرت العِشَاء، فابدؤوا بالعَشَاءِ"٢.
١٣٩- فمن قدر على امرأةٍ صالحةٍ في الصورة والمعنى، فليغمض عن عوراتها٣، ولتجتهد هي مراضيه٤، من غير قرب يمل، ولا بعد ينسي، ولتقدم على التصنع٥ له، يحصل الغرضان منها: الولد، وقضاء الوطر، مع الاحتراز الذي أوصيت به، تدوم الصحبة، ويحصل الغناء٦ بها عن غيرها.
١٤٠- فإن قدر على الاستكثار، فأضاف إليها سواها، عالمًا أنه [بذلك] يبلغ الغرض، الذي يفرغ قلبه زيادة تفريغ، كان أفضل لحاله.
١٤١- فإن خاف من وجود الغيرة ما يشغل القلب الذي قد اهتممنا بجمع همته، أو خاف وجود مستحسنة، تشغل قلبه عن ذكر الآخرة، أو تطلب منه ما يوجب خروجه عن الورع، [فحسبه واحدة] .
١٤٢- ويدخل فيما أوصيت به أنه يبعد في المستحسنات العفاف، فليبالغ الواجد لهن في حفظهن وسترهن، فإن وجد ما لا يرضيه، عجل الاستبدال، فإنه سبب السلو، وإن قدر على الاقتصار، فإن الاقتصار على الواحدة أولى، فإن كانت على الغرض قنع، وإن لم تكن استبدل.
١٤٣- ونكاح المرأة المحبوبة يستفرغ الماء المجتمع، فيوجب نجابة الولد وتمامه، وقضاء الوطر بكماله.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٧١٥٨"، ومسلم "١٧١٧" عن أبي بكر ﵁. ٢ رواه البخاري "٦٧٣"، ومسلم "٥٥٩" عن ابن عمر ﵄. ٣ عوراتها: عيوبها. ٤ ما لم يكن إثمًا، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، على أن تصرفه عن مطلبه غير المشروع بلطف ومداراة، وتذكير ونصح ما أمكن. ٥ التصنع: التزين والتطيب. ٦ الغَناء: الاستغناء.
[ ٦٤ ]
١٤٤- ومن خاف وجود الغيرة، فعليه بالسراري، فإنهن أقل غيرة، والاستظراف لهن أمكن من استظراف الزوجات.
١٤٥- وقد كانت جماعة يمكنهم الجمع، وكان النساء يصبرن: فكان لداود ﵊ مئة امرأة، ولسليمان علية الصلاة والسلام ألف امرأة، وقد علم حال نبينا ﷺ وأصحابه.
وكان لأمير المؤمنين علي ﵁ أربع حرائر، وسبع عشرة سريَّةً، وتزوج ابنه الحسن ﵁ بنحو من أربع مئة، وإلى غير هذا مما يطول ذكره فافهم ما أشرت إليه، تفز به إن شاء الله تعالى.
[ ٦٥ ]