١٤٦- كل شيء خلق الله تعالى في الدنيا، فهو أنموذج١ [ما يكون] في الآخرة، وكل شيء يجري فيها أنموذج ما يجري في الآخرة، فأما المخلوق منها، فقال ابن عباس ﵄: ليس في الجنة شيء يشبه ما في الدنيا إلا الأسماء. وهذا؛ لأن الله تعالى شوق بنعيم إلى نعيم، وخوف بعذاب من عذاب.
١٤٧ فأما ما يجري في الدنيا، فكل ظالم معاقب في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كل مذنب ذنبًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:٢٣] .
١٤٨- وربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة، وقد قال الحكماء: المعصية بعد المعصية عقاب المعصية، والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة.
١٤٩- وربما كان العقاب العاجل معنويًا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل: يا رب! كم أعصيك ولا تعاقبني! فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري! أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟
_________________
(١) ١ الأنموذج والنموذج: المثال والشبيه.
[ ٦٥ ]
١٥٠- فمن تأمَّل هذا الجنس من المعاقبة، وجده بالمرصاد، حتى قال وهيب بن الورد١، وقد سئل: أيجد لذة الطاعة من يعصي؟ قال: ولا من هم.
١٥١- فرب شخص أطلق بصره، فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه، فحرم صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمة، فأظلم سره، وحرم قيام الليل، وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك، وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفوس.
١٥٢- وعلى ضده يجد من يتقي الله تعالى من حسن الجزاء على التقوى عاجلًا، كما في حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ: "يقول الله تعالى: النظرة إلى المرأة سهم مسموم من سهام الشيطان، من تركه ابتغاء مرضاتي، آتيته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" ٢. فهذه نبذة من هذا الجنس تنبه على مغفلها.
١٥٣- فأما المقابلة الصريحة في الظاهر، فقل أن تحتبس، ومن ذلك قول النبي ﷺ: "الصبحة تمنع الرزق"٣، و"إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"٤.
وقد روى المفسرون: أن كل شخص من الأسباط جاء باثني عشر ولدًا، وجاء يوسف بأحد عشر بالهمة، ومثل هذا إذا تأمله ذو بصيرة، رأى الجزاء وفهم، كما قال الفضيل: إني لأعصي الله ﷿ فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي.
وعن أبي عثمان النيسابوري٥: أنه انقطع شسع نعله٦ في مضيه إلى الجمعة، فتعوق لإصلاحة ساعة، ثم قال: إنما انقطع؛ لأني ما اغتسلت غسل الجمعة.
١٥٤- ومن عجائب الجزاء في الدنيا أنه لما امتدت أيدي الظلم من إخوة
_________________
(١) ١ وهيب بن الورد، أبو أمية، المكي، مولى بني مخزوم عابد زاهد توفي سنة "١٥٣هـ"، وقد وقع في الأصل وهب، والتصويب من سير أعلام النبلاء "٧/ ١٩٨". وله: "همَّ" أي بالمعصية. ٢ رواه الحاكم "٣/ ٣١٤" والطبراني عن حذيفة ﵁. ٣ رواه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند "١/ ٧٣"، قال الهيثمي في المجمع "٤/ ٦٢"، فيه إسحاق بن أبي فروة، وهو ضعيف. والصبحة: نوم أول النهار. ٤ رواه ابن ماجة: "٤٠٢٢"، وأحمد "٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢" والحاكم "١/ ٤٩٣"، وابن حيان "٨٧٢" عن ثوبان ﵁. ٥ وهو سعيد بن إسماعيل، الواعظ كان مجاب الدعوة، توفي سنة "٢٩٨هـ". في حاشية الأصل: في الأحمدية أبي عثمان. قلت: وهو الصواب، وفي المصرية: عثمان. وسيرد على الصواب في مواضع تالية. ٦ شسع النعل: سير من جلد، يدخل بين الأصبعين من جهة، ويتصل بصدر النعل من جهة أخرى.
[ ٦٦ ]
يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]، امتدت أكفهم بين يديه بالطلب يقولون: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨]، ولما صبر هو يوم الهمة١، ملك المرأة٢ حلالًا، ولما بغت عليه بدعواها: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥]، أنطقها الحق بقولها: ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ﴾ [يوسف:٥١] .
١٥٥- ولو أن شخصًا ترك معصية لأجل الله تعالى، لرأى ثمرة ذلك، وكذلك إذا فعل طاعة، وفي الحديث: "إذا أملقتم، فتاجروا الله بالصدقة" ٣، أي: عاملوه لزيادة الأرباح العاجلة.
١٥٦- ولقد رأينا من سامح نفسه بما يمنع منه الشرع طلبًا للراحة العاجلة، فانقلبت أحواله إلى التنغص العاجل، وعكست عليه المقاصد.
١٥٧- حكى بعض المشايخ أنه اشترى في زمن شبابه جارية، قال: فلما ملكتها، تاقت نفسي٤ إليها، فما زلت أسأل الفقهاء لعل مخلوقًا يرخص لي، فكلهم قال: لا يجوز النظر إليها بشهوة، ولا لمسها، ولا جماعها إلا بعد حيضها. قال: فسألتها؟ فأخبرتني أنها اشتريت وهي حائض، فقلت: قرب الأمر، فسألت الفقهاء؟ فقالو: لا يعتد بهذه الحيضة حتى تحيض في ملكه، قال: فقلت لنفسي وهي شديدة التوقان لقوة الشهوة، وتمكن القدرة، وقرب المصاقبة٥: ما تقولين؟ فقالت: الإيمان بالصبر على الجمر شئت أم أبيت، فصبرت إلى أن حان ذلك، فأثابني الله تعالى على ذلك الصبر بنيل ما هو أعلى منها وأرفع.
_________________
(١) ١ المذكورة في الآية "٢٤" من سورة يوسف. ٢ هي زليخة امرأة العزيز. ٣ أملقتم: افتقرتم، ولم أجد الحديث بهذا لكن ورد بلفظ استعينوا على الرزق بالصدقة رواه الديلمي في الفردوس، وورد أيضًا بلفظ: استنزلوا الرزق بالصدقة رواه البيهقي في: شعب الإيمان، عن علي وابن عدي عن جبير بن مطعم، وأبو الشيح عن أبي هريرة "ضعيفان". ٤ تاقت نفسي إليها: توقانًا وتوقًا وتؤوقًا: اشتاقت ونزعت إليها، وهي توّاقة. ٥ المصاقبة: المجاورة.
[ ٦٧ ]