١٨٤- تفكرت، فرأيت أن حفظ المال من المتعين، وما يسميه جهلة المتزهدين توكلًا -من إخراج ما في اليد- ليس بالمشروع! فإن النبي -ﷺ- قال لكعب بن مالك: "أمسك عليك بعض مالك" ١، أو كما قال له. وقال لسعد: "لأن
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٤٦٧٦"، ومسلم "٢٧٦٩" عن كعب بن مالك ﵁.
[ ٧٤ ]
تترك ورثتك أغنياء خَيْرٌ [لَكَ] من أن تتركهم عالة يتكففون الناس".
فإن اعترض جاهل فقال: جاء أبو بكر -﵁- بكل ماله١. فالجواب: أن أبا بكر صاحب معاش وتجارة؛ فإذا أخرج الكل، أمكنه أن يستدين عليه فيتمعيش، فمن كان على هذه الصفة، لا أذم إخراجه لماله.
وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله، وليس من أرباب المعايش، أو يكون من أولئك، إلا أنه ينقطع عن المعاش، فيبقى كلًا٢ على الناس، يستعطيهم، ويعتقد أنه على الفتوح٣، وقلبه متعلق بالخلق، وطمعه ناشب فيهم، ومتى حرك بابه، نهض قلبه، وقال: رزق قد جاء!!
وهذا أمر قبيح بمن يقدر على المعاش، وإن لم يقدر، كان إخراج ما يملك أقبح؛ لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس، وربما ذلك لبعضهم، أو تزين له بالزهد، وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف٤ والزمنى٥ في الزكاة.
١٨٥- فعليك بالسرب الأول٦، فانظر: هل فيهم من فعل ما يفعله جهلة المتزهدين؟! وقد أشرت في أول هذا إلى أنهم كسبوا، وخلفوا الأموال، فرد إلى الشرب الأول٧ الذي لم يطرق، فإنه الصافي، واحذر من المشارع٨ المطروقة بالآراء الفاسدة، الخارجة في المعنى على الشريعة، مدعية٩ بلسان حالها أن الشرع ناقص يحتاج إلى ما يتم به!
_________________
(١) ١ رواه أبو داود "١٦٧٨"، والترمذي "٣٦٧٥"، والحاكم "١/ ٤١٤" عن عمر ﵁، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وتمامه: فقال له النبي ﷺ: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ " فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. ٢ الكل: العالة. ٣ الفتوح: الهبات الإلهية. ٤ المكافيف: العميان. ٥ الزمنى: المرضى الذين أقعدهم المرض ولا يرجى برؤهم. ٦ السرب: السلف الصالح. وقد جاء في الأصل هاهنا الشرب بالشين المعجمة، وقد تقدم أكثر من مرة بالسين المهملة. ٧ الشرب الأول: المنهل الأول وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. ٨ المشارع: الأقنية، وهي هنا بنيات الطريق والسبل المتفرقة عن الصراط المستقيم. ٩ في الأصل: مذعته.
[ ٧٥ ]
١٨٦- واعلم -وفقك الله تعالى- أن البدن كالمطية، ولا بد من علف المطية، والاهتمام به، فإذا أهملت ذلك، كان سببًا لوقوفك عن السير.
وقد رئي سلمان ﵁ يحمل طعامًا على عاتقه، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله ﷺ؟! فقال: إن النفس إذا أحرزت قوتها، اطمأنت.
وقال سفيان الثوري: إذا حصلت قوت شهر، فتعبد.
١٨٧- وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوى، فقالوا: هذا شك في الرازق، والثقة بي أولى!! فإياك وإياهم.
١٨٨- وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف١، فلا يعول عليه، ولا يهولنك خلافهم، فقد قال أبو بكر المروذي: سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح، فقلت له: قال ابن أدهم.. فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال: أذكر لك حال رسول الله ﷺ وأصحابه، وتأتيني ببنيات الطريق؟!.
١٨٩- واعلم -وفقك الله- أنه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد، وقال: لا آكل، ولا أشرب، ولا أقوم من الشمس في الحر، ولا استدفئ من البرد! كان عاصيًا بالإجماع، وكذلك لو قال -وله عائلة-: لا أكتسب، ورزقهم على الله تعالى! فأصابهم أذى، كان آثمًا، كما قال ﵊: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت".
١٩٠- واعلم أن الاهتمام بالكسب، يجمع الهم، ويفرغ القلب، ويقطع الطمع في الخلق، فإن الطبع له حق يتقاضاه، وقد بين الشرع ذلك، فقال ﷺ: "إن لنفسك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا".
١٩١- ومثال الطبع مع المريد السالك كمثل كلب لا يعرف الطارق، فكل من رآه يمشي، نبح عليه، فإن ألقى إليه كسرة، سكت عنه؛ فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير، فافهم هذه الأصول، فإن فهمها مهم.
_________________
(١) ١ الأكابر من العباد والزهاد كمالك بن دينار، وفرقد السبخي.
[ ٧٦ ]