٢٠٢- تأملت جهاد النفس، فرأيته أعظم الجهاد، ورأيت خلقًا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه؛ لأن فيهم من منعها حظوظها على الإطلاق، وذلك غلط من وجهين:
أحدهما: أنه رب مانع لها شهوة أعطاها بالمنع أوفى منها، مثل أن يمنعها مباحًا، فيشتهر بمنعه إياها ذلك: فترضى النفس بالمنع؛ لأنها قد استبدلت به المدح.
وأخفى من ذلك أن يرى -بمنعه إياها ما منع- أنه قد فضل سواه ممن لم يمنعها ذلك. وهذه دقائق١ تحتاج إلى منقاش٢ فهم يخلصها.
والوجه الثاني: أننا قد كلفنا حفظها، ومن أسباب حفظها ميلها إلى الأشياء
_________________
(١) ١ في الأصل: دفائن. وهو تصحيف. ٢ المنقاش: الملقاط الذي تستخرج به الأشياء الدقيقة كالشوكة والشعرة ونحو ذلك. ومن المجاز: استخرجت هذا بالمنقاش: أي تعبت في استخراجه ومعرفته.
[ ٨٠ ]
التي تقيمها، فلا بد من إعطائها ما يقيمها، وأكثر ذلك أو كله مما تشتهيه، ونحن كالوكلاء في حفظها؛ لأنها ليست لنا، بل هي وديعة عندنا، فمنعها حقوقها على الإطلاق خطر.
ثم رب شَدٍّ أوجب استرخاء، ورب مضيق على نفسه فرت منه، فصعب عليه تلافيها؛ وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية، ويذوب في المرارة قليلًا من الحلاوة، ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب، ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جر جوعًا، ومن لقمه ربما حرمت لقمات.
٢٠٣- فكذلك المؤمن العاقل، لا يترك لجامها، ولايهمل مقودها، بل يرخي لها في وقت، والطول١ بيده، فما دامت على الجادة، لم يضايقها في التضييق عليها، فإذا رآها قد مالت، ردها باللطف، فإن ونت٢ وأبت، فبالعنف٣، ويحسبها٤ في مقام المداراة كالزوجة، التي مبنى عقلها على الضعف والقلة، فهي تداري عند نشوزها٥ بالوعظ، فإن لم تصلح، فبالهجر، فإن لم تستقم، فبالضرب٦، وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم٧.
٢٠٤- هذه مجاهدة من حيث العمل، فأما من حيث وعظها وتأنيبها، فينبغي لمن رآها تسكن للخلق، وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها، فيقول: ألست التي قال فيك: خلقتك بيدي، وأسجدت لك ملائكتي، وارتضاك
_________________
(١) ١ الطول: كعنب: الرسن أو الزمام الذي تربط به قائة الدابة في المرعى، ويربط طرفه الثاني بوتد ونحوه. ٢ ونت: قصرت وضعفت. ٣ في الأصل: وإلا فبالعنف. ٤ ويحسبها: أي النفس، وفي الأصل: يحبسها، وهو تصحيف. ٥ نشوزها: عصيانها. ٦ ترك الضرب من مكارم الأخلاق، ومن شمائل النبي ﷺ، فإن كان ولا بد فيجب أن يتيقن أن الضرب رادع، وأن يتجنب الوجه والأعضاء الحساسة، وأن لا يكون مؤذيًا، وأن لا يترك أثرًا، وإلا لم يجز. ٧ سوط العزم:أن يهدد بالضرب ولا يضرب، كما قال رسول الله ﷺ: "علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه أدب لهم".
[ ٨١ ]
للخلافة في أرضه، وراسلك، واقترض منك واشترى؟! فإن رآها تتكبر، قال لها: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين١، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة؟! وإن رأى تقصيرها، عرفها حق الموالي على العبيد. وإن ونت٢ في العمل، حدثها بجزيل الأجر. وإن مالت إلى الهوى، وفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، كقولة تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، والمعنوية؟ كقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل.
_________________
(١) ١ الماء المهين: المني. ٢ ونت: ضعفت وقصرت.
[ ٨٢ ]