٢١٠- لما رأيت رأي نفسي في العلم حسنًا، فهي تقدمه على كل شيء،
[ ٨٤ ]
وَتَعْتَقِدُ الدليل، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل: أني رأيت كثيرًا ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السليمة١ والرأي الصحيح.
٢١١- إلا أني رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم، فصحت بها: فما الذي أفادك العلم؟! أين الخوف؟! أين القلق؟! أين الحذر؟! أو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟!
أما كان الرسول ﷺ سيد الكل، ثم إنه قام حتى ورمت قدماه٢؟!
أما كان أبو بكر ﵁ شجي النشيج، كثير البكاء؟!
أما كان في خد عمر ﵁ خطان٣ من آثار الدموع؟!
أما كان عثمان ﵁ يختم القرآن في ركعة؟!
أما كان علي ﵁ يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع، ويقول: يا دنيا غري غيري٤؟!
أما كان الحسن البصري يحيا على قوة القلق.
أما كان سعيد بن المسيب ملازمًا للمسجد، فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة؟!
أما صام الأسود بن يزيد٥ حتى اخضر واصفر؟!
_________________
(١) ١ في حاشية الأصل: في الأحمدية: الجادة السهلة. ٢ رواه البخاري "١١٣٠"، ومسلم "٢٨١٩"، عن المغيرة بن شعبة ﵁، وتمامه: فيقال له؟ فيقول: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". ٣ في الأصل: خطين. ٤ صفة الصفوة "١/ ٣١٦"ط. دار الوعي بحلب. ٥ أبوعمرو النخعي الكوفي: الإمام القدوة، وهو ابن أخي علقمة بن قيس، وخال إبراهيم النخعي، فهؤلاء أهل بيت من رؤوس العلم والعمل، كان الأسود مخضرمًا، أدرك الجاهلية والإسلام، توفي سنة "٧٥هـ".
[ ٨٥ ]
أما قالت ابنة الربيع بن خثيم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟!
فقال: إن أباك يخاف عذاب البيات؟!
أما كان أبو مسلم الخولاني١ يعلق سوطًا في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر؟!
أما صام يزيد الرقاشي٢ أربعين سنة، وكان يقول: وا لهفاه! سبقني العابدون، وقطع بي؟!
أما صام منصور بن المعتمر٣ أربعين سنة؟!
أما كان سفيان الثوري يبكي الدم من الخوف؟!
أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟!
أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؟!
احذري من الإخلاد إلى صورة العلم مع ترك العمل به، فإنها حالة الكسالى الزمنى:
وخذ لك منك على مُهْلَةٍ ومقبل عيشك لم يدبر
وخف هجمةً لا تقيل العثار وتطوي الورود على المصدر٤
ومثل لنفسك أي الرعيل يضمك في حلبة المحشر٥
_________________
(١) ١ عبد الله بن ثوب الخولاني: ريحانة الشام وحكيم الأمة، تابعي فقيه، عابد زاهد، ولد باليمن، أسلم قبل وفاة النبي ﷺ ولم يره، وهاجر إلى الشام، ووفاته بدمشق، وقبره بداريا، توفي سنة "٦٢هـ". ٢ يزيد بن أبان الرقاشي البصري القاص الزاهد أبو عمرو، توفي بين سنتي "١١٠-١٢٠هـ". ٣ السلمي الكوفي، أبو عتاب الحافظ الثبت القدوة، أحد الأعلام، توفي سنة "١٣٣هـ". ٤ في حاشية الأصيل: في هامش الهندية: الروابي، بدل الورود. ٥ في حاشية الأصيل: في هامش الهندية: الرعيل بالعين المهملة والياء المثناة التحتية قال في النهاية: يقال للقطعة من الفرسان: رعلة، ولجماعة الخيل: رعيل.
[ ٨٦ ]