٢١٥- ما أزال أتعجب ممن يرى تفضيل الملائكة على الأنبياء والأولياء! فإن كان التفضيل بالصور، فصورة الآدمي أعجب من ذوي أجنحة، وإن تركت صورة الآدمي لأجل أوساخها المنوطة بها، فالصورة ليست الآدمي، إنما هي قالب! ثم قد استحسن منها ما يستقبح في العادة، مثل: خلوف فم الصائم، ودم الشهداء١، والنوم في الصلاة٢، فبقيت صورة معمورة، وصار الحكم للمعنى. ألهم مرتبة يحبهم أو فضيلة يباهي بهم؟!
وكيف دار الأمر، فقد سجدوا لنا، وهو صريح في تفضيلنا عليهم.
٢١٦- فإن كانت الفضيلة بالعلم، فقد علمت القصة يوم: ﴿لا عِلْمَ لَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] ﴿يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾ [البقرة:٣٣] . وإن فضلت الملائكة بجوهرية ذواتهم، فجوهرية أرواحنا من ذلك الجنس، وعلينا أثقال أعباء الجسم.
بالله، لولا احتياج الراكب إلى الناقة، فهو يتوقف لطلب علفها، ويرفق في السير بها، لطرق أرض منى قبل العشر٣.
٢١٧- واعجبًا! أتفضل الملائكة بكثرة التعبد؟! فما ثم صعاد٤. أو يتعجب من الماء إذا جرى، أو من منحدر يسرع؟! إنما العجب من مصاعد يشق الطريق، ويغالب العقبات!
٢١٨- بلى، قد يتصور منهم الخلاف، ودعوى الإلهية؛ لقدرتهم على دك الصخور وشق الأرض، لذلك تواعدوا: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، لكنهم يعلمون عقوبة الحق فيحذرونه.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٢٣٧"، ومسلم "١٨٧٦" عن أبي هريرة ﵁. ٢ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "ما من امرئ تكون له صلاة بليل فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه"، رواه أبو داود "١٣١٤"، والنسائي "١٧٨٣، ١٧٨٤". ٣ العشر: عشر ذي الحجة. ٤ الصعاد: الرقي والارتفاع، وفي حاشية الأصل: في الأحمدية: فما ثم صاد. قلت: أي مانع.
[ ٨٨ ]
٢١٩- فأما بعدنا عن المعرفة الحقيقية، وضعف يقيننا بالناهي، وغلبة شهوتنا مع الغفلة، فيحتاج إلى جهاد أعظم من جهادهم.
تالله، لو ابتلي أحد المقربين بما ابتلينا به، لم يقدر على التماسك، يصبح أحدنا، وخطاب الشرع يقول له: اكسب لعائلتك، واحذر في كسبك! وقد تمكن منه ما ليس من فعله، كحب الأهل، وعلوق الولد بنياط القلب، واحتياج بدنه إلى ما لا بد منه.
فتارة يقال للخليل ﵇: اذبح ولدك بيدك! واقطع ثمرة فؤادك بكفك! ثم قم إلى المنجنيق لترمى في النار! وتارة يقال لموسى ﵇: صم شهرًا؛ ليلًا ونهارًا.
ثم يقال للغضبان: اكظم! وللبصير: اغضض! ولذي المقول: اصمت! ولمستلذ النوم: تهجد! ولمن مات حبيبه: اصبر! ولمن أصيب في بدنه: اشكر! وللواقف في الجهاد بين اثنين: لا يحل أن تفر!
ثم اعلم أن الموت يأتي بأصعب المرارات، فينزع الروح عن البدن، فإذا نزل، فاثبت! واعلم أنك ممزق في القبر، فلا تتسخط؛ لأنه مما يجري به القدر! وإن وقع بك مرض، فلا تشك إلى الخلق!
فهل للملائكة من هذه الأشياء شيء؟! وهل ثم إلا عبادة ساذجة: ليس فيها مقاومة طبع، ولا رَدُّ هَوًى؟! وهل هي إلا عبادة صورية بين ركوع وسجود وتسبيح؟! فأين عبادتهم المعنوية من عبادتنا؟!
٢٢٠- ثم أكثرهم في خدمتنا، بين كتبة علينا، ودافعين عنا، ومسخرين لإرسال الريح والمطر، وأكثر وظائفهم الاستغفار لنا. فكيف يفضلون علينا بلا علة ظاهرة؟!
٢٢١- وأما إذا ما حكت على محك التجارب طائفة منهم -مثل ماروي عن هاروت وماروت١-، خرجوا أقبح من بهرج٢.
٢٢٢- ولا تظنن أني أعتقد في تعبد الملائكة نوع تقصير؛ لأنهم شديدو
_________________
(١) ١ قصة هارون وماروت والزهرة قال عنها العلامة محدث الديار المصرية الشيخ أحمد شاكر في شرح المسند "٦١٧٨"، ما خلاصته: طرقها واهية معلولة، مع مخالفتها الواضحة للعقل. ٢ البهرج: الزائف الفاسد.
[ ٨٩ ]
الإشفاق والخوف، لعلمهم بعظمة الخالق، لكن طمأنينة من لم يخطئ تقوي نفسه، وانزعاج الغائص في الزلل يرقي روحه إلى التراقي١.
٢٢٣- فاعرفوا -إخواني- شرف أقداركم، وصونوا جواهركم عن تدنيسها بلؤم الذنوب، فأنتم معرض الفضل على الملائكة، فاحذروا أن تحكم الذنوب إلى حضيض البهائم، فأنتم معرض الفضل على الملائكة، فاحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض البهائم! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
_________________
(١) ١ التراقي: جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ الروح إلى التراقي عن الإشراف على الموت.
[ ٩٠ ]