٢٢٤- رأيت كثيرًا من الخلق وعالمًا من العلماء لا ينتهون عن البحث، عن أصول الأشياء التي أمروا بعلم جملها٢ من غير بحث عن حقائقها! كالروح مثلًا، فالله تعالى سترها بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلم يقنعوا، وأخذوا يبحثون عن ماهيتها، ولا يقعون بشيء٣، ولا يثبت لأحد منهم برهان على ما يدعيه! وكذلك العقل، فإنه موجود بلا شك، كما أن الروح موجودة بلا شك، كلاهما يعرف بآثاره، لا بحقيقة ذاته.
٢٢٥- فإن قال قائل: فما السر في كتم هذه الأشياء؟ قلت: لأن النفس ما تزال تترقى من حالة إلى حالة، فلو اطلعت على هذه الأشياء، لترقت إلى خالقها، فكان ستر ما دونه زيادة في تعظيمه؛ لأنه إذا كان بعض مخلوقاته يعلم جملة٤، فهو أجل وأعلى.
٢٢٦- ولو قال قائل: ما الصواعق؟ وما البرق؟ وما الزلازل؟ قلنا: شيء مزعج، ويكفي. والسر في ستر هذا: أنه لو كشفت حقائقه، خف مقدار تعظيمه٥.
ومن تلمح هذا الفصل، علم أنه فصل عزيز.
_________________
(١) ١ التراقي: جمع ترقوة، وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ الروح إلى التراقي عن الإشراف على الموت. ٢ في الأصل: جهلها. وهو تصحيف. ٣ لا يقعون بشيء: لا يجدون شيئًا. ٤ في هامش الأصيل: في النسختين: يعلم جملة وفي الهندية: يجهل يعلم جهله. ٥ قلت: بل يزيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فمعرفة العلماء أجل وأرسخ من معرفة العوام.
[ ٩٠ ]
٢٢٧- فإذا ثبت هذا في المخلوقات، فالخالق أجل وأعلى، فينبغي أن يوقف في إثباته على دليل وجوده، ثم يستدل على جواز بعثه رسله، ثم تتلقى أوصافه من كتبه ورسله به، ولا يزاد على ذلك.
ولقد بحث خلق كثير من صفاته بآرائهم، فعاد وبال ذلك عليهم.
٢٢٨- وإذا قلنا: أنه موجود، وعلمنا من كلامه أنه سميع بصير حي قادر كفانا هذا في صفاته، ولا نخوض في شيء آخر. وكذلك نقول: متكلم، والقرآن كلامه، ولا نتكلف ما فوق ذلك. ولم يقل السلف: تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء. ولا قالوا: استوى على العرش بذاته. ولا قالوا: ينزل بذاته بل أطلقوا ما ورد من غير زيادة. و[لا] نقول لما ثبت بالدليل ما لا يجوز عليه. وهذه كلمات كالمثال، فقس عليها جميع الصفات، تفز سليمًا من تعطيل، متخلصًا من تشبيه.
[ ٩١ ]