٢٢٩- رأيت أكثر الخلق في وجودهم كالمعدومين، فمنهم من لا يعرف الخالق. ومنهم من يثبته على مقتضى حسه. ومنهم من لا يفهم المقصود من التكليف.
٢٣٠- وترى المتوسمين بالزهد يدأبون في القيام والقعود، ويتركون الشهوات، وينسون ما قد أنسوا به من شهوة الشهرة، وتقبيل الأيادي!! ولو كلم أحدهم، قال: ألمثلي يقال هذا؟! ومن فلان الفاسق؟! فهؤلاء لا يفهمون المقصود. وكذلك كثير من العلماء في احتقارهم غيرهم، والتكبر في نفوسهم، فتعجبت، كيف يصلح هؤلاء لمجاورة الحق، وسكنى الجنة؟!
٢٣١- فرأيت أن الفائدة في وجودهم في الدنيا تجانس الفائدة في دخولهم الجنة، فإنهم في الدنيا بين معتبر به، يعرف عارف الله سبحانة نعمة الله عليه، بما كشف له مما غطى عن ذاك، ويتم النظام بالاقتداء يصور أولئك، [أو تابع يتم به
[ ٩١ ]
العمران، وتقوم به المعايش، وإنما تصلح الحياة بهذا التفاوت البعيد.
٢٣٢- ثم بين الخاصة فروق:] ١ فإن العارف لا يتسع وقته لمخالطة من يقف مع الصورة؛ فالزاهد كراعي البهم، والعالم كمؤدب الصبيان، والعارف كملقن الحكمة. ولولا نفاط٢ الملك وحارسه ووقاد أتونه٣، ما تم عيشه.
٢٣٣- فمن تمام عيش العارف استعمال أولئك بحسبهم، فإذا وصلوا إليه، حرر ما معهم٤، وفيهم من لا يصل إليه، فيكون وجود أولئك كزيادة "لا" في الكلام، هي حشو، وهي مؤكدة.
٢٣٤- فإن قال قائل: فهب هذا يصح في الدنيا، فكيف في الجنة؟! والجواب: أن الأنس بالجيران مطلوب، ورؤية القاصر من تمام لذة الكامل٥، ولكل شرب، ومن تأمل ما أشرت إليه، كفاه رمز لفظي عن تطويل الشرح.
_________________
(١) ١ زيادة من بعض النسخ المطبوعة. ٢ النفاط: رامي النفط. وفي حاشية الأصل: في الأحمدية: نغاط بالغين المعجمة والظاء المشالة. ٣ الأتون: الموقد الكبير. ٤ في الأحمدية والمصرية: مانعهم. ٥ في حاشية الأصل: في المصرية والأحمدية: لذة الكلام.
[ ٩٢ ]