٢٤٧- رأيت نفسي كلما صفا فكرها، أو اتعظت بدارج١، أو زارت قبور
_________________
(١) ١ الدارج: الشخص المتوفى.
[ ٩٥ ]
الصالحين، تتحرك همتها في طلب العزلة، والإقبال على معاملة الله تعالى.
فقلت لها يومًا وقد كلمتني في ذلك: حدثيني، ما مقصودك؟! وما نهاية مطلوبك؟! أتراك تريدين مني أن أسكن قفرًا لا أنيس به، فتفوتني صلاة الجماعة، ويضيع مني ما قد علمته لفقد من أعلمه، وأن آكل الجشب١ الذي لم أتعوده، فيقع نضوي٢ طلحًا٣ في يومين، وأن ألبس الخشن الذي لا أطيقه، فلا أدري من كرب محمولي من أنا، وأن أتشاغل عن طلب ذرية تتعبد بعدي، مع بقاء القدرة على الطلب؟! بالله، ما نفعني العلم الذي بذلت فيه عمري إن وافقتك!
٢٤٨- وأنا أعرفك غلط ما وقع لك بالعلم: اعلمي أن البدن مطية، والمطية إذا لم يرفق بها، لم تصل براكبها إلى المنزل، وليس مرادي بالرفق الإكثار من الشهوات، وإنما أعني أخذ البلغة٤ الصالحة للبدن، فحينئذ يصفو الفكر، ويصح العقل، ويقوى الذهن.
ألا ترين٥ إلى تأثير المعوقات عن صفاء الذهن في قوله ﵊: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان"، وقاس العلماء على ذلك الجوع، وما يجري مجراه من كونه حاقنًا أو حاقبًا٦؟! وهل الطبع إلا ككلب يشغل الآكل، فإذا رمى له ما يتشاغل به، طاب له الأكل؟!
٢٤٩- فأما الانفراد والعزلة، فعن الشر لا عن الخير، ولو كان فيها لك وقع خير، لنقل ذلك عن رسول الله ﷺ وعن أصحابه ﵃.
٢٥٠- هيهات! لقد عرفت أن أقوامًا دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم، وقوي الخلط السوداوي٧ عليهم، فاستوحشوا من الناس! ومنهم من
_________________
(١) ١ الجشب: الطعام الخشن. ٢ نضوي: جسمي. ٣ طلحًا: مريضًا. ٤ البلغة: ما يسد الرمق. ٥ في الأصل: ترى. ٦ في حاشية الأصل: الحاقن: بالبول، والحاقب: بالغائط. ٧ السوداوي: المصاب باضطراب مصحوبة بالحزن العميق المزمن، والتشاؤم الدائم.
[ ٩٦ ]
اجتمعت له من المآكل الردية أخلاط١ مجة٢، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل، وهو يظن ذلك من أمداد اللطف، وإذا به من سوء الهضم!
وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح، فيظنها الملائكة!!
٢٥١- فاللهَ اللهَ في العلم! واللهَ اللهَ في العقل! فإن نور العقل لا ينبغي أن يتعرض لإطفائه، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه، فإذا حفظا، حفظا وظائف الزمان، ودفعا ما يؤذي، وجلبا ما يصلح، وصارت القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة.
٢٥٢- فقالت لي النفس: فوظف لي وظيفة، واحسبني مريضًا قد كتبت له شربة. فقلت لها: قد دللتك على العلم، وهو طبيب ملازم، يصف كل لحظة لكل داء يعرض دواء يلائم.
٢٥٣- وفي الجملة: ينبغي لك ملازمة تقوى الله ﷿ في المنطق والنظر وجميع الجوارح، وتحقق الحلال في المطعم، وإيداع كل لحظة ما يصلح لها من الخير، ومناهبة الزمان٣ في الأفضل، ومجانبة ما يؤدي إلى ما يؤدي من نقص ربح، أو وقوع خسران! ولا تعملي عملًا إلا بعد تقديم النية.
وتأهبي لمزعج الموت، فكان قد٤، وما عندك من مجيئة في أي وقت يكون! الصواب، لا على مقتضى الهوى، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدين!
ودعي الرعونة التي يدل عليها الجهل لا العلم، من قول النفس: فلان يأكل الخل والبقل! وفلان لا ينام الليل!
فاحملي ما تطيقين وما قد علمت قوة البدن عليه، فإن البهيمة إذا أقبلت إلى نهر أو ساقية، فضربت لتقفز، لم تفعل حى تزن نفسها، فإن علمت فيها قوة
_________________
(١) ١ قال الأطباء الأقدمون: إن الجسم مركب من أربعة أخلاط بها قوامه، ومنها صلاحه وفساده وهي: الصفراء والدم والبلغم والسوداء. ٢ المجة: التي ترفضها النفس ولا تقبلها عادة. ٣ مناهبة الزمان: اغتنام الوقت. ٤ فكأن قد: كأن قد جاء الموت.
[ ٩٧ ]
الطفر١؛ طفرت، وإن علمت أنها لا تطيق، لم تفعل، ولو قتلت.
وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة، ولقد حمل أقوام من المجاهدات في بداياتهم أشياء أوجبت أمراضًا قطعتهم عن خير، وتسخطت قلوبهم بوقوعها، فعليك بالعلم، فإنه شفاء من كل داء، والله الموفق.
[ ٩٨ ]