٢٥٥- عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه، بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت، سلموا؛ لأن من أمر ما جاء، ومر من غير اعتراض ولا تعرض، فما قال شيئًا، لا له ولا عليه.
٢٥٦- ولكن أقوامًا قصرت علومهم؛ فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة، لم يظنوا هذا، وما هم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبة وقد مدحته الخنساء٢ فقالت:
إِذَا هَبَطَ الحَجَّاجُ أرضًا مريضَةً تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا
شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذِي بِهَا غُلَامٌ إِذَا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاهَا
فلما أتمت القصيدة، قال لكاتبه: اقطع لسانها! فجاء ذاك الكاتب المغفل بالموسى، فقالت له: ويلك! إنما قال: أجزل لها العطاء، ثم ذهبت إلى الحجاج، فقالت: كاد والله يقطع مِقْوَلِي.
٢٥٧- فكذلك الظاهرية٣ الذين لم يسلموا بالتسليم، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد، لم ألُمْه، وهذه طريقة السلف.
_________________
(١) ١ الطفر: الوثب في ارتفاع. ٢ كذا في الأصل، وهذا لا يعقل، إذ الخنساء -وهي تماضر بنت عمرو بن الشريد السلمية- قد توفيت سنة "٢٤ هـ"، والحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق قد ولد سنة "٤٠هـ" أي بعد وفاتها بست عشرة سنة. والصواب أن التي مدحته هي ليلى الأخيلية، وهي ليلى بنت عبد الله بن الرحال من بني عامر بن صعصعة، كما في الأغاني "١١/ ١٦٧" وهي شاعرة فصيحة ذكية جميلة، اشتهرت بأخبارها مع توبة بن الحمير، وتوفيت سنة "٨٠هـ". ٣ الظاهرية: سميت بذلك لأخذها بظاهر الكتاب والسنة، وإعراضها عن التأويل والرأي والقياس، وإمامها هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني، أبو سليمان الملقب بالظاهري "٢٠١-٢٧٠هـ" ومن أئمة الظاهرية ابن حزم الأندلسي.
[ ٩٨ ]
فَأَمَّا من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته، فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل.
٢٥٨- ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر١، صنف كتاب التمهيد، فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا، فقال: هذا يدل على أن الله تعالى على العرش؛ لأنه لولا ذلك، لما كان لقوله: ينزل معنى. وهذا كلام جاهل٢ بمعرفة الله ﷿؛ لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام، فقاس صفة الحق عليه٣، فأين هؤلاء واتباع الأثر؟! ولقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون، ثم عابوا المتكلمين.
٢٥٩- واعلم أيها الطالب للرشاد أنه قد سبق إلينا من العقل والنقل أصلان راسخان، عليهما أمر الأحاديث كلها:
أما النقل؛ فقوله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ومن فهم هذا، لم يحمل وصفًا له على ما يوجبه الحس.
وأما العقل، فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع٤.
٢٦٠- واعجَبًا كل العجب من رَادٍّ لم يفهم طبيعة الكلام! أليس في الحديث
_________________
(١) ١ يوسف بن عبد الله التمري القرطبي، أبو عمرو، من كبار حفاظ الحديث، ومؤرخ وأديب، ولد بقرطبة سنة "٣٦٨هـ"، وتوفي بشاطبة "٤٦٣هـ". ٢ كلام العلماء في حق بعضهم بعضًا لا يلتفت إليه، ولا ينزل بمرتبتهم، ويسمى عند العلماء كلام الأقران. ٣ أثبت الله تعالى لنفسه النزول، وأثبت النزول للمخلوق، والفرق بين نزول الخالق ونزول المخلوق، كالفرق بين الخالق والمخلوق: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . ٤ صفات الله توقيفية، ولم يأت وصف الله تعالى بالقدم في شيء نصوص الكتاب والسنة.
[ ٩٩ ]
الصحيح: "أَنَّ المَوْتَ يُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ"١؟! أو ليس العقل إذا استفتى في هذا، صرف الأمر عن حقيقته، لما ثبت عند من يفهم ماهية الموت، فقال: الموت عرض يوجب بطلان الحياة، فكيف يمات الموت؟! فإذا قيل له: فما تصنع بالحديث؟! قال: هذا ضرب مَثَلًا بإقامة صورة، ليعلم بتلك الصورة الحسية فوات ذلك المعنى.
قلنا له: فقد روي في الصحيح: "تأتي البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان"٢.
فقال: الكلام لا يكون غمامة، ولا يتشبه بها. قلنا له: أفتعطل النقل؟! قال: لا، ولكن يأتي ثوابهما. قلنا: فما الدليل الصارف لك عن هذه الحقائق. فقال: علمي بأن الكلام لا يتشبه بالأجسام، والموت لا يذبح ذبح الأنعام، "ولو"٣ علمتهم سعة لغة العرب، ما ضاقت أعطانكم٤ من سماع مثل هذا.
فقال العلماء: صدقت، هكذا تقول في تفسير مجيء البقرة، وفي ذبح الموت.
فقال: وا عجبًا لكم! صرفتم عن الموت والكلام ما لا يليق بهما حفظًا لما علمتم من حقائقهما، فكيف لم تصرفوا عن الإله القديم ما يوجب التشبيه له بخلقة بما قد دل الدليل على تنزيهه عنه٥؟!
فما زال يجادل الخصوم بهذه الأدلة، ويقول: لا أقطع حتى أقطع، فما قطع حتى قطع٦.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٤٧٣٠"، ومسلم "٢٨٤٩" عن أبي سعيد الخدري ﵁، وانظر في معنى الذبح فتح الباري "١١/ ٤٣٠". ٢ رواه مسلم "٨٠٤و ٨٠٥" عن أبي أمامة والنواس ﵁. ٣ في الأصل: ولقد. ٤ أعطانكم: صدوركم. ٥ انظر في مسألة الصفات كتاب الأسماء والصفات نقلًا وعقلًا للعلامة المفسر محمد الأمين الجكني الشنقيطي؛ فقد حرر المسألة وكشف الشبهات، وحل المشكلات بأيسر كلام وأوضحه. ٦ أي: لا أتوقف عن الخوض في هذه المسألة حتى تقام على حجة قاطعة دامغة.
[ ١٠٠ ]