٢٦٢- عرضت لي حالة لجأت فيها بقلبي إلى الله تعالى وحده، عالمًا بأنه لا يقدر على جلب نفعي، ودفع ضري سواه، ثم قمت أتعرض بالأسباب، فأنكر علي يقيني، وقال: هذا قدح في التوكل! فقلت: ليس كذلك، فإن الله تعالى وضعها١ من الحكم، وكان معنى حالي: أن ما وضعت لا يفيد، وأن وجوده كالعدم!
٢٦٣- وما زالت الأسباب في الشرع: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ
_________________
(١) ١ أي: الأسباب. وفي الأصل: وضع.
[ ١٠١ ]
لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . وقال تعالى: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ [يوسف: ٤٧] . وقد ظاهر النبي ﷺ بين درعين، وشاور طبيبين، ولما خرج إلى الطائف، لم يقدر على دخول مكة، حتى بعث إلى المطعم بن عدي، فقال: "أدخل في جوارك"، وقد كان يمكنه أن يدخل متوكلًا بلا سبب.
٢٦٤- فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب، كان إعراضي عن الأسباب دفعًا للحكمة، ولهذا أرى أن التداوي مندوب إليه، وقد ذهب صاحب مذهبي١ إلى أن ترك التداوي أفضل، ومنعني الدليل من اتباعه في هذا: فإن الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "ما أنزل الله داءً، إلا وأنزل له دواء، فتداووا"٢، ومرتبة هذه اللفظة الأمر، والأمر إما أن يكون واجبًا، أو ندبًا، [إن] ٣ لم يسبقه حظر، [فإن سبقه حظر] ٤ فيقال: هو أمر إباحة٥. وكانت عائشة ﵂ تقول: تعلمت الطب من كثرة أمراض رسول الله ﷺ وما ينعت له٦، وقال ﵊ لعلي بن أبي طالب ﵁: "كل من هذا، فإنه أوفق لك من هذا"٧.
٢٦٥- ومن ذهب إلى أن تركه أفضل، احتج بقوله ﵊: "يدخل الجنة سبعون ألفًا بلا حساب"، ثم وصفهم فقال: "لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكولون"٨. وهذا لا ينافي التداوي؛ لأنه قد كان أقوام يكتوون لئلا يمرضوا، ويسترقون لئلا تصيبهم نكبة، وقد كوى عليه الصلاة والسلم أسعد بن زرارة٩، ورخص في الرقية في الحديث الصحيح١٠، فعلمنا أن المراد ما أشرنا إليه.
_________________
(١) ١ أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. ٢ رواه البخاري "٦٥٧٨" عن ابن مسعود ﵁. ٣ في الأصل: ولم. ٤ زيادة ليستقيم بها الكلام. ٥ إن الأمر بعد النهي يفيد الإباحة، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله ﷺ: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" نسخ النهي، فرجع الحكم إلى الإباحة. ٦ رواه أحمد "٦٧١٦"، وأبو نعيم "٢/ ٤٩"، والحاكم "٤/ ١١". ٧ رواه أبوداود "٣٨٥٦"، والترمذي "٢٠٣٨"، وابن ماجه "٣٤٤٢" عن أم المنذر الأنصارية ﵂. ٨ رواه البخاري "٥٧٥٢"، ومسلم "٢٢٠" عن ابن عباس ﵁. ٩ رواه الترمذي "٢٠٥٠"، وابن ماجه "٣٤٩٢"، وأحمد "٤/ ٦٥"، و"٥/ ٣٦٧٨". قلت: وقد وقع في الأصل سعد بن زرارة. وهو خطأ. ١٠ رواه البخاري "٥٧٤١"، ومسلم "٢١٩٣" عن عائشة ﵂، انظر: زاد المعاد "٣/ ٦٣".
[ ١٠٢ ]
٢٦٦- وإذا عرفت الحاجة إلى إسهال الطبع، رأيت أن أكل البلوط مما يمنع عنه علمي، وشرب ماء التمر هندي أوفق، وهذا طب، فإذا لم أشرب ما يوافقني، ثم قلت: اللهم! عافني! قالت لي الحكمة: أما سمعت: "اعقلها وتوكل"١؟! اشرب! وقل: عافني! ولا تكن كمن بين زرعه وبين النهر كف من تراب، تكاسل أن يرفعه بيده، ثم قام يصلي صلاة الاستسقاء!
٢٦٧- وما هذه الحالة إلا كحال من سافر على التجريد٢، وإنما سافر على التجريد؛ لأنه يجرب ربه٣ ﷿، هل يرزقه أو لا؟ وقد تقدم الأمر إليه:
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧]، فقال: لا أتزود! فهذا هالك قبل أن يهلكه، ولو جاء وقت صلاة وليس معه ماء، لِيمَ على تفريطه، وقيل له: هلا استصحبت الماء قبل المفازة!
٢٦٨- فالحذر الحذر من أفعال أقوام دققوا، فمرقوا٤ عن الأوضاع الدينية، وظنوا أن كمال الدين بالخروج عن الطباع، والمخالفة للأوضاع، ولولا قوة العلم والرسوخ فيه، لما قدرت على شرح هذا ولا عرفته. فافهم ما أشرت إليه، فهو أنفع لك من كراريس تسمعها، وكن مع أهل المعاني لا مع أهل الحشو.
_________________
(١) ١ رواه الحاكم "٣/ ٦٢٣"، وابن حبان "٧٣١"، وقال الهيثمي في المجمع "١٠/ ٣٠٦": رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح، غير يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية: وهو ثقة. ٢ أي: بلا زاد ولا رفقة، وفي الأصل التجربة وهو تصحيف. ٣ في الأصل: "بربه". ٤ مرقوا: خرجوا.
[ ١٠٣ ]