٢٨٤- ليس في التكليف أصعب من الصبر على القضاء، ولا فيه أفضل من الرضا به. فأما الصبر، فهو فرض، وأما الرضا، فهو فضل.
٢٨٥- وإنما صعب الصبر؛ لأن القدر يجري في الأغلب بمكروه النفس، وليس مكروه النفس يقف على المرض والأذى في البدن، بل هو يتنوع، حتى يتحير العقل في حكمة جريان القدر.
٢٨٦- فمن ذلك أنك إذا رأيت مغمورًا بالدنيا، قد سالت له أوديتها١، حتى لا يدري ما يصنع بالمال، فهو يصوغه أواني يستعملها، ومعلوم أن البلور والعقيق والشبه قد يكون أحسن منها صورة، غير أن قلة مبالاته بالشريعة جعلت عنده وجود النهي كعدمه! ويلبس الحرير، ويظلم الناس، والدنيا منصبة عليه، ثم ترى خلقًا من أهل الدين وطلاب العلم، مغمورين بالفقر والبلاء، مقهورين تحت ولاية ذلك الظالم: فحينئذ يجد الشيطان طريقًا للوسواس، ويبتدئ بالقدح في حكمة القدر، فيحتاج المؤمن إلى الصبر على ما يلقى من ضر في الدنيا، وعلى جدال إبليس في ذلك.
٢٨٧- وكذلك في تسليط الكفار على المسلمين والفساق على أهل الدين. وأبلغ من هذا إيلام الحيوان، وتعذيب الأطفال؛ ففي مثل هذه المواطن يتمحض الإيمان.
٢٨٨- ومما يقوي الصبر على الحالتين: النقل، والعقل: أما النقل، فالقرآن والسنة.
٢٨٩- أما القرآن، فمنقسم إلى قسمين:
أحدهما: بيان سبب إعطاء الكافر والعاصي، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [ال عمران: ١٧٨]، ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ
_________________
(١) ١ أي: فتحت له أبواب الرزق.
[ ١٠٧ ]
يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] وفي القرآن من هذا كثير.
والقسم الثاني: ابتلاء المؤمن بما يلقى، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦] وفي القرآن من هذا كثير.
٢٩٠- وأما السنة، فمنقسمة إلى قول وحال:
أما الحال، فإنه ﷺ كان يتقلب على رمال حصير تؤثر في جنبه، فبكى عمر ﵁، وقال: كسرى وقيصر في الحرير والديباج! فقال ﷺ: "أفي شك أنت يا عمر؟! ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟! "١.
وأما القول، فكقوله ﵊: "لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء"٢.
٢٩١- وأما العقل، فإنه يقوي عساكر الصبر بجنود منها: أن يقول: قد ثبتت عندي الأدلة القاطعة على حكمة المقدر، فلا أترك الأصل الثابت لما يظنه الجاهل خللًا.
٢٩٢- ومنها: أن يقول: ما قد استهولته أيها الناظر من بسط يد العاصي هي قبض في المعنى، وما قد أثر عندك من قبض يد الطائع بسط في المعنى؛ لأن ذلك البسط٣ يوجب عقابًا طويلًا، وهذا القبض٤ يؤثر انبساطًا في الأجر جزيلًا، فزمان الرجلين ينقضي عن قريب، والمراحل تطوى، والركبان في السير٥ الحثيث.
٢٩٣- ومنها: أن يقول: قد ثبت أن المؤمن بالله كالأجير، وأن زمن التكليف
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٢٤٦٨" عن عمر ﵁. ٢ رواه الترمذي "٢٣٢٠"، وابن ماجة "٤١١٠" عن سهل بن سعد ﵁. ٣ البسط: العطاء. ٤ القبض: المنع أو السلب. ٥ زيادة من بعض النسخ المطبوعة.
[ ١٠٨ ]
كبياض نهار، ولا ينبغي للمستعمل في الطين أن يلبس نظيف الثياب؛ بل ينبغي أن يصابر ساعات العمل، فإذا فرغ، تنظف، ولبس أجود ثيابه، فمن ترفه وقت العمل، ندم وقت تفريق الأجرة، وعوقب على التواني١ فيما كلف.
٢٩٤- فهذه النبذة تقوي أزر الصبر، وأزيدها بسطًا فأقول: أترى إذا أريد اتخاذ شهداء، فكيف لا يخلق أقوام يبسطون أيديهم لقتل المؤمنين؟! أفيجوز أن يفتك بعمر إلا مثل أبي لؤلؤة٢؟! وبعلي إلا مثل ابن ملجم٣؟! أفيصح أن يقتل يحيى بن زكريا إلا جبار كافر؟!
٢٩٥- ولو أن عين الفهم زال عنها غشاء العشا، لرأت المسبب لا الأسباب، والمقتدر لا الأقدار، فصبرت على بلائه، إيثارا لما يريد. ومن هاهنا ينشأ الرضا، كما قيل لبعض أهل البلاء: ادع الله بالعافية! فقال: أحبه إلي أحبه إلى الله ﷿!!
إن كان رضاكم في سهري فسلام الله على وسني٤
_________________
(١) ١ التواني: الضعف والفتور. ٢ فيروز الفارسي المجوسي، قاتل عمر بن الخطاب ﵁. ٣ عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي، قاتل علي بن أبي طالب ﵁. ٤ الوسن: النوم الخفيف.
[ ١٠٩ ]