٢٩٦- لما أنهيت كتابة الفصل المتقدم، هتف بي هاتف من باطني: دعني من شرح الصبر على الأقدار، فإني قد اكتفيت بأنموذج ما شرحت! وصف حال الرضا، فإني أجد نسيمًا من ذكره فيه روح للروح١!
فقلت: أيها الهاتف! اسمع الجواب! وافهم الصواب! إن الرضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته، رضيت بقضائه.
٢٩٧- وقد يجري في ضمن القضاء مرارات، يجد بعض طعمها الراضي، أما العارف، فتقل عنده المرارة، لقوة حلاوة المعرفة، فإذا ترقى بالمعرفة إلى المحبة، صارت مرارة الأقدار حلاوة. كما قال القائل:
_________________
(١) ١ روح للروح: أي راحة للنفس.
[ ١٠٩ ]
عذابه فيك عذب وبعده فيك قرب
وأنت عندي كروحي بل أنت منها أحب
حسبي من الحب أني لما تحب أحب
وقال بعض المحبين في هذا المعنى:
ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
٢٩٨- فصاح بي الهاتف: حدثني، بماذا أرضى؟! قدر أني أرضى في أقداره بالمرض والفقر، أفأرضى بالكسل عن خدمته، والبعد عن أهل محبته؟! فبين لي ما الذي يدخل تحت الرضا مما لا يدخل!
فقلت له: نعم ما سألت، فاسمع الفرق سماع من ألقى السمع وهو شهيد: ارض بما كان منه، فأما الكسل والتخلف، فذاك منسوب إليك، فلا ترض به من فعلك. وكن مستوفيًا حقه عليك، مناقشًا نفسك فيما يقربك منه، غير راض منها بالتواني في المجاهدة.
فأما ما يصدر من أقضيته المجردة، التي لا كسب لك فيها، فكن راضيًا بها، كما قالت رابعة رحمة الله عليها، وقد ذكر عندها رجل من العباد يلتقط من مزيلة فيأكل، فقيل: هلا سأل الله تعالى أن يجعل رزقه من غير هذا؟! فقالت: إن الراضي لا يتخير، ومن ذاق طعم المعرفة، وجد فيه طعم المحبة، فوقع الرضا عنده ضرورة.
٢٩٩- فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة، فقد قال ﷾: "لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به "١. فذلك الغنى الأكبر ووا فقراه!
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٦٥٠٢" عن أبي هريرة ﵁.
[ ١١٠ ]