٣٠٤- ليس في الوجود شيء أشرف من العلم. كيف لا وهو الدليل، فإذا عدم، وقع الضلال؟!
٣٠٥- وإن من خفي مكايد الشيطان أن يزين في نفس الإنسان التعبد، ليشغله عن أفضل التعبد، وهو العلم، حتى إنه زين لجماعة من القدماء أنهم دفنوا كتبهم، ورموها في البحر! وهذا قد ورد عن جماعة. وأحسن ظني بهم أن أقول: كان فيها شيء من رأيهم وكلامهم، فما أحبوا انتشاره؛ وإلا فمتى كان فيها علم مفيد صحيح لا يخاف عواقبه، كان رميها إضاعة للمال لا يحل.
٣٠٦- وقد دنت حيلة إبليس إلى جماعة من المتصوفة، حتى منعوا من حمل المحابر تلامذتهم، وحتى قال جعفر الخلدي٢: لو تركني الصوفية، جئتكم بإسناد الدنيا، كتبت مجلسًا عن عباس الدوري٣، فلقيني بعض الصوفية، فقال: دع علم الورق، وعليك بعلم الخرق. ورئيت محبرة مع بعض الصفوية، فقال له صوفي آخر: استر عورتك! وقد أنشدوا للشبلي٤:
إذا طالبوني بعلم الوَرَقْ بَرَزْتُ عليْهم بِعِلْمِ الخِرَقْ
وهذا من خفي حيل إبليس، ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠] .
_________________
(١) ١ تعي: تدرك وتعقل وتفهم. ٢ جعفر بن محمد بن نصير أبو محمد الخلدي "٢٥٣-٣٤٨هـ": شيخ الصوفية في أيامه ببغداد وأعلمهم بالحديث، كان خواصًا: يصنع الخوص من سعف النخل، نسبته إلى قصر الخلد وهو قصر من قصور الخلافة في بغداد، حج "٥٦" حجة. ٣ أبو الفضل عباس بن محمد الدوري البغدادي: "١٨٥-٢٧١هـ": الإمام الحافظ، الثقة، الناقد، وقد وقع في الأصل: "أبو العباس" والتصويب من تاريخ بغداد "٧/ ٢٢٧". ٤ دلف بن جحدر، أبو بكر الشبلي "٢٤٧-٣٣٤هـ": من كبار الصوفية: نسبته إلى شبلة، قريبة من قرى ما وراء النهر. وعلم الورق الشريعة في تفسير وحديث وفقه ونحوه، "وعلم الخرق" التصوف.
[ ١١٢ ]
وإنما فعل وزينه عندهم لسببين: أحدهما: أنه أرادهم يمشون في الظلمة.
والثاني: أن تصفح العلم كل يوم يزيد في العالم، ويكشف له ما كان خفي عنه، ويقوي إيمانه ومعرفته، ويريه عيب كثير من مسالكه، إذا تصفح منهاج الرسول ﷺ والصحابة.
فأراد إبليس سد تلك الطرق بأخفى حيلة؛ فأظهر أنه المقصود العمل لا العلم لنفسه، وخفي على المخدوع أن العلم عمل، وأي عمل!
فاحذر من هذه الخديعة الخفية، فإن العلم هو الأصل الأعظم والنور الأكبر.
وربما كان تقليب الأوراق أفضل من الصوم والصلاة والحج والغزو، وكم من معرض عن العلم يخوض في عذاب الهوى في تعبده، ويضيع كثيرًا من الفرص بالنفل، ويشتغل بما يزعمه الأفضل عن الواجب، ولو كانت عنده شعلة من نور العلم، لاهتدى، فتأمل ما ذكرت لك، ترشد إن شاء الله تعالى.
[ ١١٣ ]