٣١١- تأملت أشياء تجري في مجالس الوعظ، يعقدها العوام وجهال العلماء قربة، وهي منكر وبعد، وذاك أن المقرئ يطرب، ويخرج الألحان إلى الغناء، والواعظ ينشد بتطريب أشعار المجنون وليلى١، فيصفق هذا! ويحرق ثوبه هذا! ويعتقدن أن ذلك قربة!!
ومعلوم أن هذه الألحان كالوسيقا، توجب طربًا للنفوس [ونشوة]؛ فالتعرض بما يوجب الفساد غلط عظيم، وينبغي الاحتساب على الوعاظ في هذا٢.
٣١٢- وكذلك المقابريون٣ منهم، فإنهم يهيجون الأحزان، ليكثر بكاء
_________________
(١) ١ هو قيس بن الملوح بن مزاحم العامري، مجنون ليلى، شاعر غزل، من المتيمين، من أهل نجد، لم يكن مجنونًا، وإنما لقب بذلك لهيامه بحب ليلى بنت مهدي بن سعد، توفي سنة "٦٨هـ". ٢ أي: أن يراقب المحتسبون الوعاظ، وينصحونهم إذا تجاوزوا الحق. ٣ من يطوفون على المقابر فينشدون أشعار الرثاء والحكمة التي تهيج الحزن والبكاء، وبعضهم يرتزقون من قراءة القرآن على القبور وهم شر ممن ينشد الأشعار.
[ ١١٤ ]
النساء، فيعطلون على ذلك الأجرة، ولو أنهم أمروا بالصبر، لم ترد النسوة ذلك! وهذه أضداد للشرع. قال ابن عقيل: حضرنا عزاء رجل قد مات له ولد، فقرأ المقرئ: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]، فقلت له: هذه نياحة بالقرآن!
٣١٣- وفي الوعّاظ من يتكلم على طريق المعرفة والمحبة، فترى الحائك والسوقي الذي لا يعرف فرائض تلك الصلاة يمزق أثوابه، دعوة لمحبة الله تعالى!! والضافي حالًا منهم -وهو أصلحهم- يتخايل بوهمه شخصًا هو الخالق، فيبكيه شوقه إليه، لما يسمع من عظمته ورحمته وجماله. وليس ما يتخايلونه المعبود؛ لأن المعبود لا يقع في خيال.
٣١٤- وبعد هذا، فالتحقيق١ مع العوام صعب، ولا يكادون ينتفعون بمر الحق؛ إلا أن الواعظ مأمور بأن لا يتعدى الصواب، ولا يتعرض لما يفسدهم، بل يجذبهم إلى ما يصلح بألطف وجه، وهذا يحتاج إلى صناعة، فإن من العوام من يعجبه حسن اللفظ، ومنهم من يعجبه الإشارة، ومنهم من ينقاد ببيت من الشعر.
٣١٥- وأحوج الناس إلى البلاغة الواعظ، ليجمع مطالبهم؛ لكنه ينبغي أن ينظر في اللازم الجواب، وأن يعطيهم من المباح في اللفظ قدر الملح في الطعام، ثم يجتذبهم إلى العزائم، ويعرفهم الطريق الحق.
٣١٦- وقد حضر أحمد بن حنبل، فسمع كلام الحارث المحاسبي٢، فبكى، ثم قال: لا يعجبني الحضور. وإنما بكى؛ لأن الحال أوجبت البكاء.
٣١٧- وقد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص، فينهون عن الحضور عندهم، وهذا على الإطلاق لا يحسن اليوم؛ لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم، فرأوا حضور القصص صادًّا لهم، واليوم كثر الإعراض عن العلم، فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ، يرده عن ذنب، ويحركه إلى توبة؛ وإنما الخلل في القاص، فليتق الله ﷿.
_________________
(١) ١ التحقيق: أي تفصيل المسائل وبيان الوجوه. ٢ الحارث بن أسد المحاسبي، أبو عبد الله، من كبار الصوفية، كان عالمًا بالأصول والمعاملات، واعظًا مبكيًا، ولد بالبصرة، وتوفي ببغداد سنة "٢٤٣هـ".
[ ١١٥ ]