٣١٨- من أضر الأشياء على العوام كلام المتأولين والنفاة للصفات والإضافات. فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات، ليتقرر في أنفس العوام وجود الخالق، فإن النفوس تأنس بالإثبات، فإذا سمع العامي ما يوجب النفي، طرد عن قلبه الإثبات، فكان أعظم ضرر عليه، وكان هذا المنزه من العلماء -على زعمه- مقاومًا لإثبات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالمحو، وشارعًا في إبطال ما يفتون به.
٣١٩- وبيان هذا: أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش، فأنست النفوس إلى إثبات الإله ووجوده: قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقال تعالى: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] . وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦] . ﴿﵃﴾ [البينة: ٨] .
وأخبر١ أنه ينزل إلى السماء الدنيا٢. وقال: "قلوب العباد بين أصبعين"٣.
وقال: "كتب التوراة بيده"٤. "وكتب كتابًا فهو عنده فوق العرش"٥. إلى غير ذلك مما يطول ذكره.
فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يفهمه الحس، قيل له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فمحا من قلبه ما نقشه الخيال، وتبقى ألفاظ الإثبات متمكنة.
ولهذا أقر الشرع مثل هذا، فسمع٦ مُنْشِدًا ٧ يقول: "وفوق العرش رب
_________________
(١) ١ أي: الله تعالى على لسان نبيه ﷺ. ٢ رواه البخاري "١١٤٥"، ومسلم "٧٥٨" عن أبي هريرة ﵁. ٣ رواه مسلم "٢٦٥٤" عن عبد الله بن عمرو ﵁. ٤ رواه البخاري "٦٦١٤"، مسلم "٢٦٥٢" عن أبي هريرة ﵁. ٥ رواه البخاري "٣١٩٤"، ومسلم "٢٧٥١" عن أبي هريرة ﵁. ٦ زيادة من بعض النسخ المطبوعة. ٧ هو عبد الله بن رواحة ﵁، وذلك أنه مشي ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته، =
[ ١١٦ ]
العالمينا" فضحك. وقال له آخر: أو يضحك ربنا؟ فقال: "نعم"١. وقال: "أنه على عرشه هكذا"٢.
كل هذا ليقرر الإثبات في النفوس!
٣٢٠- وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يعلمون من الشاهد، فيقنع منهم بذلك، إلى أن يفهموا التنزيه. ولهذا صحح إسلام من انفتل٣ بالسجود. فأما إذا ابتدئ بالعامي الفارغ من فهم الإثبات، فقلنا: ليس في السماء! ولا على العرش! ولا يوصف بيد! وكلامه صفة قائمة بذاته، وليس عندنا منه شيء! ولا يتصور نزوله: انمحى من قلبه تعظيم المصحف، ولم يتوضع في سره إثبات إله. وهذه جناية عظيمة على الأنبياء، توجب نقض ما تعبوا في بيانه، ولا يجوز لعالم أن يأتي إلى عقيدة عامي قد أنس بالإثبات فيهوشها، فإنه يفسده، ويصعب صلاحه.
٣٢١- فأما العالم، فإنا قد أمناه؛ لأنه لا يخفى عليه استحالة تجدد صفة الله تعالى، وأنه لا يجوز أن يكون استوى كما يعلم، ولا يجوز أن يكون محمولًا، ولا
_________________
(١) = فلامته، فجحده، وكانت قد رأت جماعه لها، فقالت له: إن كنت صادقًا فاقرأ القرآن، فقال: شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة شداد ملائكة الإله مسومينا فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني. وكانت لا تحفظ القرآن ولاتقرؤه، وليس في الخير ذكر لضحك النبي ﷺ ولا علمه بالقصة، وقد روى هذا الخبر ابن عبد البر في الاستيعاب "٢/ ٢٩٦". ١ رواه ابن ماجه "١٨١" وأحمد "٤/ ١١و١٢ و١٣" عن وكيع بن حدس، عن أبي رزين قال الهيثمي في المجمع: وكيع ذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجاله احتج بهم مسلم، وانظر حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة: يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد" رواه البخاري "٢٨٢٦"، ومسلم "١٨٩٠". ٢ رواه أبوداود "٤٧٢٦" وابن أبي عاصم في السنة "٢٥٢/ ٥٧٥" من طريق محمد بن إسحاق وهو مدلس، فإذا لم يصرح بالسماع لا يحتج بحديثه. ٣ في حاشية الأصل: كذا في النسخ الثلاثة.
[ ١١٧ ]
أن يوصف بملاصقة ومس، ولا أن ينتقل، ولا يخفى عليه أن المراد بتقليب القلوب بين إصبعين الإعلام بالتحكم في القلوب، فإن ما يديره الإنسان بين إصبعين هو متحكم فيه إلى الغاية، ولا يحتاج إلى تأويل من قال: الإصبع الأثر الحسن، فالقلوب بين أثرين من آثار الربوبية، وهما: الإقامة، والإزاغة. ولا إلى تأويل من قال: يداه: نعمتاه؛ لأنه إذا فهم أن المقصود الإثبات، وقد حدثنا بما نعقل، وضربت لنا الأمثال بما نعلم، وقد ثبت عندنا بالأصل المقطوع به أنه لا يجوز عليه ما يعرفه الحس، علمنا المقصود بذكر ذلك.
٣٢٢- وأصلح ما نقول للعوام١: أمروا هذه الأشياء كما جاءت، ولا تتعرضوا لتأويلها، وكل ذلك يقصد به حفظ الإثبات، وهذا الذي قصده السلف.
وكان أحمد يمنع من أن يقال: لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق. كل ذلك ليحمل على الاتباع، وتبقى ألفاظ الإثبات على حالها.
٣٢٣- وأجهل الناس من جاء إلى ما قصد النبي ﷺ تعظيمه، فأضعف في النفوس قوى التعظيم: قال النبي ﷺ: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو"٢، يشير إلى المصحف. ومنع الشافعي أن يحمله المحدث بعلاقته٣، تعظيمًا له.
٣٢٤- فإذا جاء متحذلق٤ فقال: الكلام صفة قائمة بذات المتكلم! بمعنى قوله هذا أن ما ها هنا شيء يحترم! فهذا قد ضاد بما أتى به مقصود الشرع، وينبغي أن يفهم أوضاع الشرع ومقاصد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
٣٢٥- وقد منعوا من كشف ما قد قنع الشرع، فنهى رسول الله ﷺ عن الكلام في القدر٥، ونهى عن الاختلاف٦؛ لأن هذه الأشياء تخرج إلى ما يؤذي، فإن
_________________
(١) ١ بل وللعلماء أيضًا، حتى إن كبار المتكلمين تمنوا مثل إيمان العوام، فقد قال إمام الحرمين: اللهم إيمانًا كإيمان العجائز. ٢ رواه البخاري "٢٩٩٠"، ومسلم "١٨٦٩" عن ابن عمر ﵄. ٣ كيس له عروة كبيرة يوضح فيه المصحف. ٤ من المتكلمين. ٥ رواه الطبراني "١٠٤٤٨"، وأبو نعيم "٤/ ١٠٨" عن ابن مسعود ﵁، قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء "١/ ٥٠": إسناده حسن. ٦ رواه البخاري "٥٠٦٢" عن ابن مسعود ﵁.
[ ١١٨ ]
الباحث عن القدر إذا بلغ فهمه إلى أن يقول: قضى وعاقب، تزلزل إيمانه بالعدل، وإن قال: لم يقدر، ولم يقض، تزلزل إيمانه بالقدرة والملك، فكان الأولى ترك الخوض في هذه الأشياء.
٣٢٦- ولعل قائلًا يقول: هذا منع لنا عن الاطلاع على الحقائق، وأمر بالوقوف مع التقليد! فأقول: لا، إنما أعلمك أن المراد منك الإيمان بالجمل، وما أمرت بالتنقير "لمعرفة الكنه"، مع أن قوى فهمك تعجز عن إدراك الحقائق.
فإن الخليل ﵊ قال: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] . فأراه مَيْتًا أحيي، ولم يره كيف أحياه؛ لأن قواه تعجز عن إدراك ذلك.
٣٢٧- وقد كان النبي ﷺوهو الذي بعث ليبين للناس ما نزل إليهم- يقنع من الناس بنفس الإقرار، واعتقاد الجمل.
٣٢٨- وكذلك كانت الصحابة، فما نقل عنهم أنهم تكلموا في تلاوة ومتلو، وقراءة ومقروء، ولا أنهم قالوا: استوى بمعنى استولى! وينزل بمعنى يرحم! بل قنعوا بإثبات الجمل التي تثبت التعظيم عند النفوس، وكفوا كف الخيال بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
٣٢٩- ثم هذا منكر ونكير، إنما يسألان عن الأصول المجملة، فيقولان: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن فهم هذا الفصل، سليم من تشبيه المجسمة، وتعطيل المعطلة، ووقف على جادة السلف الأول. والله الموفق.
[ ١١٩ ]