٣٣١- نظرت فيما تكلم به الحكماء في العشق وأسبابه وأدويته، وصنفت في ذلك كتابًا سميته بـ "ذم الهوى"، وذكرت فيه عن الحكماء أنهم قالوا: سبب العشق حركة نفس فارغة، وأنهم اختلفوا: فقال قوم منهم: لا يعرض العشق إلا لظراف الناس، وقال آخرون: بل لأهل الغفلة منهم عن تأمل الحقائق١.
٣٣٢- إلا أنه خطر لي بعد ذلك مَعْنًى عجيب، أشرحه ها هنا، وهو أنه لا يتمكن العشق إلا مع واقف جامد، فأما أرباب صعود الهمم، فإنها كلما تخايلت ما
_________________
(١) ١ ذم الهوى ص "٢٨٩".
[ ١٢٠ ]
توجبه المحبة، فلاحت عيوبه لها -إما بالفكر فيه، أو بالمخالطة له-، تسلت أنفسهم، وتعلقت بمطلوب آخر. فلا يقف على درجة العشق، الموجب للتمسك بتلك الصورة، العامي١ عن عيوبها، إلا جامد واقف.
٣٣٣- وأما أرباب الأنفة من النقائص؛ فإنهم أبدًا في الترقي، لا يصدهم صاد، فإذا علقت الطباع محبة شخص، لم يبلغوا مرتبة العشق المستأثر، بل ربما مالوا ميلًا شديدًا، إما في البداية لقلة التفكير، أو لقلة المخالطة والاطلاع على العيوب، وإما لتشبث بعض الخلال الممدوحة بالنفوس من جهة مناسبة وقعت بين الشخصين، كالظريف مع الظريف، والفطن مع الفطن، فيوجب ذلك المحبة، فأما العشق، فلا، فهم أبدًا في السير، فلا توقف، وإبل الطبع تتبع حادي الفهم، فإن للطبع متعلقًا لا تجده في الدنيا؛ لأنه يروم ما لا يصح وجوده من الكمال في الأشخاص، فإذا تلمح عيوبها نفر.
٣٣٤- وأما متعلق القلوب من محبة الخالق البارئ، فهو مانع لها من الوقوف مع سواه، وإن كانت محبته لا تجانس محبة المخلوقين، غير أن أرباب المعرفة ولهي٢، قد شغلهم حبة عن حب غيره، وصارت الطباع مستغرقة لقوة معرفة القلوب ومحبتها، كما قالت رابعة:
أحب حبيبًا لا أعابُ بحبهِ وأحببتم مَنْ فِي هَوَاهُ عُيُوْبُ٣
٣٣٥- ولقد روي عن بعض فقراء الزهاد: أنه مر بامرأة، فأعجبته، فخطبها إلى أبيها، فزوجه، وجاء به إلى المنزل، وألبسه غير خلقانه، فلما جن الليل، صاح الفقير: ثيابي! ثيابي! فقدت ما كنت أجده! فهذه عثرة في طريق هذا الفقير دلته على أنه منحرف عن الجادة.
٣٣٦- وإنما تعتري هذه الحالات أرباب المعرفة بالله ﷿، وأهل الأنفة من الرذائل. وقد قال ابن مسعود: إذا أعجبت أحدكم امرأة، فيتذكر مثانتها، ومثال هذه
_________________
(١) ١ العامي: الأعمى. ٢ الوله: مرتبة يستلب فيها عقل العاشق. ٣ في الأصل: "وأحببتهم"، وهو تصحيف.
[ ١٢١ ]
الحال أن العقل يغيب عند استحلاء تناول المشتهى من الطعام عن التفكير في تقلبه في الفم، وبلعه، ويذهل عند الجماع عن ملاقاة القاذورات، لقوة غلبة الشهوة، وينسى عند بلع الرضاب١ استحالته عن الغذاء.
وفي تغطية تلك الأحوال مصالح إلا أن أرباب اليقظة يعتريهم هذا الإحساس من غير طلب له٢ في غالب أحوالهم، فينغص عليهم لذيذ العيش، ويوجب الأنفة من رذالة الهوى. وعلى قدر النظر في العواقب يخف العشق عن قلب العاشق، وعلى قدر جمود الذهن يقوى القلق. قال المتنبي٣.
لو فكر العاشق في منتهى حسن الذي يسبيه لم يسبه
٣٣٧- ومجموع ما أردت شرحه: أن طباع المتيقظين تترقى، فلا تقف مع شخص مستحسن، وسبب ترقيها التفكير في نقص ذلك الشخص وعيوبه، أو في طلب ما هو أهم منه، وقلوب العارفين تترقى إلى معروفها فتعتبر في معبر الاعتبار.
فأما أهل الغفلة، فجمودهم في الحالتين، وغفلتهم عن المقامين، يوجب أسرهم، وقسرهم، وحيرتهم.
_________________
(١) ١ الرضاب: الريق. ٢ في الأصل: لها. ٣ أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، شاعر العربية الأكبر ومالئ الدنيا وشاغل الناس، ولد في الكوفة سنة "٢٠٣ هـ"، ورحل إلى الشام فمصر فالعراق ففارس ثم عاد إلى العراق فقتل في النعمانية قرب بغداد سنة "٢٥٤هـ"، والبيت في ديوانه ص "٥٣٧".
[ ١٢٢ ]