٣٥٤- تأملت قوله ﷿: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]، فرأيت فيه معنى عجيبًا: وهو أنهم لما وهبت لهم العقول، فتدبروا بها عيب الأصنام، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء: كانت هذه المعرفة ثمرة العقل الموهوب لهام، الذي به باينوا البهائم، فإذا أمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب، فقد جهلوا قدر الموهوب، وغفلوا عمن وهب. وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكًا لهم؟!
فعلى هذا، كل متعبد ومجتهد في علم وعمل إنما رأي بنور اليقظة وقوة الفهم والعقل صوابًا، فوقع على الملطوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس.
٣٥٥- ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانحطت عليهم صخرة، فسدت باب الغار، فقالو: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا! فقال كل منهم فعلت كذا وكذا١.
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٢٢١٥"، ومسلم "٢٧٤٣" عن ابن عمر ﵄.
[ ١٢٨ ]
وهؤلاء: إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ، فتوسلوا بإنعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا١ إليه.
وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها، ظَنًّا منهم أنهم هم الذين فعلوا، فهم أهل غيبة لا حضور، ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة.
٣٥٦- ومثل هذه رؤية المتقي تقواه، حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق، وربما احتقر أهل المعاصي، وشمخ عليهم! وهذه غفلة عن طريق السلوك، وربما أخرجت.
٣٥٧- ولا أقول لك: خالط الفساق احتقارًا لنفسك! بل اغضب عليهم في الباطن، وأعرض عنهم في الظاهر، ثم تلمح جريان الأقدار عليهم! فأكثرهم لا يعرف من عصى! وجمهورهم لا يقصد العصيان، بل يريد موافقة هواه، وعزيز عليه أن يعصى! وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم، فاحتقر ما يأتي، لقوة يقينه بالعفو!
وهذه كلها ليست بأعذار٢ لهم، ولكن، تلمحه أنت يا صاحب التقوى! واعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم؛ لأنك تعرف من تعصي، وتعلم ما تأتي، بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين، فربما دارت الدائرة، فصرت المنقطع، ووصل المقطوع. فالعجب ممن يدل٣ بخير عمله، وينسى من أنعم ووفق.
_________________
(١) ١ في الأصل: فتوسلوا. ٢ في الأصل: باعتذار، وهو تصحيف. ٣ يدل بخير عمله: يفحر به، ويرى لنفسه فضلًا وشأنًا.
[ ١٢٩ ]