٣٩٧- لما كان بدن الآدمي لا يقوم١ إلا باجتلاب المصالح، ودفع المؤذي، ركب فيه الهوى، ليكون سببًا لجلب النافع، والغضب، ليكون سببًا لدفع المؤذي.
٣٩٨- ولولا الهوى في المطعم، ما تناول الطعام، فلم يقم بدنه، فجعل له إليه ميل وتوق٢، فإذا حصل له قدر ما يقيم بده، زال التوق. وكذلك في المشرب والملبس والمنكح.
٣٩٩- وفائدة المنكح من وجهين: أحدهما: إبقاء الجنس، وهو معظم المقصودين. والثاني: دفع الفضلة المحتقنة المؤذي احتقانها. ولولا تركيب الهوى المائل بصاحبه إلى النكاح، ما طلبه أحد، ففات النسل وآذى المحتقن.
٤٠٠- فأما العارفون، فإنهم فهموا المقصود. وأما الجاهلون؛ فإنهم مالوا مع الشهوة والهوى، ولم يفهموا مقصود وضعها، فضاع زمانهم فيما لا طائل فيه، وفاتهم ما خلقوا لأجله، وأخرجهم هواهم إلى فساد المال، وذهاب العرض والدين، ثم أداهم إلى التلف.
٤٠١- وكم قد رأينا من متنعم يبالغ في شراء الجواري، ليحرك طبعه
_________________
(١) ١ لا يقوم: لا يصح. ٢ التوق: الشوق الشديد.
[ ١٣٩ ]
بالمستجد، فما كان بأسرع من أن وهنت قواه الأصلية، فتعجل تلفه. وكذلك رأينا من زاد غضبه، فخرج عن الحد، ففتك بنفسه، وبمن يحبه.
٤٠٢ فمن علم أن هذه الأشياء إنما خلقت إعانة للبدن على قطع مراحل الدنيا، ولم يخلق لنفس الالتذاذ؛ وإنما جلعت اللذة فيها كالحيلة في إيصال النفع بها، إذ لو كان المقصود التنعم بها، لما جعلت الحيوانات البهيمية أوفى حظًّا من الآدمي منها. فطوبى لمن فهم حقائق الوضع، ولم يمل به الهوى عن فهم حكم المخلوقات.
[ ١٤٠ ]