٤٠٩- ينبغي لمن تظاهرت نعم الله -﷿- عليه، أن يظهر منها ما يبين أثرها، ولا يكشف جملتها، وهذا من أعظم لذات الدنيا، التي يأمر الحزم بتركها، فـ "إن العين حق"١.
٤١٠- وإني تفقدت النعم، فرأيت إظهارها حلوًا عند النفس، إلا أنها إن أظهرت لوديد٢، لم يؤمن تشعث باطنه بالغيط، وإن أظهرت لعدو، فالظاهر إصابته
_________________
(١) ١ رواه البخاري "٥٧٤٠"، ومسلم "٢١٨٧" عن أبي هريرة ﵁. ٢ الوديد: المحب.
[ ١٤١ ]
بالعين، لموضع الحسد! إلا أنني رأيت [غيظ] ١ الحسود كاللازم، فإنه في حال البلاء يتشفى، وفي حال النعم يصيب بالعين.
ولعمري، إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده، ولكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته، فإن الغالب إصابة الحاسد لها بالعين، فلا يساوي الالتذاذ بإظهار ما غيظ به، ما أفسدت عينه بإصابتها.
٤١١ وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم: فإنه إن كشف مقدار سنه، استهرموه إن كان كبيرًا، واحتقروه إن كان صغيرًا. وإن كشف ما يعتقده، ناصبه الأضداد بالعداوة. وإن كشف قدر ماله، استحقروه إن كان قليلًا، وحسدوه إن كان كثيرًا. وفي هذه الثلاثة يقول الشاعر٢:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة بمموه وممخرق ومكذب
وقس على ما ذكرت ما لم أذكره، ولا تكن من المذاييع [الأغوار] ٣، الذين لا يحملون أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح! ورب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان.
_________________
(١) ١ في الأصل: بعد، فلعلها بغض. ٢ هو محمد بن عبد الباقي البزار كما ذكر المؤلف في الفصل "٢٥٣". وربما ذكره مستشهدًا به والله أعلم. ٣ في الأصل: الغر: وهو الذي لا بصر له بالأمور لقلة التجربة.
[ ١٤٢ ]