٤١٨- بكرت يومًا أطلب الخلوة إلى جامع الرصافة١، فجعلت أجول وحدي وأتفكر في ذلك المكان، ومن كان به من العلماء والصالحين، ورأيت أقوامًا قد جاوزوا فيه، فسألت أحدهم: منذ كم أنت ها هنا؟ فأومأ إلى قريب من أربعين سنةً!
فرأيته في بيت كثير الدَّرَنَ والوسخ، وجعلت أتفكر في حبسه لنفسه عن النكاح هذه المدة!!
فأخذت النفس تحسن ذلك، وتذم الدنيا والاغترار بها، فأقبل العلم ينكر على النفس، ونهض الفهم لحقائق الأمور، وموضوع الشرع يقوي ما قال العلم،
_________________
(١) ١ الرصافة: الجانب الشرقي في بغداد، والكرخ الجانب الغربي، يفصل بينهما نهر دجلة.
[ ١٤٤ ]
فتنحلُّ١ من ذلك.
٤١٩ [إلى] ٢ أن قلت للنفس: اعلمي أن هؤلاء على ضربين:
منهم من يجاهد نفسه في الصبر على هذه الأحوال، فتفوته فضائل المخالطة لأهل العلم، والعمل، وطلب الولد، ونفع الخلق، وانتفاع نفسه بمجالسة أهل الفهم، فيحدث له من نفسه حالة تشابه فيها الوحش، فتؤثر الانفراد لنفس الانفراد، وربما: يبس الطبع، وساء الخلق، وربما: حدث من حبس مائه المحتقن سُمِّيَّةٌ أفسدت بدنه وعقله، وربما: أورثته الخلوة وسوسةً، وربما: ظن أنه من الأولياء، واستغنى بما يعرفه، وربما: خيل له الشيطان أشياء من الخيالات، وهو يعدها كرامات!! وربما: ظن أن الذي هو فيه الغاية، ولا يدري أنه إلى الكراهة أقرب، فإن رسول الله ﷺ: "نهى أن يبيت الرجل وحده"٣، وهؤلاء كل منهم يبيت وحده!.
و"نَهَى عَنِ التَّبَتُّل"٤، وهذا تبتل!، و"نهى عن الرهبانية"٥.
وهذا من خفي خدع إبليس التي يوقع بها في ورطات الضلال بألطف وجهٍ وأخفاه.
والضرب الثاني: مشايخ قد فنوا، فانقطعوا ضرورة، إذ ليس لأحدهم مأوى، فهم في مقام الزمنى٦.
وإن كان الضرب الأول قد قطعوا حبل نفوسهم في العلم والعمل والكسب، وتعلقت هممهم بفتوح يطرق عليهم الباب، فرضوا بالعمى بعد البصر، وبالزمن٧ بعد الإطلاق.
٤٢٠- فقالت لي النفس: لا أرضى هذا الذي تقوله، فإنك إنما تميل إلى إيثار
_________________
(١) ١ تنحل: يزول الإشكال وتخلص من الشبهة. ٢ زيادة ضرورية ليستقيم بها السياق. ٣ رواه أحمد "٢/ ٩١" عن ابن عمر ﵄، قال الهيثمي في المجمع "٨/ ١٠٧": رجاله رجال الصحيح. ٤ رواه البخاري "٥٠٧٣"، ومسلم "١٤٠٢" عن سعد ﵁. ٥ رواه أحمد "٦/ ٢٢٦"، وابن حيان "٩" عن عائشة ﵂ والدارمي "٢/ ١٣٣" عن سعد ﵁. ٧ الزمن: مرض يدوم طويلًا يقعد بصاحبه.
[ ١٤٥ ]
نكاح المستحسنات والمطاعم المشتهيات؛ فإذا لم تكن من أهل التعبد، فلا تطعن فيهم.
فقلت لها: إن فهمت، حدثتك، وإن كنت تقلدين صور الأحوال، فلا فهم لك.
أما المستحسنات، فإن المقصود من النكاح أشياء: منها: طلب الولد، ومنها: شفاء النفس بإخراج الفضلة المؤذية، وكمال خروجها لا يكون إلا بوجود المستحسن! واعتبر هذا بالوطء دون الفرج، فإنه يخرج من الفضلات ما لا يخرج بالوطء من الفرج! وبتمام خروج تلك الفضلة تفرغ النفس عن شواغلها، فتدري أين هي، كما نأمر القاضي بالأكل قبل الحكم، وننهاه عن الحكم وهو غضبان أو حاقن. وبكمال بلوغ هذا الغرض يكون كمال الولد لتمام النطفة التي تخلق منها، ثم للنفس حظ، فهي١ تستوفيه استيفاء الناقة حظها من العلف في السفر، وذلك يعين على سيرها.
وأما المَطَاعِمُ، فالجاهل من يطلبها لذاتها أو لنفس لذاتها، وإنما المراد إصلاح "النفس"٢ لجمع همها، ونيل مرادها من غرضها الصارف لها عن الفكر في هواها.
٤٢١- وإذا تأملت حال السرب الأول، رأيت من هذا عجبًا: فإن النبي ﷺ اختار لنفسه عائشة ﵂، وكانت مستحسنة٣. ورأى زينب، فاستحسنها، فتزوجها٤. وكذلك اختار صفية٥. وكان إذا وصفت له امرأة، بعث يخطبها٦.
_________________
(١) ١ في الأصل: فهو. ٢ في الأصل: عدم الناقة، وليس بشيء. ٣ عن عائشة ﵂ قالت: قال ﷺ: "أريتك في المنام ثلاث ليال، جاء بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه" رواه البخاري "٥١٢٥"، ومسلم "٢٤٣٨". ٤ أما زواجه من زينب بنت جحش ﵂ فرواه البخاري "٧٤٢٠و ٧٤٢١"، ومسلم "١٤٢٨" عن أنس ﵁، وليس فيه ولا في غيره أنه رآها فاستحسنها. ٥ رواه البخاري "٣٧١"، ومسلم "١٣٦٥"، عن أنس ﵁. ٦ لم يصح في هذا شيء.
[ ١٤٦ ]
وكان لعليٍّ -﵁- أربع حرائر، وسبع عشرة سريةً، مات عنهن. وقبل هذه الأمة، فقد كان لداود ﵇ مئة امرأة، ولسليمان ﵇ ألف امرأة.
فمن ادعى خَلَلًا في هذه الطرق، أو أن هؤلاء آثروا هواهم، وأنفقوا بضائع العمر في هذه الأغراض، وغيرها أفضل، فقد ادعى على الكاملين النقصان، وإنما هو الناقص في فهمه لا هم.
وقد كان سفيان الثوري إذا سافر، ففي سفرته حمل مشوي وفالوذج، وكان حسن المطعم، وكان يقول: إن الدابة إذا لم تحسن إليها، لم تعمل.
٤٢٢- وهذه الفنون التي أشرت إليها، إن قصدت للحاجة إليها، أو لقضاء وطر النفس منها، أو لبلوغ الأغراض الدينية والدنيوية منها: فكله قصد صحيح، لا يعكر عليه من يقوم ويقعد في ركعات لا يفهم معناها، وفي تسبيحات أكثر ألفاظها ردية.
٤٢٣- كلا، ليس إلا العلم الذي هو أفضل الصفات، وأشرف العبادات، وهو الآمر بالمصالح، والناطق بالنصائح. ثم منفعة العلم معروفة، وزهد الزاهد لا يتعدى عتبة بابه، وقد قال ﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس"١.
٤٢٤- ثم اعتبر فضل الرسل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والجوارح على التي لا تصيد، والطين الذي يعمل منها ما ينتفع به على الطين في المقلع٢.
وغاية العلماء تصرفهم بالعلم في المباح، وأكثر المتزهدين جهلة، يستعبدهم تقبيل اليد لأجل تركهم ما أبيح.
فكم فوتت العزلة عِلْمًا يصلح به أصل الدين، وكم أوقعت في بلية هلك بها الدين، وإنما عزلة العالم عن الشر فحسب، والله الموفق.
_________________
(١) ١ رواه الطبراني عن أبي رافع. انظر: كنز العمال "٢٨٨٠٢". ٢ المقلع: المكان الذي تقلع منه الحجارة، ويستعان على ذلك بالماء، فيكثر الطين في هذه المقالع.
[ ١٤٧ ]