٤٣٦- من عاش مع الله -﷿- طيب النفس١ في زمن السلامة، خفت عليه زمن البلاء، فهناك المحك.
إن الملك -﷿- بينا يبني نقض، وبينا يعطي سلب، فطيب النفس٤ والرضا هناك يبين٢ فأما من تواصلت لديه النعم؟ فإنه يكون طيب القلب لتواصلها، فإذا مسته نفحة من البلاء، فبعيد ثباته. قال الحسن البصري: كانوا يتساوون في وقت النعم، فإذا نزل البلاء، تباينوا٣.
٤٣٧- فالعاقل من أعد ذخرًا، وحصل زادًا، وازداد من العدد، للقاء حرب البلاء، ولا بد من لقاء البلاء، ولو لم يكن إلا عند صرعة الموت؛ فإنها إن نزلت
_________________
(١) ١ في الأصل: العيش. ٢ يبين: يظهر. ٣ في كتاب الزهد للإمام أحمد "٣٤٣": والله لقد رأيتهم يتفاوتون في العافية، فإذا نزل البلاء تساووا، وهذا يتفق مع قوله تعالى في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
[ ١٥٢ ]
-والعياذ بالله- فلم تجد معرفة توجب الرضا أو الصبر، أخرجت إلى الكفر.
ولقد سمعت بعض من كنت أظن فيه كثرة الخير، وهو يقول في ليالي موته: ربي هو ذا يظلمني! فلم أزل منزعجًا مهتمًا بتحصيل عدةٍ ألقى بها ذلك اليوم١.
كيف، وقد روي أن الشيطان يقول لأعوانه في تلك الساعة: عليكم بهذا، فإن فاتكم، فلم تقدروا عليه؟!
٤٣٨- وأي قلب يثبت عند إمساك النفس، والأخذ بالكظم٢، ونزع النفس، والعلم بمفارقة المحبوبات إلى ما لايدري ما هو، وليس في ظاهره إلا القبر والبلاء.
٤٣٩- فنسأل الله -﷿- يقينًا يقينًا٣ شر ذلك اليوم، لعلنا نصبر للقضاء أو نرضى به، ونرغب إلى مالك الأمور في أن يهب لنا من فواضل نعمه على أحبابه، حتى يكون لقاؤه أحب إلينا من بقائنا، وتفويضنا إلى تقديره أشهى لنا من اختيارنا.
ونعوذ بالله من اعتقاد الكمال لتدبيرنا، حتى إذا انعكس علينا أمر، عدنا إلى القدر بالتسخط، وهذا هو الجهل المحض والخذلان الصريح، أعاذنا الله منه.
_________________
(١) ١ في الأصل: القرن. ٢ الكاظم: مخرج النفس. ٣ يقينا: يحفظنا.
[ ١٥٣ ]