٤٤٥- بالله عليك يا مرفوع القدر بالتقوى، لا تبع عزها بذل المعاصي! وصابر عطش الهوى في هجير١ المشتهى، وإن أمض٢ وأرمض٣، فإن بلغت النهاية من الصبر، فاحتكم وقل، فهو مقام "من لو أقسم على الله لأبره".
٤٤٦- تالله لولا صبر عمر، ما انبسطت يده بضرب الأرض بالدرة٤. ولولا جد أنس بن النضر في ترك هواه، وقد سمعت من آثار عزمته: "لئن أشهدني الله مشهدًا؛ ليرين الله ما أَصْنَعُ" فأقبل يوم أُحُدٍ يقاتل حتى قتل، فلم يعرف إلا ببنانه٥،
_________________
(١) ١ الهجير: شدة الحر وهو هنا شدة الشهوة. ٢ أمض: آلم. ٣ أرمض: أحرق لشدة حرّه. ٤ الدرة: سوط أو عصا لينة للتأديب. ٥ رواه البخاري "٤٠٤٨"، ومسلم "١٩٠٣" عن أنس بن مالك ﵁ و"البنان" طرف الأصبع.
[ ١٥٤ ]
فلولا هذا العزم، ما كان انبساط وجهه١ يوم حلف: والله، لا تكسر سن الربيع٢.
٤٤٧- بالله عليك، تذوق حلاوة كف الكف عن المنهيِّ؛ فإنها شجرة تثمر عز الدنيا وشرف الآخرة، ومتى اشتد عطشك إلى ما تهوى، فابسط أنامل الرجاء إلى من عنده الري الكامل، وقل: قد عيل صبر٣ الطبع في سنيه العجاف٤، فعجل لي العام الذي فيه أغاث وأعصر.
٤٤٨ بالله عليك، تفكر فيمن قطع أكثر العمر في التقوى والطاعة، ثم عرضت له فتنة في الوقت الأخير، كيف نطح مركبه الجرف٥ فغرق وقت الصعود! أف والله للدنيا -لا بل للجنة- إن أوجب نيلها إعراض الحبيب!
٤٤٩ إنما نسب العامي باسمه واسم أبيه، أما ذوو الأقدار، فالألقاب قبل الأنساب قل لي: من أنت؟ وما عملك؟ وإلى أي مقام ارتفع قدرك؟
٤٥٠ يا من لا يصبر لحظة عما يشتهي! بالله عليك، أتدري من الرجل؟!
الرجل -والله- من إذا خلا بما يحب من المحرم، وقدر عليه، وتقلقل عطشًا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه، فاستحى من إجالة همة فيما يكرهه، فذهب العطش.
٤٥١ كأنك لا تترك لنا إلا ما لا تشتهي، أو ما لا تصدق الشهوة فيه، أو ما لا تقدر عليه!!
كذا والله عادتك! إذا تصدقت، أعطيت كسرة لا تصلح لك، أو في جماعة يمدحونك.
_________________
(١) ١ في الأصل: وجه. ٢ عن أنس بن مالك: أن الربيع بنت النضر كسرت ثنية جارية، فطلبوا الأرش وطلبوا العفو، فأبوا، فأتوا النبي ﷺ فأمرهم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: أتكسر ثنية الربيع يا رسول الله؟ لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها، فقال: "يا أنس كتاب الله القصاص" فرضي القوم وقبلوا الأرش، فقال النبي ﷺ: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره" رواه البخاري "٢٧٠٣"، ومسلم "١٦٧٥". ٣ عيل الصبر: فُقد. ٤ العجاف: الهزلي. ٥ الجرف: الساحل الصخري.
[ ١٥٥ ]
هيهات! والله، لا نلت ولا يتنا حتى تكون معاملتك لنا خالصةً، تبذل أطايبك، وتترك مشتهياتك، وتصبر على مكروهاتك، عِلْمًا منك -إن كنت معاملًا- بأنك أجير، وما غربت الشمس١ فإن كنت محبًّا، رأيت ذلك قليلًا في جنب رضا حبيبك عنك. وما كلامنا مع الثالث٢.
_________________
(١) ١ ما غربت الشمس: أي لم ينته يوم العمل لتستحق الأجر. ٢ الثالث: العاصي.
[ ١٥٦ ]