على طالب العلم أن يراعي جملة من الأمور يتحلى بها في سلوكه سبيل العلم ومن بينها:
أولًا: حسن النية في طلب العلم: بأن يقصد به وجه الله - تعالى - والعمل به وإحياء الشريعة وتنوير قلبه وتحلية باطنه، والقرب من الله - تعالى - يوم القيامة، والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله.
قال سفيان الثوري: "ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي"١.
_________________
(١) ١ الجامع للخطيب ١/٤٩٤ رقم ٦٩٩.
[ ٢٢ ]
ولا يقصد به الأغراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال ومباهاة الأقران وتعظيم الناس له وتصديره في المجالس ونحو ذلك فيستبدل الأدنى بالذي هو خير.
فإن العلم إن خلصت فيه النية قبل وزكا ونمت بركته، وإن قصد به غير وجه الله - تعالى - حبط وضاع وخسرت صفقته، وربما تفوته تلك المقاصد ولا ينالها فيخيب قصده ويضيع سعيه١.
ثانيًا: أن يبادر شبابه وأوقات عمره إلى التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض عنها، ويغتنم وقت فراغه ونشاطه وزمن عافيته وشرخ شبابه ونباهة خاطره وقلة شواغله قبل عوارض البطالة أو موانع الرياسة، قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "تفقهوا قبل أن تسودوا "٢ وقال الشافعي: "تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه"٣.
ويقطع ما يقدر عليه من العلائق الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق وغموض الدقائق، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وكذلك يقال: العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.
ومما يقال عن الشافعي أنه قال: "لو كلفت شراء بصلة لما فهمت مسألة"٤.
ثالثًا: أن يقسم أوقات ليله ونهاره ويغتنم ما بقي من عمره فإن بقية العمر لا قيمة له.
وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل.
وقال الخطيب: "أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط النهار ثم الغداة".
قال: "وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع"٥.
رابعًا: أن يقلل نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة على ثمان ساعات وهو ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل.
_________________
(١) ١ تذكرة السامع والمتكلم ص ٦٨-٧٠، بتصرف. ٢ علقه البخاري في صحيحه ١/١٦٦، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٨/٥٤٠، والدارمي في سننه ١/٧٩، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/٣٦٦ رقم ٥٠٨. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ص ١٣٤. ٤ نفس المصدر ص ٧٠-٧١. ٥ نفس المصدر ص ٧٢-٧٣.
[ ٢٣ ]
ولا بأس أن يريح نفسه وقلبه وذهنه وبصره إذا كلّ شيء من ذلك أو ضعف بتنزه وتفرج في المستنزهات بحيث يعود إل ى حاله ولا يضيع عليه زمانه١.
خامسًا: أن يترك مصاحبه من كثر لعبه وقلت فكرته، فإن الطباع سراقة وآفة العشرة ضياع العمر بغير فائدة، والذي ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه.
وإذا احتاج إلى من يصحبه فليكن صاحبًا صالحًا، دينًا، تقيًا، ورعًا، ذكيًا، كثير الخير، قليل الشر، حسن المداراة، قليل المماراة، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن احتاج واساه، وإن ضجر صبره٢.
سادسًا: أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه وشرابه ولباسه ومسكنه وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله، ليستنير قلبه، ويصلح لقبول العلم ونوره والنفع به. وعليه أن يقنع من القوت بما تيسر وإن كان يسيرًا، ومن اللباس بما يستر مثله وإن كان خَلقًا، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم، ويجمع شمل القلب على مفترقات الآمال فتفجر فيه ينابيع الحكم٣.
_________________
(١) ١ نفس المصدر ص ٧٧-٨٠، بتصرف. ٢ نفس المصدر ص ٨٣-٨٤، بتصرف. ٣ نفس المصدر ص ٧١، ٧٥، بتصرف.
[ ٢٤ ]