وأما عن مسؤولية أدائه تعليمًا: فقال عبد الله بن المبارك: "من بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما بموت يُذهب علمه، وإما يُنسى، وإما يلزم السلطان فيذهب علمه سلطانًا"١.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٨/٣٩٨.
[ ٢٦ ]
وعن أبي قلابة قال: "العلماء ثلاثة: رجل عاش بعلمه، ولم يعش الناس به معه، ورجل عاش الناس بعلمه ولم يعش هو به، ورجل عاش بعلمه وعاش الناس به معه"١.
"قال بعض السلف صنفان إذا صلحا صلح سائر الناس وإذا فسدا فسد سائر الناس: العلماء والأمراء.
قال عبد الله بن المبارك:
وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها "٢
وقال محمد بن الفضل: "ذهاب الإسلام على يدي أربعة أصناف من الناس:
١- صنف لا يعملون بما يعلمون.
٢- وصنف يعملون بما لا يعلمون.
٣- وصنف لا يعلمون ولا يعملون.
٤- وصنف يمنعون الناس من العلم"٣.
قال ابن القيم: " الصنف الأول: من له علم بلا عمل فهو أضر شيء على العامة، فإنه حجة لهم في كل نقيصة ومنحسة.
والصنف الثاني: العابد الجاهل، فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله.
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله:
"احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"٤، فإن الناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم، فإن كان العلماء فجرة والعباد جهلة عمت المصيبة وعظمت الفتنة على الخاصة والعامة.
والصنف الثالث: من لا علم لهم ولا عمل وإنما هم كالأنعام السائمة.
_________________
(١) ١ أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ١١/٢٥٤. وأبو نعيم في الحلية ٢/٢٨٣. وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ١/٨٢٣ رقم ١٥٤٦. ٢ مفتاح دار السعادة ١/١٠٥. ٣ مفتاح دار السعادة ١/١٦٠. ٤ جامع بيان العلم وفضله ١/٦٦٦ رقم١١٦١.
[ ٢٧ ]
والصنف الرابع: نواب إبليس في الأرض وهم الذين يُثبِّطون الناس عن طلب العلم والتفقه في الدين فهؤلاء أضر عليهم من شياطين الجن، فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه"١.
قال الشعبي: "كل أمة علماؤها شرارها إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم"٢.
قال ابن تيمية: "أهل السنة في الإسلام، كأهل الإسلام في الملل، وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون، وإنما يُضلهم علماؤهم، فعلماؤهم شرارهم، والمسلمون على هدى، وإنما يتبين الهدى بعلمائهم، فعلماؤهم خيارهم. وكذلك أهل السنة أئمتهم خيار الأمة، وأئمة أهل البدع أضر على الأمة من أهل الذنوب".
وقال بدر الدين بن جماعة: "واعلم أن جميع ما ذكر من فضيلة العلم والعلماء إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم لا من طلبه بسوء نية أو خبث طوية أو لأغراض دنيوية من جاه أو مال أو مكاثرة في الاتباع والطلاب"٣.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/١٦٠. ٢ مفتاح دار السعادة ١/١٦٠. ٣ تذكرة السامع والمتكلم ص١٣.
[ ٢٨ ]
الخاتمة
ومن هذه النقول يتضح لك يا طالب العلم عظم المسؤولية الملقاة على عاتقك، فأنت تحمل ثلاث مسؤوليات:
المسؤولية الأولى: مسؤولية نفسك.
المسؤولية الثانية: مسؤولية هذا الدين الذي حملته وأصبحت أمينًا عليه.
المسؤولية الثالثة: مسؤولية هذه الأمة التي من مسؤوليتك تعليمها وإرشادها، وألا تبخل عليها بالتوجيه والنصح.
ولا يخفى على طالب العلم أن ما عليه حال كثير من الناس اليوم من ضلال وانحراف هو سبب بعدهم عن شرع ربهم ومعلوم أن صلاح أحوال الناس مرهون بعودتهم إلى دينهم والتمسك بشرع ربهم.
وهذه حقيقة متقررة لا جدال فيها ولا مراء، وطلبة العلم هم حملة لواء الشريعة والأمناء على ميراث النبوة، وعندهم طب الناس ودواؤهم، فلو أنهم قاموا بواجبهم حق القيام لتغير - بإذن الله - حال الناس ولاستقامت أمورهم، ولأصلح الله من شأنهم.
وإنه لمن العجيب أن ترى أصحاب الباطل ينشطون في باطلهم ويبذلون له كل غال ونفيس ويتفانون ويتفننون في خدمة ذلك الباطل سواء كان دينًا محرفًا أم فكرًا فاسدًا أو لهوًا محرمًا، وبينما ترى بعض أصحاب الحق وطلبة العلم الشرعي الصحيح لا يبذلون من الوقت والجهد كما يبذل أولئك مع ما هم عليه من الحق والفضل والأجر، وما عليه أولئك من الإثم والخزي والخسران المبين في الدنيا والآخرة.
وأعجب من ذلك أن يركن طالب العلم للدنيا وحطامها الفاني وزخرفها الزائل ولا يسعى لتحصيل العلم الذي هو السبيل إلى جنة الخلد الباقية، فلا يليق بطلاب العلم أن يركنوا إلى الدعة والراحة والاشتغال بملاذ العيش ووسائل الراحة والرفاهية التي شاعت في عصرنا الحاضر.
[ ٢٩ ]
وليعلم طالب العلم أنه إن فوت تحصيل العلم وضيع الأيام والليالي وسَوَّفَ في ساعات الشباب ولم يبادر نفسه ويلزمها مجالس التحصيل والدرس ويغتنم أوقات الفراغ والقوة والنشاط، فإن ذلك إذا مضى لن يعود، فإذا هو فرط في أمانة التحمل ولم يحصل العلم، فإنه من باب أولى أن يكون مفرطًا في مسؤولية الأداء وتبليغ شرع الله، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
فحري بطالب العلم أن يستشعر مسؤوليته ويقوم بواجبه تجاه العلم الشرعي تعلمًا وعملًا وتعليمًا.
وذلك "بسلوك هدي الأنبياء وطريقتهم في التبليغ من الصبر والاحتمال ومقابلة إساءة الناس إليهم بالإحسان والرفق بهم، واستجلابهم إلى الله بأحسن الطرق وبذل ما يمكن من النصيحة لهم"١.
هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
_________________
(١) ١ مفتاح دار السعادة ١/٦٦.
[ ٣٠ ]