فجملة نعت الفقير حقًا أَنه المتخلِّى من الدنيا تطرفًا والمتجافى عنها تعففًا. لا يستغنى بها تكثرًا، ولا يستكثر منها تملكًا، وإِن كان مالكًا لها بهذا الشرط لم تضره، بل هو فقير غناه فى فقره، وغنى فقره فى غناه.. ومن نعته أَيضًا أَن يكون فقيرًا من حاله وهو خروجه عن الحال تبريًا، وترك الالتفات إِليه تسليًا، وترك مساكنة الأَحوال
[ ٥٠ ]
..
والرجوع عن موافقتها فلا يستغنى بها اعتمادًا عليها ولا يفتقر إِليها مساكنة لها. ومن نعته أَنه يعمل على موافقة الله [و] الصبر والرضى والتوكل والإِنابة، فهو عامل على مراد الله منه لا على موافقة هواه وهو تحصيل مراده من الله، فالفقير خالص بكليته لله ﷿، ليس لنفسه ولا لهواه فى أَحواله حظ ولا نصيب، بل عمله بقيام شاهد الحق وفناءِ شاهد نفسه، قد غيبه شاهد الحق عن شاهد نفسه فهو يريد الله بمراد الله، فمعَّوله على الله، وهمته لا تقف دون شيء سواه، قد فنى بحبه عن حب ما سواه وبأَمره عن هواه وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه، فهو فى واد والناس فى واد خاضع متواضع سليم القلب، سلس القيادة للحق، سريع القلب إِلى ذكر الله، بريء من الدعاوى لا يدعى بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله، زاهد فى كل ما سوى الله، راغب فى كل ما يقرب إِلى الله، قريب من الناس أَبعد شيء منهم، يأْنس بما يستوحشون منه ويستوحش مما يأْنسون به، متفرد فى طريق طلبه لا تقيّده الرسوم ولا تملكه العوائد ولا يفرح بموجود لا يأْسف على مفقود، من جالسه قرت عينه به ومن رآّه ذكرته رؤيته بالله سبحانه، قد حمل كله ومؤنته عن الناس، واحتمل أذاهم وكف أذاه عنهم، وبذل لهم نصيحته وسبل لهم عرضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلة وعجز، لا يدخل فيما لا يعنيه ولا يبخل بما لا ينقصه، وصفه الصدق والعفة والإِيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال، لا يتوقع لما يبذله للناس منهم عوضًا ولا مدحة، لا يعاتب ولا يخاصم ولا يطالب ولا يرى له على أَحد حقًا ولا يرى له على أَحد فضلًا، مقبل على شأْنه مكرم لإِخوانه بخيل بزمانه حافظ للسانه، مسافر فى ليله ونهاره ويقظته ومنامه لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إِلى مطلبه، قد رفع له علم الحب فشمر إِليه، وناداه داعى الإشتياق فأَقبل بكليته عليه، أَجاب منادى المحبة إِذ دعاه حى على الفلاح، ووصل السرى فى بيداءِ الطلب، فحمد عند الوصول سراه، وإِنما يحمد القوم السرى عند الصباح:
فحى على جنات عدن فإِنها منازلك الأُولى وفيها المخيم
ولكننا سبى العدو، فهل تري نعود إِلى أَوطاننا ونسلم
وحى على روضاتها وخيامها وحى على عيش بها ليس يسأم
[ ٥١ ]
وحى على يوم المزيد وموعد ال المبين، طوبى للذى هو منهم
وحى على واد بها هو أَفيح وتربته من أذفر المسك أعظم
ومن حولها كثبان مسك مقاعد لمن دونهم هذا الفخار المعظم
يرون به الرحمن ﷻ كرؤية بدر التم لا يتوهم
أَو الشمس صحوًا ليس من دون أُفقها ضباب ولا غيم هناك يغيم
وبينا فى عيشهم وسرورهم وأَرزاقهم تجرى عليهم وتقسم
إِذا هم بنور ساطح قد بدا لهم فقيل ارفعوا أبصاركم، فإِذا هم
بربهم من فوقهم وهو قائل: سلام عليكم طبتم وسلمتم
فيا عجبا، ما عذر من هو مؤمن بهذا ولا يسعى له ويقدم
فبادر إِذا ما دام فى العمر فسحة وعدلك مقبول وصرفك قيم
فما فرحت بالوصل نفس مهينة ولا فاز قلب بالبطالة ينعم
فجدَّ وسارع واغتنم ساعة السري ففى زمن الإِمكان [تسعى وتغنم]
وسر مسرعًا فالسير خلفك مسرع وهيهات ما منه مفر ومهزم
فهن المنأيا أى واد نزلته عليها [قدوم] أو عليك ستقدم
وإن تك قد عاقتك سعدى فقلبك ال معنى رهين فى يديها مسلم
وقد ساعدت بالوصل غيرك فالهوى لها منك [والواشى] بها يتنعم
فدعها وسلّ النفس عنها بجنة من الفقر فى روضاتها الدر [يبسم]
ومن تحتها الأنهار تخفق دائمًا وطير الأَمانى فوقها يترنم
وقد ذللت منها القطوف فمن يرد جناها ينله كيف شاءَ وينعم
وقد فتحت أبوابها وتزينت لخطابها فالحسن فيها [مقسم]
[أقام علي] أبوابها داعى الهدي هلموا إِلى دار السعادة تغنموا
وقد طاب منها نزلها ومقيلها فطوبى لمن حلوا بها وتنعموا
وقد غرس الرحمن فيها غراسه من الناس، والرحمن بالغرس أعلم
فمن كان من غرس الإِله فإنه سعيد وإلا فالشقا متحتم
فيا مسرعين السير بالله ربكم قفوا بى على تلك الربوع وسلموا
وقولوا: محب قاده الشوق نحوكم قضى نحبه فيكم [تعيشوا وتسلموا]
قضى الله رب العالمين قضية بأَن الهوى يعمى القلوب ويبكم
وحبكم أَصل الْهدى ومداره عليه وفوز للمحب ومغنم
[ ٥٢ ]
وتفنى عظام الصب بعد مماته وأَشواقه وقف عليه محرم
فيا أَيها القلب الذى ملك الهوي أَعنته، حتام هذا التلوُّم
وحتام لا تصحو وقد قرب المدي ودقت كئوس السير والناس نوم
بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ويبدو لك الأَمر الذى كنت تكتم
ويا موقدًا نارًا لغيرك ضؤوها وحر لظاها بين جنبيك يضرم
أهذا جنى العلم الذى قد غرسته وهذا الذى قد كنت ترجوه تطعم
وهذا هو الحظ الذى قد رضيته لنفسك فى الدارين لو كنت تفهم
وهذا هو الربح الذى قد كسبته لعمرك لا ربح ولا الأَصل يسلم
بخلت بشيء لا يضرك بذله وجدت بشيءٍ مثله لا يقتوَّم
وبعت نعيمًا لا انقضاءَ له ولا نظبر ببخس عن قليل سيعدم
فهلا عكست الأَمر إن كنت حازمًا ولكن أَضعت الحزم إن كنت تعلم
وتهدم ما تبنى بكفك جاهدًا فأنت مدى الأَيام تبنى وتهدم
وعند مراد الحق تفنى كميت وعند مراد النفس تسدى وتلحم
وعند خلاف الأَمر تحتج بالقضا ظهيرًا على الرحمن للجبر تزعم
تنزه تلك النفس عن سوء فعلها وتغتاب أَقدار الإله وتظلَم
وتزعم مع هذا بأنك عارف كذبت يقينًا فى الذى أنت تزعم
وما أنت إلا جاهل ثم ظالم وإِنك بين الجاهلين مقدم
إذا كان هذا نصح عبد لنفسه فمن ذا الذى منه الهدى يتعلم
وفى مثل هذا كان قد قال من مضي وأحسن فيما قاله المتكلم
فإن كنت لا تدرى فتلك مصيبة وإن كنت تدرى فالمصيبة أَعظم
ولو تبصر الدنيا وراءَ ستورها رأَيت خيالًا فى منام سيصرم
كحلم بطيف زار فى النوم وانقضى ال منام وراح الطيف والصب معرم
وظل أَرته الشمس عند طلوعها سيقلص فى وقت الزوال ويفصم
ومزنة صيف طاب منها مقيلها فولت سريعًا والحرور تضرّم
فجزها ممرًا لا مقرًا، وكن بها غريبًا تعش فيها حميدًا وتسلم
أو ابن سبيل قال فى ظل دوحة وراح وخلى ظلها يتقسم
أخا سفر لا يستقر قراره إلى أَن يرى أَوطانه يسلم
فيا عجبًا كم مصرح عطبوا به بنوها ولكن عن مصارعها عموا
[ ٥٣ ]
سقتهم بكأْس الحب حتى إذا انثنوا سقتهم كئوس السم والقوم قد ظموا
وأعجب ما فى العبد رؤية هذه ال عظائم منها وهو فيها متيم
وأَعجب من ذا أَن أَحبابها الأْلي تهين وللأعداء تراعى وتكرم
وذلك برهان على أَن قدرها جناح بعوض أَو أَدق وأَلأَم
وحسبك ما قال الرسول ممثلًا لها ولدار الخلد والحق يفهم
كما يدخل الإنسان فى اليم إصبعا وينزعها منه فما ذاك يغنم
أَلا ليت شعرى هل أَبيتن ليلة على حذر منها وأَمرى محكم
وهل أَردن ماءَ الحياة وأَرتوي على ظمأ من حوضه وهو مفعم
وهل تبدون أَعلامهم بعد ما سفت عليها السوافى تستبين وتعلم
وهل أفرشن خدى ثرى عتباتهم خضوعًا لهم كيما يرقوا ويرحموا
وهل أَرين نفسى طريحًا ببابهم وطير أَمانى الحب فوقى تحوّم
فوا أَسفى تفنى الحياة وتنقضي وعتبكم باق، بقيتم وعشتم
فما منكم بد ولا عنكم غني وما لى من صبر فأَسلوَ عنكم
فمن شاءَ فليغضب سواكم فلا أَذي إِذا كنتم عن عبدكم قد رضيتم
وعقبى اصطبارى فى رضاكم هوى لكم حميد ولكنه عقاب ومغرم
وما أَنا بالشاكى لما ترتضونه ولكننى أَرضى به وأُسلم
وحسبى انتسابى من بعيد إِليكم وذلك حظ مثله يتيمم
إِذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشرًا ضاحكًا يتبسم
وها هو قد أَبدى الضراعة قائلًا لكم بلسان الحال والحال يعلم
أَحبتنا عطفًا علينا فإِننا بنا ظمأُ، والمورد العذب أَنتم
فيا ساهيًا فى غمرة الجهل والهوى صريع الأَمانى عن قليل ستندم
أَفق قد دنا الوقت الذى ليس بعده سوى جنة أَو حر نار تضرم
وبالسنة الغراءِ كن متمسكًا هى العروة الوثقى التى ليس تفصم
تمسك بها مسك البخيل بماله وعض عليها بالنواجذ تسلم
وإِياك مما أَحدث الناس بعدها فمرتع هاتيك الحوادث أَوخم
وهيء جوابًا عندما تسمع الندا من الله يوم العرض: ماذا أجبتم
به رسلى لما أَتوكم، فمن يجب سواهم سيخزى عند ذاك ويندم
وخذ من تقى الرحمن أَسبغ جنة ليوم به تبدو عيانًا جهنم
[ ٥٤ ]
وينصباك الجسر من فوق متنها فهاوٍ ومخدوش وناج مسلم
ويأْتى إله العالمين لوعده فيفصل ما بين العباد ويحكم
ويأْخذ للمظلوم إِذ ذاك حقه فيا ويح من قد كان للخلق يظلم
وينشر ديوان الحساب وتوضع ال موازين بالقسط الذى ليس يظلم
فلا مجرم يخشى هناك ظلامة ولا محسن من أجره الذر يهضم
وتشهد أَعضاءُ المسيء بما جني لذاك على فيه المهيمن يختم
ويا ليت شعرى كيف حالك عندما تطاير كتب العالمين وتقسم
أتأْخذ باليمنى كتابك أَم تري بيسراك خلف الظهر منك يسلم
وتقرأُ فيه كل شيء عملته فيشرق منك الوجه أَو هو يظلم
تقول كتابى هاؤمُ اقرؤُوه لي تبشر بالجنات حقًا وتعلم
وإِن تكن الأُخرى فإِنك قائل ألا ليتنى لم أَوته فهو مغرم
فلا والذى شق القلوب وأَودع ال محبة فيها حيث لا تتصرم
وحملها قلب المحب وإِنه ليضعف عن حمل القميص ويأْلم
وذللها حتى استكانت لصولة ال محبة لا تلوى ولا تتلعثم
وذلل فيها أَنفسًا دون ذلها حياض المنايا فوقها هى حوم
لقد فاز أَقوام وحازوا مرابحا بتركهم الدنيا والإقبال منهم
على ربهم طول الحياة وحبهم على نهج ما قد سنه فهم هم
قاعدة شريفة عظيم القدر
حاجة العبد إِليها أَعظم من حاجته إِلى الطعام والشراب والنفس بل وإِلى الروح التى بين جنبيه.
اعلم أَن كل حى سوى الله فهو فقير إِلى جلب ما ينفعه ودفع ما يضره، والمنفعة للحى من جنس النعيم، واللذة والمضرة من جنس الأَلم والعذاب. فلابد من أَمرين:
أحدهما: هو المطلوب المقصود المحبوب الذى ينتفع به ويتلذذ به، والثانى: هو المعين الموصل المحصل لذلك المقصود والمانع لحصول المكروه والدافع له بعد وقوعه. فها هنا أَربعة أَشياءَ: أَمر محبوب مطلوب الوجود، والثانى أمر مكروه مطلوب العدم، والثالث الوسيلة إِلى حصول المحبوب، والرابع الوسيلة إلى دفع المكروه. فهذه الأُمور الأَربعة ضرورية للعبد بل ولكل حى سوى الله، لا يقوم صلاحه إِلا بها
[ ٥٥ ]
إِذا عرف هذا فالله ﷾ هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه، فلا معبود سواه ولا معين على المطلوب غيره، وما سواه هو المكروه المطلوب بعده وهو المعين على دفعه، فهو سبحانه الجامع للأُمور الأَربعة دون ما سواه، وهذا معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥]، فإن هذه العبادة تتضمن المقصود المطلوب على أكمل الوجوه، والمستعان هو الذى يستعان به على حصول المطلوب ودفع المكروه. فالأَول من مقتضى أُلوهيته، والثانى من مقتضى ربوبيته، لأَن الإِله هو الذى يؤله فيعبد محبة وإِنابة وإِجلالًا وإِكرامًا، والرب هو الذى يرب عبده فيعطيه خلقه ثم يهديه إِلى جميع أَحواله ومصالحه التى بها كماله، ويهديه إِلى اجتناب المفاسد التى بها فساده وهلاكه. وفى القرآن سبعة مواضع تنتظم هذين الأَصلين: أحدها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [الفاتحة: ٥]، الثانى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] [الشورى: ١٠]، الثالث قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣]، الرابع قوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ [الممتحنة: ٤]، الخامس قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَى الَّذِى لا يُمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان: ٥٨]، السادس قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَاب﴾ [الرعد: ٣٠]، السابع قوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٨- ٩]، ومما يقرر هذا أن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم وبرؤيته فى الآخرة تقر عيونهم، ولا شيء يعطيهم فى الآخرة أحب إِليهم من النظر إِليه، ولا شيء يعطيهم فى الدنيا أَحب إِليهم من الإيمان به ومحبتهم له ومعرفتهم به، وحاجتهم إِليه فى عبادتهم له وتأَلههم له كحاجتهم إِليه بل أَعظم فى خلقه وربوبيته لهم ورزقه لهم، فإِن ذلك هو الغاية المقصودة التى بها سعادتهم وفوزهم، وبها ولأَجلها يصيرون عاملين متحركين، ولا صلاح لهم ولا فلاح ولا نعيم ولا لذة ولا سرور بدون ذلك بحال، فمن أَعرض عن ذكر ربه فإِن له معيشة ضنكًا، ويحشره يوم القيامة أَعمى، ولهذا لا يغفر الله لمن يشرك به شيئًا ويغفر ما دون ذلك لمن يشاءُ، ولهذا كانت: "لا إِله إِلا الله" أفضل الحسنات. وكان توحيد الإِلهية الذى كلمته لا إله إلا الله رأْس الأَمر، فأَما توحيد الربوبية الذى أَقر به كل المخلوقات
[ ٥٦ ]
فلا يكفى وحده، وإِن كان لا بد منه، وهو حجة على من أَنكر توحيد الأُلوهية.
"فحق الله على العباد أَن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا وحقهم عليه إِذا فعلوا ذلك أَن لا يعذبهم"، وأَن يكرمهم إِذا قدموا عليه، وهذا كما أَنه غاية محبوب العبد ومطلوبه وبه سروره ولذته ونعيمه فهو أَيضًا محبوب الرب من عبده ومطلوبه الذى يرضى به، ويفرح بتوبة عبده إذا رجع إليه وإلى عبوديته وطاعته أعظم من فرح من وجد راحلته التى عليها طعامه وشرابه فى أرض مهلكة بعد أن فقدها وأيس منها، وهذا أعظم فرح يكون، وكذلك العبد فلا فرح له أعظم من فرحه بوجود ربه وأُنسه به وطاعته له وإِقباله عليه وطمأنينته بذكره وعمارة قلبه بمعرفته والشوق إِلى لقائه، فليس فى الكائنات ما يسكن العبد إِليه ويطمئن به ويتنعم بالتوجه إِليه إِلا الله سبحانه، ومن عبد غيره وأَحبه- وإِن حصل له نوع من اللَّذة والمودَّة والسكون إِليه والفرح والسرور بوجوده- ففساده به ومضرته وعطبه أَعظم من فساد أكل الطعام المسموم اللذيذ الشهى الذى هو عذب فى مبدئه عذاب فى نهايته كما قال القائل:
مآرب كانت فى الشباب لأهلها [عذابًا] فصارت فى المشيب عَذَابًا
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فإن قوام السموات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمى له ولا مثل له، فلو تأَلهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأَله الإله الحق كما أَنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أَن تستند فى وجودها إِلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أَن تستند فى بقائها وصلاحها إِلى إِلهين متساويين.
إِذا عرف هذا فاعلم أَن حاجة العبد إِلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا فى محبته ولا فى خوفه ولا فى رجائه ولا فى التوكل عليه ولا فى العمل له ولا فى الحلف به ولا فى النذر له ولا فى الخضوع له ولا فى التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أَعظم من حاجة الجسد إِلى روحه والعين إِلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإِن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إِلا بإلهها الذى لا إِله إِلا هو، فلا تطمئن فى
[ ٥٧ ]
الدنيا إِلا بذكره وهى كادحة إِليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إِلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإِكرامه لها ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك. بل ينتقل من نوع إِلى نوع ومن شخص إِلى شخص ويتنعم بهذا فى وقت ثم يتعذب به ولا بد فى وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذى يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأَظفار التى تحكه، فهى تدمى الجلد وتخرقه وتزيد فى ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له فى حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وأَلم فى الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأَمرين ويؤثر أَرجحهما وأَنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة. والمقصود أَن إِله العبد الذى لا بد له منه فى كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإِله الحق الذى كل ما سواه باطل، والذى أَينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إِليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هى فوق كل ضرورة وأَعظم من كل حاجة، ولهذا قال إِمام الحنفاء: ﴿لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] والله أعلم.
[ ٥٨ ]