فمن الناس من يكون له القوة العلمية الكاشفة عن الطريق ومنازلها وأعلامها وعوارضها ومعاثرها، وتكون هذه القوة أَغلب القوتين عليه، ويكون ضعيفًا فى القوة العملية يبصر الحقائق ولا يعمل بموجبها، ويرى المتالف والمخاوف والمعاطب ولا يتوقاها، فهو فقيه ما لم يحضر العمل فإذا حضر العمل شارك الجهال فى التخلف وفارقهم فى العلم وهذا هو الغال على أَكثر النفوس المشتغلة بالعلم، والمعصوم من عصمة الله ولا قوة إلا بالله.
ومن الناس من تكون له القوة العملية الإرادية وتكون أغلب القوتين عليه وتقتضى هذه القوة السير والسلوك والزهد فى الدنيا والرغبة فى الآخرة والجد والتشمير فى العمل، ويكون أعمى البصر عند ورود الشبهات فى العقائد والانحرافات فى الأَعمال والأقوال والمقامات كما كان الأول ضعيف العقل عند ورود الشهوات، فداءُ هذا من جهله وداءُ الأَول من فساد إرادته وضعف عقله، وهذا حال أَكثر أرباب الفقر والتصوف السالكين على غير طريق العلم، بل على طريق الذوق
[ ١٨٤ ]
والوجد والعادة، يرى أحدهم أَعمى عن مطلوبه لا يدرى من يعبد ولا بماذا يعبده، فتارة يعبده بذوقه ووجده، وتارة يعبده بعادة قومه وأصحابه من لبس معين أو كشف رأْس أو حلق لحية ونحوها، وتارة يعبده بالأوضاع التى وضعها بعض المتحذلقين وليس له أصل فى الدين، وتارة يعبده بما تحبه نفسه وتهواه كائنًا ما كان.
وهنا طرق ومتاهات لا يحصيها إلا رب العباد، فهؤلاء كلهم عمى عن ربهم وعن شريعته ودينه لا يعرفون شريعته ودينه الذى بعث به رسله وأنزل به كتبه ولا يقبل من أحد دينًا سواه، كما أنهم لا يعرفون صفات ربهم التى تعرف بها إلى عباده على ألسنة رسله ودعاهم إلى معرفته ومحبته من طريقها، فلا معرفة له بالرب ولا عبادة له.
ومن كانت له هاتان القوتان استقام له سيره إلى الله تعالى ورجى له النفوذ وقوى على رد القواطع والموانع بحول الله وقوته، فإِن القواطع كثيرة شأْنها شديد لا يخلص من حبائلها إلا الواحد بعد الواحد، ولولا القواطع والآفات لكانت الطريق معمورة بالسالكين، ولو شاءَ الله لأَزالها وذهب بها، ولكن الله يفعل ما يريد، والوقت كما قيل سيف فإن قطعته وإلا قطعك.
فإذا كان السير ضعيفًا والهمة ضعيفة والعلم بالطريق ضعيفًا، والقواطع الخارجة والداخلة كثيرة شديدة فإنه جهد البلاء ودرك الشقاءِ وسوء القضاء وشماتة الأعداءِ إِلا أن يتداركه الله برحمة منه من حيث لا يحتسب فيأْخذ بيده ويخلصه من أَيدى القواطع. والله ولى التوفيق.
قاعدة نافعة: العبد من حين استقرت قدمه فى هذا الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هى عمره الذى كتب له فالعمر هو مدة سفر الإنسان فى هذه الدار إلى ربه تعالى، ثم قد جعلت الأيام والليالى مراحل لسفره: فكل يوم وليلة مرحلة من المراحل، فلا يزال يطويها مرحلة بعد مرحلة حتى ينتهى السفر. فالكيس الفَطنِ هو الذى يجعل كل مرحلة نصب عينيه فيهتم بقطعها سالمًا غانمًا، فإِذا قطعها جعل الأُخرى نصب عينيه، ولا يطول عليه الأمد فيقسو قلبه ويمتد أمله ويحضر بالتسويف والوعد والتأْخير والمطل، بل يعد عمره تلك المرحلة الواحدة فيجتهد فى قطعها بخير ما بحضرته، فإنه إذا تيقن قصرها وسرعة انقضائها هان عليه العمل وطوَّعت له نفسه الانقياد إلى التزود، فإذا استقبل المرحلة الأخرى من عمره استقبلها كذلك فلا يزال هذا دأبه حتى يطوى مراحل عمره كلها فيحمد سعيه ويبتهج بما أَعده ليوم فاقته وحاجته، فإذا طلع صبح
[ ١٨٥ ]
الآخرة وانقشع ظلام الدنيا، فحينئذ يحمد سراه وينجل عنه كراه، فما أَحسن ما يستقبل يومه وقد لاح صباحه واستبان فلاحه.
ثم الناس فى قطع هذه المراحل قسمان: قسم قطعوها مسافرين فيها إلى دار الشقاءِ، فكلما قطعوا مرحلة منها قربوا من تلك الدار وبعدوا عن ربهم وعن دار كرامته فقطعوا تلك المراحل بمساخط الرب ومعاداة رسله وأَوليائه ودينه والسعى فى إِطفاءِ نوره وإٍبطال دعوته وإِقامة دعوة غيرها، فهؤلاء جعلت أيامهم يسافرون فيها إلى الدار التى خلقوا لها [واستعملوا] بها، فهم [مصحبون] فيها بالشياطين الموكلة بهم يسوقونهم إلى منازلهم سوقًا كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تُؤُزُّهُمْ أَزًَّا﴾ [مريم: ٨٣]، أى تزعجهم، إلى المعاصى والكفر إزعاجًا وتسوقهم سوقًا.
القسم الثانى: قطعوا تلك المراحل سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام. وهم ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله.
وهؤلاء كلهم مستعدون للسير موقنون بالرجعّ إلى الله، ولكن متفاوتون فى التزود وتعبئة الزاد واختياره، وفى نفس السير وسرعته وبطئه.
فالظالم لنفسه مقصر فى الزاد غير آخذ منه ما يبلغه المنزل لا فى قدره ولا فى صفته، بل مفرط فى زاده الذى ينبغى له أن يتزوده، ومع ذلك فهو متزود ما يتأَذى به فى طريقه، ويجد غب أذاه إذا وصل المنزل بحسب ما تزود من ذلك المؤذى الضار.
والمقتصد اقتصر من الزاد على ما يبلغه، ولم يشدَّ مع ذلك أحمال التجارة الرابحة، ولم يتزود ما يضره، فهو سالم غانم لكن فاتته المتاجر الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة. والسابق بالخيرات همه فى تحصيل الأَرباح وشد أَحمال التجارات لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأَرباح تجاراتهم، فهو كرجل قد علم أَن أمامه بلدة يكسب الدرهم فيها عشرة إلى سبعمائة وأكثر، وعنده حاصل وله خبرة بطريق ذلك البلد وخبرة بالتجارة، فهو لو أَمكنه بيع ثيابه وكل ما يملك حتى يهيء به تجارة إِلى ذلك البلد لفعل، فهكذا حال السابق بالخيرات بإِذن ربه يرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت فى غير متجر.
فنذكر بعون الله وفضله نبذة من متاجر الأقسام الثلاثة ليعلم العبد من أى التجار هو:
[ ١٨٦ ]
فأما الظالم لنفسه فإِنه إذا استقبل مرحلة يومه وليلته استقبلها، وقد سبقت حظوظه وشهواته إِلى قلبه فحركت جوارحه طالبة لها ساعية فيها، فإِذا زاحمها حقوق ربه فتارة وتارة فمرة يأْخذ بالرخصة ومرة بالعزيمة، ومرة يقدم على الذنب وترك الحق تهاونًا ووعدًا بالتوبة. فهذا حال الظالم لنفسه مع حفظ التوحيد والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر والتصديق بالثواب والعقاب فمرحلة هذا مقطوعة بالربح والخسران وهو للأغلب منهما، فإِذا ورد القيامة ميز ربحه من خسرانه وحصل ربحه وحده وخسرانه وحده، وكان الحكم للراجح منهما، وحكم الله من وراءِ ذلك لا يعدم عباده منه فضله وعدله.
وأما المقتصدون فأدوا وظيفة تلك المرحلة ولم يزيدوا عليها ولم ينقصوا منها، فلا حصلوا على أرباح التجار ولا بخسوا الحق الذى عليهم. فإذا استقبل أحدهم مرحلة يومه استقبلها بالطهور التام والصلاة التامة فى وقتها بأركانها وواجباتها وشرائطها، ثم ينصرف منها إلى مباحاته ومعيشته وتصرفاته التى أذن الله له فيها مشتغلًا بها قائمًا بأعيانها مؤديًا واجب الرب عالى فيها، غير متفرغ لنوافل العبادات وأوراد الأذكار والتوجه، فإذا حضرت الفريضة الأُخرى بادر إليها كذلك، فإذا أكملها انصرف إلى حاله الأول فهو كذلك سائر يومه، فإذا جاءَ الليل فكذلك إلى حين النوم يأْخذ مضجعه حتى ينشق الفجر فيقوم إلى غذائه وظيفته فإذا جاء الصوم الواجب ويقوم بحقه، وكذلك الزكاة الواجبة والحج الواجب، وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط، لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم.
فصل
وأما السابقون بالخيرات فهم نوعان: أبرار ومقربون. وهؤلاء الأَصناف الثلاثة هم أَهل اليمين، وهم المقتصدون والأَبرار والمقربون. وأَما الظالم لنفسه فليس من أَصحاب اليمين عند الإِطلاق وإِن كان مآله إلى أصحاب اليمين كما أنه لا يسمى مؤمنًا عند الإطلاق وإن كان مصيره ومآله مصير المؤمنين بعد أخذ الحق منه.
وقد اختلف فى قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣] الآية. هل ذلك راجع إلى الأصناف الثلاثة: الظالم لنفسه، والمقتصد، والسابق بالخيرات، أو يختص بالقسمين الأَخيرين وهما المقتصد والسابق دون الظالم، على قولين: فذهبت طائفة إلى أَن الأَصناف الثلاثة كلهم فى الجنة، وهذا يروى عن ابن مسعود وابن عباس
[ ١٨٧ ]
وأَبى سعيد الخدرى وعائشة أُم المؤمنين، قال أبو إسحق السبيعى: أَما الذى سمعت منذ ستون سنة فكلهم ناج، قال أبو داود الطيالسى: أنبأنا الصلت بن دينار: حدثنا عقبة بن صبهان الهنائى قال: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمَنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فقالت لى: يا بنى، كل هؤلاء فى الجنة، فأما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله يشهد له رسول الله بالخيرة والرزق، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأَما الظالم لنفسه فمثلى ومثلك. قال: فجعلت نفسها معنا.
وقال ابن مسعود: هذه الأُمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يوم القيامة يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يجيئون بذنوب عظام، فيقول الله: ما هؤلاء؟ وهو أعلم بهم، فتقول الملائكة: هم مذنبون إلا أَنهم لم يشركوا. فيقول الله: أدخلوهم فى سعة رحمتى، وقال كعب: تحاذت مناكبهم ورب الكعبة وتفاضلوا بأَعمالهم وقال الحسن: السابقون من رجحت حسناتهم، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من خفت موازينه واحتجت هذه الفرقة بأنه سبحانه سمى الكل "مصطفين"، وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أَن يكون الكافر والمشرك من المصطفين، لأن الاصطفاء هو الاختيار، وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره، فعلم أَن هؤلاء الأصناف الثلاثة صفوة الخلق وبعضهم خير من بعض: فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك.
واحتجت أيضًا بآثار روتها تؤيد ما ذهب إليه: فمنها ما رواه سليمان الشاذكونى حدثنا حصين بن بهز عن أَبى ليلى عن أَخيه عن أَبيه عن أُسامة بن زيد عن النبى ﷺ فى هذه الآية قال: كلهم فى الجنة. ومنها ما رواه الطبرانى: حدثنا أحمد بن حماد بن رعية، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة عن أحمد بن حازم المعافرى عن صالح مولى التوأمة عن أَبى الدرداءِ قال: قرأَ النبى هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بإِذنِ الله﴾ [فاطر: ٣٢]، فقال: أَما السابق فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالم فيجلس فى طول المحبس ثم يتجاوز الله عنه، ومنها ما رواه زكريا الساجى [عن الحسن بن على الواسطى عن أبى سعيد الخزاعى عن الحسن] بن سالم عن سعد بن ظريف عن أَبى هاشم الطائى قال: قدمت
[ ١٨٨ ]
المدينة فدخلت مسجدها فجلست إلى سارية، فجاءَ حذيفة فقال: ألا أُحدثك بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ يقول: "يبعث الله ﵎ هذه الأُمة- أَو كما قال- ثلاثة أصناف، وذلك فى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، فالسابق بالخيرات يدخل الجنة بلا حساب والمقتصد يحاسب حسابًا يسيرًا، والظالم لنفسه يدخل الجنة برحمة الله.
ومنها ما رواه الطبرانى عن محمد بن إسحاق بن راهوية: حدثنا أبى، حدثنا جرير عن الأعمش عن رجل سماه عن أَبى الدرداءِ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فى قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية قال: "السابق بالخيرات والمقتصد يدخلان الجنة بغير حساب، والظالم لنفسه يحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة".
ومنها ما رواه ابن لهيعة عن أبى جعفر عن يونس بن عبد الرحمن عن أبى الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَاب الَّذِينَ اصطفيْنَا مِنْ عِبَادِنَا- إِلى قوله -سَابقٌ بِالْخَيْرَات﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: فأَما السابقون فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا، وأما الظالمون فيحاسبون فيصيبهم عناءُ وكرب ثم يدخلون الجنة ثم يقولون: ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَرَنْ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] منها ما رواه الحميدى: حدثنا سفيان، حدثنا طعمة بن عمرو الجعفرى عن رجل قال: قال أبو الدرداءِ لرجل: ألا أُحدثك بحديث أخصك به لم أحدث به أحدًا؟ قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنْهُمْ ظالم لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمنهم سَابِقٌ بالخيَرَات﴾ بإذن الله جَنَّاتُ عَدْنٍ قال: "دخلوا الجنة جميعًا".
واحتجت أيضًا بالآيات والأَحاديث التى تشهد بنجاة الموحدين من أهل الكبائر ودخولهم الجنة. واحتجت أيضًا بأَن ظلم النفس إِنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصى، فإِن الظلم ثلاثة أَنواع: ظلم فى حق النفس باتباعها شهواتها وإيثارها لها على طاعة ربها وظلم فى حق الخلق بالعدوان عليهم ومنعهم حقوقهم، وظلم فى حق الرب بالشرك به، فظلم النفس إِنما هو بالمعاصى وقد تواترت النصوص بأَن العصاة من الموحدين مآلهم إلى الجنة.
وقالت طائفة: بل الوعد بالجنات إِنما هو للمقتصد والسابق دون الظالم لنفسه، فإِن الظالم لنفسه لا يدخل تحت الوعد المطلق والظالم لنفسه هنا هو الكافر، والمقتصد المؤمن العاصى والسابق المؤمن التقى. وهذا يروى عن عكرمة والحسن وقتادة، وهو
[ ١٨٩ ]
اختيار جماعة من المفسرين منهم صاحب الكشاف ومنذر ابن سعيد فى تفسيره والرمانى وغيرهم، قالوا: وهذه الآية متناولة لجميع أقسام الخلق شقيهم وسعيدهم، وهى نظير آية [قوله تعالي]: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ما أَصْحَابُ المَشأَمَة وَالْسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ٧- ١٠]، قالوا: فأصحاب الميمنة هم المقتصدون وأصحاب المشأمة [هم] الظالمون لأنفسهم، والسابقون السابقون هم السابقون بالخيرات.
قالوا: ولم [يصطفى] الله من خلقه ظالمًا لنفسه، بل المصطفون من عباده هم صفوته وخيارهم والظالمون لأنفسهم ليسوا خيار العباد بل شرارهم، فكيف يوقع عليهم [اسم المصطفين وتناولهم فعل الأصطفاء؟ قالوا: فأيضًا صفوة الله هم أحباؤه والله لا يحب الظالمين فلا يكونون مصطفين قالوا: ولن الظالم لنفسه وإن كان] ممن أورث الكتاب، فهو بتركه العمل بما فيه قد ظلم نفسه والله [تعالي] إِنما اصطفى من عباده من أورثة كتابه ليعمل بما فيه فأما من نبذه وراء ظهوره فليس من المصطفين من عباده قالوا: ولأن الاصطفاء افتعال من صفوة الشيء وهو خلاصته ولبه، وأصله اصتفى فأُبدلت التاءُ طاءً لوقوعها بعد الصاد كالاصطباح والاصطلام ونحوه، والظالم لنفسه ليس صفوة العباد ولا خلاصتهم ولا لبهم فلا يكون مصطفى، قالوا: ولأن الله سلَّم على المصطفين من عباده فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩]، وهذا يقتضى سلامتهم من كل شر وكل عذاب، والظالم لنفسه غير سالم من هذا ولا هذا فكيف يكون من المصطفين؟ قالوا: وأيضًا فطريقة القرآن أن الوعد المطلق بالثواب إِنما يكون للمتقين لا للظالمين كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فأَين الظالم لنفسه هنا؟ وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِى وُعِدَ المُتَّقون﴾ [الفرقان: ١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعدَّت لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣١- ٣٦]، [والقرآن] مملوءٌ من هذا، ولم يجيء [فيه موضع واحد بإطلاق الوعد بالثواب للظالم لنفسه أصلًا
[ ١٩٠ ]
قالوا: وأيضًا فلم يجيء] فى القرآن ذكر الظالم لنفسه إِلا فى معرض الوعيد لا الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين﴾ [الزخرف: ٧٤-٧٦]، وقوله: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بِاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعْلْنَاهُمْ أحَادِيثَ ومزقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ٩٩]، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْناهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨] [وقوله لا ينال عهدى الظالمين وقوله: أن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] قالوا: وأَيضًا فالظالم لنفسه هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته، والقرآن كله يدل على خسارته وأَنه غير ناج كقوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨-٩] وقوله: ﴿وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨- ٩]، فكيف يذكر وعده بجناته وكرامته للظالمين أنفسهم الخفيفة موازينهم؟ قالوا: وأيضًا فقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [يدخلونها] مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ وهو بدل نكرة من معرفة كقوله: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ [العلق: ١٥- ١٦]، وحسن وقوعه [مجيء النكرة موصوفة لتخصيصها بالوصف وقربها من المعرفة ومعلوم أن المبدل منه هو] "الفضل الكبير" مختص بالسابقين بالخيرات، والمعنى أن سبقهم بالخيرات بإذنه ذلك هو الفضل الكبير وهو جنات عدن يدخلونها، وجعل السبق بالخيرات نفس الجنات لأنه سببها وموجبها.
قالوا: وأيضًا فإنه وصف حليتهم فيها بأنها أساور من ذهب ولؤلؤ، وهذه جنات السابقين لا جنات المقتصدين، فإن جنات الفردوس أربع كما ثبت فى الصحيح عن النبى ﷺ أنه قال: "جنتان من ذهب آنيتهما وحليتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وحليتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءُ الكبرياءِ على وجهه فى جنة عدن".
ومعلوم أن الجنتين الذهبيتين أَعلى وأَفضل من الفضيتين فإذا كانت الجنتان الذهبيتان للظالمين لأنفسهم، فمن يسكن الجنتين الفضتين؟ فعلم أن هذه الجنات المذكورة لا تتناول الظالمين لأنفسهم قالوا: وأيضًا فإن أقرب المذكورات إلى ضمير الداخلين
[ ١٩١ ]
هم السابقون بالخيرات فوجب اختصاصهم بالدخول إلى الجنات المذكورات. قالوا: وفى اختصاصهم- بعد ذكر الأقسام- بذكر ثوابهم والسكوت عن الآخرين ما هو معلوم من طريقة القرآن إذ يصرح بذكر ثواب الأبرار والمتقين والمخلصين [والمحسنين ومن رجحت حسناتهم ويذكر عقاب الكفار] والفجار والظالمين لأنفسهم ومن خفت موازينهم، ويسكت عن القسم الذى فيه شائبتان وله مادتان هذه طريقة القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣- ١٤]، وقوله: ﴿فأَمَّا مَن طَغَى وآثر الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمِ هِى الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِى الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧- ٤١]، وهذا كثير فى القرآن قالوا: وفى السكوت عن شأْن صاحب الشائبتين تحذير عظيم وتخويف له بأَن أَمره مرجأٌ إلى الله وليس عله ضمان ولا له عنده وعد، وليحذر كل الحذر وليبادر بالتوبة، النصوح التى تلحقه فالمضمون لهم النجاة والفلاح.
قالوا: وأيضًا فمن المحال أن يقع على أحد من المصطفين اسم الظلم مطلقًا، على الكافر، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْل أن يَأْتِى يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:٢٥٤]، وقال [تعالى]: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِن وَلِى وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨] مع قوله: ﴿اللهُ وَلِى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] والظالم لا ولى له [ولا] يكون من المؤمنين.
قالوا: وأيضًا فمن تدبر الآيات وتأمل سياقها وجدها قد استوعبت جميع أقسام الخلق، ودلت على مراتبهم فى الجزاءِ، فذكر سبحانه أَن الناس نوعان: ظالم، ومحسن. ثم [قسم] المحسن إلى قسمين: مقتصد، وسابق، ثم ذكر جزاء المحسن، فلما فرغ منه ذكر جزاءَ الظالم فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال [تعالى]: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، فذكر أنواع العباد وجزاءَهم قالوا: وأيضًا فهذه طريقة القرآن فى ذكر أصناف الخلق الثلاثة كما ذكرهم الله تعالى فى سورة
[ ١٩٢ ]
الواقعة والمطففين وسورة الإنسان، فأما سورة الواقعة فذكرهم فى أولها وفى آخرها فقال فى أولها: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ فِى جَنَّاتِ النَّعِيم﴾
[الواقعة: ٧- ١٢]، فأصحاب المشأَمة هم الظالمون.
وأما أصحاب اليمين فقسمان: أبرار وهم أَصحاب الميمنة، وسابقون وهم المقربون، وفى آخرها: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِن كَانَ مِن المُكَذَّبِينَ الضَّالِّينَ فنُزُلٌ مِنْ حَمِيمِ وَتَصْلِيةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨- ٩٤]، فذكر حالهم فى القيامة الكبرى فى أول السورة، ثم ذكر حالهم فى القيامة الصغرى فى البرزخ فى آخر السورة، ولهذا قدم قبله ذكر الموت ومفارقة الروح فقال: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونها إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣- ٨٧] ثُمَ قال: ﴿فأَمَّا إِن كَانَ مِن الْمُقَرَّبِين﴾ [الواقعة: ٨٨] إلى آخرها.
وأما فى أولها فذكر أقسام الخلق عقب قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنبَثًا وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ١- ٧]، وأما سورة الإنسان فقال [تعالى]: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان: ٤] فهؤلاء الظالمون أصحاب المشأَمة قال: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبَون مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، فهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين، ثم قال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفْجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦]، فهؤلاء المقربون السابقون، ولهذا خصهم بالإضافة إليه وأخبر أنهم يشربون بتلك العين صرفًا محضًا وأنها تمزج للأبرار مزجًا كما قال فى سورة المطففين فى شراب الأبرار: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:٢٧-٢٨] وقال: يشرب "بها" المقربون، ولم يقل: "منها" إشعارًا بأَن شربهم بالعين نفسها خالصة لا بها وبغيرها فضمن
[ ١٩٣ ]
"يشرب" معنى يروى، فعدَّى بالباءَ، وهذا ألطف مأْخذًا وأَحسن معنى من أن يجعل الباء بمعنى من، [ولكن] يضمن يشرب الفعل معنى فعل آخر، فيتعدى تعديته، وهذه طريقة الحذاق من النحاة وهى طريقة سيبويه وأئمة أصحابه، وقال فى الأبرار: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، لأن شرب المقربين لما كان أكمل استعير له الباءُ الدالة على شرب الرى بالعين خالصة ودلالة القرآن أَلطف وأَبلغ من أن يحيط بها البَشر.
وقال تعالى فى سورة المطففين: ﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِى سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ إلى قوله: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَن رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الجَحِيمِ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِى كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ٧- ١٧]، [فهؤلاء الظالمون أصحاب الشمال] ثم قال:
﴿كَلا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِى عِلِيِّينَ َمَا أَدرَاك مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٨- ١٩]، فهؤلاء الأبرارِ المقتصدون، وأَخبر أن المقربين يشهدون كتابهم- أى يكتب بحضرتهم ومشهدهم- لا يغيبون عنه، اعتناءً به وإظهارًا لكرامة صاحبه ومنزلته عند ربه.
ثم ذكر سبحانه نعيم الأبرار ومجالستهم ونظرهم إلى ربهم وظهور نضرة النعيم فى وجوههم، ثم ذكر شرابهم فقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥- ٢٦]، ثم قال: ﴿وَمِزَاجُهُ مِن تَسنيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٧- ٢٨]، [التسنيم] أعلى أشربه الجنة، فأخبر سبحانه أن مزاج شراب الأبرار من التسنيم، وأن المقربين يشربون منه بلا مزاج، ولهذا قال:
﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا المُقَرَّبون﴾ [المطففين: ٢٨]، كما قال تعالى فى سورة الإنسان سواءً، قال ابن عباس وغيره: يشرب بها المقربون صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين مزجًا.
وهذا لأن الجزاءَ وفاق العمل، فكما خلصت أعمال المقربين كلها لله خلص شرابهم، وكما مزج الأبرار الطاعات بالمباحات مزج لهم شرابهم، فمن أخلص أخلص شرابه ومن مزج مزج شرابه.
يا لاهيًا فى غمرة الجهل والهوي صريعًا على فرش الردى يتقلب
تأمل- هداك الله- ما [ثم] وانتبه فهذا شراب القوم حقًا يركَّب
وتركيبه فى هذه الدار إن تفت فليس له بعد المنية مطلب
[ ١٩٤ ]
فيا عجبًا من معرض عن حياته وعن حظه العالى ويلهو ويلعب
ولو علم المحروم أى بضاعة أضاع لأمسى قلبه يتلهب
فإن كان لا يدرى فتلك مصيبة وإن كان يدرى فالمصيبة أصعب
بلي سوف يدرى حين ينكشف الغطا ويصبح مسلوبًا ينوح ويندب
ويعجب ممن باع شيئًا بدون ما يساوى بلا علم وأمرك أعجب
لأنك قد بعت الحياة وطيبها بلذة حلم عن قليل [سيذهب]
فهلا عكست الأمر إن كنت حازمًا ولكن أضعت الحزم والحكم يغلب
تصدُّ وتنأى عن حبيبك دائمًا فأين عن الأحباب ويحك تذهب
ستعلم يوم الحشر أى تجارة أضعت إذا تلك الموازين تنصب
قالوا: فهكذا هذه الآيات التي في سورة الملائكة ذكر فيها الأقسام الثلاثة: الظالم لنفسه وهو من أصحاب الشمال، وذكر المقتصد وهو من أصحاب اليمين، وذكر السابقين وهم المقربون.
قالوا: وليس في الآية ما يدل على اختصاص الكتاب بالقرآن والمصطفين بهذه الأمة، بل الكتاب اسم جنس للكتب التي أنزلها على رسله، فإنه أورثها المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من عباده من كل أمة، والأنبياء هم الذين أورثوه أولا ثم أورثوه المصطفين من أممهم بعدهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَاب هُدىً وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [غافر ٥٤:٥٣]، فأخبر أنه إنما يكون هدى وذكرى لمن له لب عقل به الكتاب وعمل بما فيه، والعامل بما فيه هو الذي أورثه الله علمه.
وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤]، كيف حذف الفاعل هنا وبنى الفعل للمفعول لما كان في معرض الذم لهم ونفي العلم عنهم، ولما كان في سياق ذكر نعمه وآلائه ومنته عليهم قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرائيلَ الْكِتَابَ﴾، ونظير هذه الآية:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الاعراف: ١٩٦]، وأنه لما كان الكلام في سياق ذمهم على إتباعهم شهواتهم وإيثارهم العرض الفاني على حظهم من الآخرة وتماديهم في ذلك لم
[ ١٩٥ ]
ينسب التوريث إليه، بل نسبه إلى المحل فقال: أورثوا الكتاب ولم يقل: أورثناهم الكتاب وقد ذكرت نظير هذا قوله: ﴿أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ أنه للمدح، وأورثوا الكتاب إما في سياق الذم، وإما منقسم في كتاب " التحفة المكية " الكلية.
والمقصود أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده أولا وآخرا قالوا: وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ لا يرجع إلى المصطفين، بل إما أن يكون الكلام قد تم عند قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ ثم استأنف جملة أخرى وذكر فيها أقسام العباد وأن منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق.
ويكون الكلام جملتين مستقلتين: بين في إحداهما أنه أورث كتابه من اصطفاه من عباده، وبين في الأخرى أن من عباده ظالما ومقتصدا وسابقا، وإما أن يكون المعنى تقسيم المرسل إليهم بالنسبة إلى قبول الكتاب وأن منهم من لم يقبله وهو الظالم لنفسه، ومنهم من قبله مقتصدا فيه، ومنهم من قبله سابقا بالخيرات بإذن الله، قالوا: والذي يدل على هذا الوجه أنه سبحانه ذكر إرساله في كل أمة نذيرا ممن تقدم هذه الأمة فقال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، ثم ذكر أن رسلهم جاءتهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المبين، الآيات الدالة على صدقهم وصحة رسالاتهم، والزبر: الكتاب، واحدها زبور بمعنى مزبور أي مكتوب، الكتاب المنير: من باب عطف الخاص على العام لتميزه عن المسمى العام بفضله وشرفه امتاز بها واختص بها عن غيره، وهو كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وكعطف أولى العزم على النبيين من قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحراب: ٧] والكتاب المنير هاهنا: التوراة والإنجيل.
ثم ذكر إهلاك المكذبين لكتابه ورسله فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر: ٢٦]، ثم ذكر التالين لكتابه وهم المتبعون له العالمون بشرائعه: فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩-٣٠] .
ثم ذكر الكتاب الذي خص به خاتم أنبيائه ورسله محمد ﷺ فقال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِه ِ
[ ١٩٦ ]
لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١] .
ثم ذكر سبحانه من أورثهم الكتاب بعد أولئك وأنه اصطفاهم لتوريث كتابه إذ رده المكذبون لو يقبلوا توريثه.
قالوا: وأما قولكم: إن الاصطفاء افتعال من الصفوة وهي الخيار وهي إنما تكون في السعداء، فهذا بعينه حجة لنا في أن الظالم لنفسه ليس ممن اصطفاه الله من عباده وقد تقدم تقريره.
قالوا: وأما الآثار التي رويتموها عن النبي ﷺ في ذلك فكلها ضعيفة الأسانيد ومنقطعة لا تثبت، كيف وهي معارضة بآثار مثلها أو أقوى منها، قال ابن مردويه في " تفسيره ": حدثنا الحسن بن عبد الله، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا أحمد بن محمد بن المعلي الآدمي، حدثنا حفص بن عمار، حدثنا مبارك ابن فضالة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، قال: الكافر، قالوا: وأما النصوص الدالة على أن أهل التوحيد يدخلون الجنة فصحيحة لا ننازعكم فيها، غير أنها مطلقة، ولكن لها شروط وموانع، كما أن النصوص الدالة على عذاب أهل الكبائر صحيحة متواترة، ولها شروط وموانع يتوقف لحوق الوعيد عليها، فكذلك نصوص الوعد يتوقف مقتضاها على شروطها وانتفاء موانعها. قالوا: وأما قولكم إن ظلم النفس إنما يراد به ظلمها بالذنوب والمعاصي دون الكفر فليس بصحيح، فقد ذكر في القرآن ما يدل على أن ظلم النفس يكون بالكفر والشرك، ولو لم يكن في هذا إلا قول موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله ﷿:
﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق﴾ [سبأ: ١٩] ونظائره كثيرة.
قالت الطائفة الأولى: لو تدبرتم القرآن حق تدبره وأعطيتم الآيات حقها من الفهم وراعيتم وجوه الدلالة وسياق الكلام، لعلمتم أن الصواب معنا وأن
(هذه الأقسام الثلاثة من الأقسام التي خلقت للجنة وهم درجات عند الله وأن) هذا التقسيم الذي دلت عليه أخص من التقسيم المذكور في سورة
الواقعة والإنسان والمطففين، فإن ذلك تقسيم للناس إلى شقي وسعيد، وتقسيم السعداء إلى أبرار ومقربين، وتلك القسمة خالية عن ذكر العاصي الظالم لنفسه، وأما هذه الآيات ففيها تقسيم الأمة إلى محسن ومسيئ، فالمسيئ هو الظالم لنفسه، والمحسن نوعنان مقتصد وسابق بالخيرات، فإن الوجود شامل لهذا القسم، بل هو أغلب أقسام الأمة فكيف يخلو القرآن عن
[ ١٩٧ ]
ذكره وبيان حكمه، ثم لما استوفى أقسام الأمة ذكر الخارجين عنهم وهم الذين كفروا فعمت الآية أقسام الخلق كلهم، وعلى ما ذهبتم إليه تكون الآية قد أهملت ذكر القسم الأغلب الأكثر وكررت ذكر حكم الكافر أولا وآخرا.
ولا ريب أن ما ذكرناه أولى لبيان هذا القسم وعموم الفائدة، وأيضا فإن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] صريح في أن الذين أورثهم الكتاب هم المصطفون من عباده، وقوله ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢] إما أن يرجع إلى الذين اصطفاهم، وإما أن يرجع إلى العباد، ورجوعه إلى الذين اصطفاهم لوجهين: أحدهما أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، إنما يرجع إلى المصطفين لا إلى العباد لأن سياق الآية والإتيان بالفاء والتقسيم المذكور كله يدل على أن المراد بيان أقسام الوارثين للكتاب لا بيان أقسام العبد، إذ لو أراد ذلك لأتى بلفظ يزيل الوهم ولا يلتبس به المراد بغيره، وكأن وجه الكلام الذي يدل عليه ظاهره. الثاني: أنك إذا قلت: أعطيت مالي البالغين من أولادي فمنهم تاجر ومنهم خازن ومنهم مبذر ومسرف، هل يفهم من هذا أحد قط أن هذا التقسيم لجملة أولاده، بل لا يفهم منه إلا أن أولاده كانوا في أخذهم المال أقساما ثلاثة، ولهذا أتي فيها بالفاء الدالة على تفصيل ما أجمله أولا كما إذا قلت: خذ هذا المال فأعط فلانا كذا وأعط (فلانا) كذا، ونظائره متعددة، ولا وجه للإتيان بالفاء هاهنا إلا تفصيل المذكور أولا، لا تفصيل المسكوت عنه والآية قد سكتت عن تفصيل العباد الذين اصطفى منهم من أورثه الكتاب، فالتفصيل للمذكور ليس إلا، فتأمله فإنه واضح.
قالوا: وأما قولكم إن الله لا يصطفي من عباده ظالما لنفسه لأن الاصطفاء هو الاختيار من الشئ صفوته وخياره إلى آخر ما ذكرتم فجوابه أن كون العبد المصطفى لله ووليا لله ومحبوبا لله ونحو ذلك من الأسماء الدالة على شرف منزلة العبد وتقريب الله له لا ينافي ظلم العبد نفسه أحيانا بالذنوب
[ ١٩٨ ]
والمعاصي بل أبلغ من ذلك أن صديقيته لا تنافي ظلمه لنفسه، ولهذا قال صديق الأمة وخيارها للنبي ﷺ: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".
وقد قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣-١٣٥] .
فأخبر سبحانه عن صفات المتقين وأنهم يقع منهم ظلم النفس والفاحشة لكن لا يصرون على ذلك، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٥] فهؤلاء الصديقون المتقون قد أخبر سبحانه أن لهم أعمالا سيئة يكفرها، ولا ريب أنها ظلم للنفس وقال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وقال آدم ﵇: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقال يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النمل: ١١] .
وإذا كان ظلم النفس لا ينافي الصديقية والولاية، ولا يخرج العبد عن كونه من المتقين، بل يجتمع فيه الأمران يكون وليا لله صديقا متقيا وهو مسيئ ظالم لنفسه، علم أن ظلمه لنفسه لا يخرجه عن كونه من الذين اصطفاهم الله من عباده وأورثهم كتابه، إذ هو مصطفى من جهة كونه من ورثة الكتاب علما وعملا، ظالم لنفسه من جهة تفريطه في بعض ما أمر به وتعديه بعض ما نهي عنه، كما يكون الرجل وليا لله محبوبا له من جهة ومبغوضا
[ ١٩٩ ]
له من جهة أخرى، وهذا عبد الله حمار كان يكثر شرب الخمر والله يبغضه من هذه الجهة، ويحب الله ورسوله ويحبه الله ويواليه من هذه الجهة، ولهذا نهى النبي ﷺ عن لعنه وقال: إنه يحب الله ورسوله ونكتة المسألة أن الاصطفاء والولاية والصديقية وكون الرجل من الأبرار ومن المتقين ونحو ذلك كلها مراتب تقبل التجزيء والانقسام والكمال والنقصان كما هو ثابت باتفاق المسلمين في أصل الإيمان، وعلى هذا فيكون هذا القسم مصطفى من وجه ظالما لنفسه من وجه آخر.
وظلم النفس نوعان: نوع لا يبقى معه شيء من الإيمان والولاية والصديقية والاصطفاء وهو ظلمها بالشرك والكفر، ونوع يبقى معه حظه من الإيمان والاصطفاء والولاية وهو ظلمها بالمعاصي، وهو درجات متفاوتة في القدر والوصف.
فهذا التفصيل يكشف قناع المسألة ويزيل أشكالها بحمد الله. قالوا: وأما قولكم: إن قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ مرفوع لأنه بدل من قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢] [الشورى: ٢٢] وهو مختص بالسابقين، وذكر حليتهم فيها من أساور من ذهب يدل على ذلك إلخ.
فجوابه من وجهين: أحدهما أن هذا بعينه وارد عليكم، فإن المقتصد من أهل الجنات، ومعلوم أن جنات السابقين بالخيرات أعلى وأفضل من جناته، فما كان جوابكم عن المقتصد فهو الجواب بعينه عن الظالم لنفسه، فإن التفاوت حاصل بين جنات الأصناف الثلاثة، ويختص كل صنف بما يليق بهم ويقتضيه مقامهم وعملهم.
الجواب الثاني: أنه سبحانه ذكر جزاء السابقين بالخيرات هنا مشوقا لعباده إليه منبها لهم على مقداره وشرفه، وسكت عن جزاء الظالمين لأنفسهم والمقتصدين ليحذر الظالمون ويجد المقتصدون، وذكر في سورة الإنسان جزاء الأبرار منبها على ما هو أعلى وأجل منه وهو جزاء المقربين السابقين ليدل على أن هذا إذا كان جزاء الأبرار المقتصدين فما الظن بجزاء المقربين السابقين فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ إلى قوله:
﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٥-٢١]، فذكر
[ ٢٠٠ ]
هنا الأساور من الفضة والأكواب من الفضة في جزاء الأبرار، وذكر في سورة الملائكة الأساور من الذهب في جزاء السابقين بالخيرات، فعلم جزاء المقتصدين من سورة الإنسان، وعلم جزاء السابقين من سورة الملائكة، فانتظمت السورتان جزاء المقربين على أتم الوجوه، والله أعلم بأسرار كلامه وحكمه.
قالوا: وهذا هو الجواب عن قولكم: إن الضمير يختص به أقرب مذكور إليه.
قالوا: وأما قولكم إن الظالم لنفسه إنما هو الكافر فقد تقدم جوابه وذكر ما يبطله.
قالوا: وأما قولكم: إن هذا الآيات نظير آيات الواقعة وسورة الإنسان وسورة المطففين في تقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام: أصحاب الشمال، وأصحاب اليمين، والمقربون.
فلا ريب أن هذه الآية وافية بالأقسام الثلاثة مع مزيد تقسيم آخر وهو تقسيم أصحاب اليمين إلى ظالم لنفسه ومقتصد فهي مشتملة على تلك الأقسام وزيادة.
قالوا: وأما قولكم: إن الآثار الدالة على أن الأصناف الثلاثة هم السعداء أهل الجنة ضعيفة لا تقوم بها حجة فجوابه: إنها قد بلغت في الكثرة إلى حد يشد بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض، ونحن نسوق م نها آثارا غير ما ذكرناه يعلم به كثرتها وتعدد طرقها، فروى ابن مردويه في تفسيره من حديث سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي وسق لي جليسا صالحا. فقال أبو الدرداء: إن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، مقال: أما السابق بالخيرات فيدخله الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم والحزن ثم يدخل الجنة ثم قرأ هذه الآية: ﴿الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور﴾ [فاطر: ٣٤] .
وقد ذكرنا فيما تقدم حديث أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن أسامة بن زيد في قوله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: قال: رسول الله ﷺ "كلهم من هذه الأمة".
وروى ابن مردويه أيضا من حديث الفضل بن عميرة القيسي عن ميمون بن سياه عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن
[ ٢٠١ ]
الخطاب يقول على المنبر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سابقنا سابق ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له"، وقرأ عمر: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ .
وروى أيضا من حديث أبي داود عن شعبة عن الوليد بن العيراز قال: سمعت رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، قال "كلهم في الجنة"، أو قال: "كلهم بمنزلة واحدة". قال شعبة: أحدهما، ورواه دواد بن إبراهيم عن شعبة به وقالوا: دخلوا الجنة كلهم بمنزلة واحدة. فهذا حديث صحيح إلى شعبة وإذا كان شعبة في حديث لم يطرح، بل شد يديك به. ورواه يحيى بن سعيد عن الوليد بن العيزار فذكره بمثله، وروى محمد بن سعد عن أبيه عن عمه: حدثنا أبي عن أبيه عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قال: جعل الله أهل الإيمان على ثلاث منازل كقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ فهم على هذا المثال.
قلت: يريد ابن عباس أن الله قسم أصحاب اليمين إلى ثلاث منازل كما قسم الخلق في الواقعة إلى ثلاث منازل، فإن أصحاب الشمال المذكورين في الواقعة هم الكفار المنكرون للبعث، فكيف تكون هذه منزلة من منازل أهل الإيمان؟ ويجوز أن يريد أن الظالمين لأنفسهم المستحقين للعذاب هم من أهل الشمال، ولكن إيمانهم يجعلهم آخرا من أهل اليمين. وروي من حديث معاوية بن صالح عن علي بن أبي (طلحة) عن ابن عباس في هذه الآية فقال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله (سبحانه) كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.
وروي من حديث عثمان بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب- أو عن رجل عن البراء بن عازب- قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: "كلهم ناج وهي هذه الأمة".
ورواه الفريابي حدثنا سفيان عن أبي ليلى عن الحكم عن رجل حدثه عن البراء قال: قال رسول الله ﷺ
[ ٢٠٢ ]
في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، قال "كل ناج".
وقال آدم بن أي إياس: حدثنا أبو فضالة عن الأزهري عبد الله الخزاز، حدثنا من سمع عثمان بن عفان يقول: ألا إن سابقنا أهل جهادنا، ألا وإن مقتصدنا أهل حضرنا ألا وإن ظالمنا أهل بدونا، وقد تقدم حديث عائشة وأبي الدرداء وحذيفة. قالوا: فهذه الآثار يشد بعضها بعضا، وأنها قد تعددت طرقها واختلفت مخارجها وسياق الآية يشهد لها بالصحة فلا يعدل عنها.
والمقصود الكلام على مراحل العالمين وكيفية قطعهم إياها، فلنرجع إليه فنقول: أما الأشقياء فقطعوا تلك المراحل سائرين إلى دار الشقاء متزودين غضب الرب سبحانه ومعاداة كتبه ورسله ما بعثوا به، ومعاداة أوليائه والصد عن سبيله، ومحاربة من يدعو إلى دينه، ومقاتلة الذين يأمرون بالقسط من الناس، وإقامة دعوة غير دعوة الله التي بعث بها رسله لتكون الدعوة له واحدة، فقطع هؤلاء الأشقياء مراحل أعمارهم في ضد ما يحبه الله ويرضاه، وأما السائرون إليه فظالمهم قطع مراحل عمره في غفلاته وإيثار شهواته ولذاته على مراضي الرب سبحانه وأوامره مع إيمانه بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، لكن نفسه مغلوبة معه مأسورة مع حظه وهواه، يعلم سوء حاله ويعترف بتفريطه ويعزم على الرجوع إلى الله، فهذا حال المسلم.
وأما من زين له سوء عمله فرآه حسنا وهو غير معترف ولا مقر ولا عازم على الرجوع إلى الله الإنابة إليه أصلا، فهذا لا يكاد إسلامه أن يكون صحيحا أبدا ولا يكون هذا إلا منسلخ القلب من الإيمان، ونعوذ بالله من الخذلان.
وأما الأبرار المقتصدون فقطعوا مراحل سفرهم بالاهتمام بإقامة أمر الله وعقد القلب على ترك مخالفته ومعاصيه فهممهم مصروفة إلى القيام بالأعمال الصالحة واجتناب الأعمال القبيحة، فأول ما يستيقظ أحدهم من منامه يسبق إلى قلبه القيام إلى الوضوء والصلاة كما أمر الله، فإذا أدى فرض وقته اشتغل بالتلاة والأذكار إلى حين تطلع الشمس فيركع الضحى، ثم ذهب إلى ما أقامه الله فيه من الأسباب، فإذا حضر فرض الظهر بادر إلى التطهر والسعي إلى الصف الأول من المسجد فأدى فريضته كما كما أمر مكملا لها بشرائطها وأركانها وسننها وحقائقها الباطنة من الخشوع والمراقبة والحضور
[ ٢٠٣ ]
بين يدي الرب فينصرف من الصلاة وقد أثرت في قلبه وبدنه وسائر أحواله آثارا تبدو على صفحاته ولسانه وجوارحه، ويجد ثمرتها في قلبه من الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور وقلة التكالب والحرص على الدنيا وعاجلها، قد نهته صلاته عن الفحشاء والمنكر، وحببت إليه لقاء الله ونفرته من كل قاطع يقطعه عن الله، فهو مغموم مهموم كأنه في سجن حتى تحضر الصلاة، فإذا حضرت قام إلى نعيمه وسروره وقرة عينه وحياة قلبه، فهو لا تطيب له الحياة إلا بالصلاة.
هذا وهم في ذلك كله مراعون لحفظ السنن لا يخلون منها بشيء ما أمكنهم، فيقصدون من الوضوء أكمله، ومن الوقت أوله، ومن الصفوف أولها عن يمين الإمام أو خلف ظهره، ويأتون بعد الفريضة بالأذكار المشروعة كالاستغفار ثلاثا.
وقول: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
وقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، "لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون".
ثم يسبحون ويحمدون ويكبرون تسعها وتسعين، ويختمون المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
ومن أراد المزيد قرأ آية الكرسي والمعوذتين عقيب كل صلاة، فإن فيها أحاديث رواها النسائي وغيره، ثم يركعون السنة على أحسن الوجوه هذا دأبهم في كل فريضة. فإذا كان قبل غروب الشمس توافروا على أذكار المساء الواردة في السنة نظير أذكار الصباح الواردة في أول النهار لا يخلون بها بأبدا، فإذا جاء الليل كانوا فيه على منازلهم من مواهب الرب سبحانه التي قسمها بين عباده، فإذا أخذوا مضاجعهم أتوا بأذكار النوم والواردة في السنة، وهي كثيرة تبلغ نحوا من أربعين، فيأتون منها بما علموه وما يقدرون عليه من قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاثا ثم يمسحون بها رؤوسهم ووجوههم وأجسادهم ثلاثا، ويقرؤون آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، ويسبحون ثلاثا وثلاثين ويحمدون ثلاثا وثلاثين ويكبرون أربعا وثلاثين، ثم يقول أحدهم: "اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك،
[ ٢٠٤ ]
لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت "، وإن شاء قال: "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين"، وإن شاء قال: "اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربي ورب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين واغنني من الفقر".
وبالجملة فلا يزال يذكر الله على فراشه حتى يغلبه النوم وهو يذكر الله، فهذا منامه عبادة وزيادة له في قربة من الله، فإذا استيقظ عاد إلى عادته الأولى، ومع هذا فهو قائم بحقوق العباد من عيادة المرضى وتشييع الجنائز وإجابة الدعوة والمعاونة لهم بالجاه والبدن والنفس والمال وزيارتهم وتفقدهم، وقائم بحقوق أهله وعياله، فهو متنقل في منازل العبودية كيف نقله فيها الأمر، فإذا وقع منه تفريط في حق من حقوق الله بادر إلى الإعتذار والتوبة والاستغفار، ومحوه ومداواته بعمل صالح يزيل أثره فهذا وظيفته دائما.
وأما السابقون المقربون: فنستغفر الله الذين لا إله غلا هو أولا من وصف حالهم وعدم التصاف به، بل ما شممنا له رائحة. ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم،
ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة:
(فوائد معرفة حال السابقين المقربين):
منها: أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه ذاما لها.
ومنها: أنه لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلا له حقيرا يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين.
ومنها: أنه عساه أن تنهض همته يوما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد.
ومنها: أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن يلحقه بالقوم ويهيئه لأعمالهم فيصادف ساعة إجابة لا يسأل الله ﷿ فيها شيئا إلا أعطاه.
ومنها: أن هذا العلم هو من أشرف علوم العبادة، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة، ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة، فإذا رأى نفسه تناسب هذا العلم وتشتاق إليه وتحبه وتأنس بأقله فليبشر بالخير فقد أهل له، فليقل لنفسه: يا نفس، فقد حصل لك شطر
[ ٢٠٥ ]
..
السعادة فاحرصي على الشطر الآخر، فإن السعادة في العلم بهذا الشأن والعمل به، فقد قطعت نصف المسافة فهلا تقطعين باقيا فتفوزين فوزا عظيما.
ومنها: أن العلم بكل حال خير من الجهل، فإذا كان اثنان أحدهما عالم بهذا الشأن غير موصوف به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من الأمرين، فلا ريب أن العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتصف به خيرا منهما فينبغي أن يعطي كل ذي حق حقه وينزل في مرتبته.
ومنها: أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همه ومطلوبه فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده ولو لحظة لو بارقة، ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه.
ومنها: أنه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصده أو بغير قصده، والله لا يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم بذلك العامل.
وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر فلا ينبغي أن تصغي إلى من يثبطك عنه وتقول: إنه لا ينفع بل احذره واستعن بالله ولا تعجز ولكن لا تغتر، وفرق بين العلم والحال، وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله، هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير وبين الغني بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم وبين الصحيح بالفعل.
فاسمع الآن وصف القوم وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم الجليل، فإن وجدت من نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم فاحمد الله وادخل فالطريق واضح والباب مفتوح:
إذا أعجبتك خصال امريء فكنه تكن مثل ما يعجبك
فليس على الجود والمكر ما ت إذا جئتها حاجب يحجبك
فنبأ القوم عجيب، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك.
وجلمة أمرهم: أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت بمحبته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرت المحبة في أجزائهم فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب.
قد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه. وقد فنوا بحبه عن حب من سواه، وبذكره عن ذكر من سواه وبخوفه ورجائه والرغبة إليه والرهبة منه والتوكل عليه والإنابة إليه والسكون إليه والتذلل والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره. فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه صعدت أنفاسه إلى إِلهه ومولاه واجتمع همه عليه متذكرًا صفاته العلى
[ ٢٠٦ ]
وأسماءَه الحسنى مشاهدًا له فى أسمائه وصفاته، قد تجلت على قلبه أنوارها فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته، فبات جسمه فى فراشه يتجافى عن مضجعه، وقلبه قد أَوى إلى مولاه وحبيبه فآواه إليه، وأسجده بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلًا منكسرًا من كل جهة من جهاته.
فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأْسه منها إلى يوم اللقاءِ.
وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدى ربه؟ قال: أى والله، بسجدة لا يرفع رأْسه منها إلى يوم القيامة.
فشتان بين قلب يبيت عنه ربه قد قطع فى سفره إليه بيداءَ الأَكوان وخرق حجب الطبيعة، ولم يقف عند رسم، ولا سكن إلى علم حتى دخل على ربه فى داره فشاهد عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأْنه وبهاءَ كماله، وهو مستو على عرشه يدبر أمر عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتعرض عليه حوائجهم وأعمالهم، فيأْمر فيها بما يشاءُ، فينزل الأمر من عنده نافدًا [كما أمر]، فيشاهد الملك الحق قيومًا بنفسه مَقِّيمًَا لكل ما سواه غنيًا عن كل من سواه وكل من سواه فقير إِليه: ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]، يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويفك عانيًا وينصر ضعيفًا ويجبر كسيرًا ويغنى فقيرًا ويميت ويحيى ويسعد ويشقى ويضل ويهدى وينعم على قوم ويسلب نعمته عن آخرين ويعز أَقوامًا ويذل آخرين ويرفع أَقوامًا ويضع آخرين.
ويشهده كما أَخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم فى خبره حيث يقول فى الحديث الصحيح: "يمين الله ملأَى لا يغيضها نفقة، سحاءَ الليل والنهار، أَرأَيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإِنه لم يغض ما فى يمينه، وبيده الأُخرى الميزان يخفض ويرفع"، فيشاهده كذلك يقسم الأرزاق ويجزل العطايا ويمن بفضله على من يشاءُ من عباده بيمينه، وباليد الأُخرى الميزان يخفض به من يشاء ويرفع به من يشاءُ عدلًا منه وحكمة لا إله إلا هو العزيز الحكيم، فيشهده وحده القيوم بأمر السموات والأرض ومن فيهن، ليس له بواب فيستأْذن ولا حاجب فيدخل عليه، ولا وزير فيؤتى ولا ظهير فيستعان به ولا ولى من دونه فيشفع به إليه، ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده، ولا معين له فيعاونه على قضائها، [بل قد] أحاط سبحانه بها علمًا ووسعها قدرة ورحمة، فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودًا وكرمًا، ولا يشغله منها شأْن عن شأْن، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
لو اجتمع أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم وقاموا فى
[ ٢٠٧ ]
صعيد واحد ثم سأَلوه فأعطى كلا منهم مسأَلته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة إلا كما ينقص المخيط البحر إذا غمس فيه.
ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك فى ملكه شيئًا ذلك بأنه الغنى الجواد الماجد، فعطاؤه [من] كلام وعذابه كلام: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] .
ويشهده كما أخبر عنه أيضًا الصادق المصدوق حيث يقول: "إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِى لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَملُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَار وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سَبَحاتُ وَجْهِهِ ما أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".
وبالجملة فيشهده فى كلامه فقد تجلى ﷾ لعباده فى كلامه وتراءَى لهم فيه وتعرف إليهم فيه، فبعدًا وتبًا للجاحدين والظالمين: ﴿أَفِى اللهِ شَك فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠] إلا إِله إلا هو الرحمن الرحيم.
فإذا صارت صفات ربه وأسماؤه مشهدًا لقلبه أنسته ذكر غيره وشغلته عن حب من سواه، وحديث: دواعى قلبه إلى حبه تعالى بكل جزءٍ من أجزاء قلبه وروحه وجسمه، فحينئذ يكون الرب سبحانه سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها. فبه يسمع وبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشى.
كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله ﷺ: "ومن غلظ حجابه وكثف طبعه وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل، بل لعله أن يفهم منه ما لا يليق به تعالى من حلول أو اتحاد، أَو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه، ولفظه: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] . وقد ذكرت معنى الحديث والرد على من حرفه وغلط فيه فى كتاب "التحفة المكية".
وبالجملة فيبقى قلب العبد- الذى هذا شأْنه- عرشًا للمثل الأعلى أى عرشًا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأْنه فياله من قلب من ربه ما أَدناه ومن قربه ما أحظاه، فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره، فهؤلاءِ قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم فى فرشهم كما قال أبو الدرداءِ: إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش، فإن كان طاهرًا أذن لها فى السجود، وإن كان جنبًا لم يؤذن لها بالسجود وهذا والله أعلم هو السر الذى لأجله "أمر النبى ﷺ الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ"، وهو إما واجب على أحد القولين،
[ ٢٠٨ ]
أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر، فإن الوضوءَ يخفف حدث الجنابة ويجعله طاهرًا من بعض الوجوه.
ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول الله ﷺ: إنهم إذا كان أحدهم جنبًا ثم أراد أن يجلس فى المسجد توضأ ثم جلس فيه، وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره، مع أن المساجد لا تحل لجنب، [فدل] على أن وضؤه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التى تمنع الجنب من الجلوس فى بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدى الله سبحانه.
فتأمل هذه المسألة وفقهها واعرف مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم، فهل ترى أحدًا من المتأخرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذى خص الله به خيار عباده وهم أصحاب نبيه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
فإذا استيقظ هذا القلب من منامه صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقًا إليه طالبًا له محتاجًا [له] عاكفًا عليه، فحاله كحال المحب الذى غاب عن محبوبه الذى لا غنى له عنه ولا بد له منه، وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى النفس والطعام والشراب، فإذا نام غاب عنه فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه، وإلى الشوق الشديد [والحب] المقلق فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند استيقاظه كما قال بعض المحبين لمحبوبه:
وآخر شيء أنت فى كل هجعة وأول شيء أنت عند هبوبي
فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها، فإذا كان هذا فى محبة مخلوق لمخلوق فما الظن فى محبة المحبوب الأعلى، فأُف لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق به، لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة.
فصل
فإذا استيقظ أحدهم [وقد بدر] إلى قلبه هذا الشأْن فأَول ما يجرى على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إِليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به أَن لا يخلى بينه وبين نفسه وأَن لا يكله إليها فيكله إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة بل يكلأه كلاءَة الوليد الذى لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فأَول ما يبدأُ به الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أَماتنا وإليه النشور، متدبرًا لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأَن أحياه بعد نومه الذى هو أخو الموت وأعاده إلى حاله سويًا سليمًا محفوظًا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات [المهلكات] والتى هو غرض وهدف لسهامها كلها
[ ٢٠٩ ]
تقصده بالهلاك أو الأذى والتى من بعضها [أرواح] شياطين الإنس والجن، فإِنها تلتقى بروحه إذا نام فتقصد إهلاكه وأذاه، فلولا أَن الله سبحانه يدفع عنه لما سلم. هذا [وكم تتلقى] الروح فى تلك الغيبة من أَنواع الأَذى والمخاوف والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداءِ والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأَرواح، فمن الناس من يشعر [بذلك لرقة روحه ولطافتها ويجد آثار ذلك فيها] إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحى الذى ربما غلب حتى سرى إلى البدن، ومن الناس من تكون روحه أَغلظ وأكثف وأقسى من أن تشعر بذلك، فهى مثخنة بالجراح مزمنة بالأَمراض ولكن لنومها لا تحس بذلك.
هذا، وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها، وقد حفظه منه فهى فى أحجارها محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته، فمن ذا الذى كلأَه وحرسه وقد غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره، فلو جاءَه البلاءُ من أَى مكان جاءَ لم يشعر به، ولهذا ذكر سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال: ﴿مَن يَكْلأَكُمْ بِاللَّيْلِ وَالْنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢] .
فإذا تصور العبد ذلك فقال: "الْحَمْدُ للهِ" كان حمده أَبلغ وأَكمل من حمد الغافل عن ذلك، ثم تفكر فى أَن الذى أَعاده بعد هذه الإماتة حيًا سليمًا قادرًا على أَن يعيده بعد موتته الكبرى حيًا كما كان، ولهذا يقول بعدها: "وَإِلَيْهِ الْنُّشُورُ"، ثم يقول: "لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْحَمْدُ للهِ وسُبْحَانَ الله وَلا إِلَهَ إِلا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ" ثم يدعو ويتضرع، ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلى ما كتب الله [له] صلاة محب ناصح لمحبوبه متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه يرى من أَعظم نعم محبوبه عليه أَن أَقامه وأَنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهله وحرم غيره، فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أَن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره فى تلك الصلاة، فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصول محبوبه ذلك، فهو كما قيل:
يود أن ظلام الليل دام له وزيد فيه سواد القلب والبصر
فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه، العزيز الرحيم، ويناجيه بكلامه معطيًا
[ ٢١٠ ]
لكل آية حظها من العبودية، فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التى فيها الأَسماءُ والصفات، والآيات التى تعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإِحسانه إِليهم، وتطيب له السير آيات الرجاءِ والرحمة وسعة البر والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادى الذى يطيب له السير ويهونه [عليه]، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإِحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه.
فتأَمل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وبالجملة فيشاهد المتكلم سبحانه وقد تجلى فى كلامه ويعطى كل آية حظها من عبودية قلبه الخاصة الزائدة على نفس فهمها ومعرفة المراد منها، ثم شأْن آخر لو فطن له العبد لعلم أَنه كان قبل يلعب، كما قيل:
وكنت أَرى أن قد تناهى بى الهوى إِلى غاية ما بعدها لى مذهب
فلما تلاقينا وعاينت حسنها تيقنت أَنى إِنما كنت أَلعب
فوا أَسفاه وواحسرتاه، كيف ينقضى الزمان وينفد العمر والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، وخرج من الدنيا كما دخل إِليها وما ذاق أَطيب ما فيها، بل عاش فيها عيش البهائم وانتقل منها انتقال المفاليس، فكانت حياته عجزًا وموته كمدًا ومعاده حسرة وأسفًا.
اللَّهم [ولك] الحمد وإليك المستشكى، وأنت المستعان وبك المستغاث، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بك.
فصل
فإِذا صلى ما كتب الله جلس مطرقًا بين يدى ربه [تعالى] هيبة له وإِجلالًا، واستغفره استغفار من قد تيقن أَنه هالك إن لم يغفر له ويرحمه.
فإذا قضى من الاستغفار وطرا وكان عليه بعد ليل اضطجع على شقه الأَيمن مجمًا نفسه مريحًا لها مقويًا على أَداءِ وظيفة الفرض، فيستقبله نشيطًا بجده وهمته كأنه لم يزل طول ليلته لم يعمل شيئًا، فهو يريد أَن يستدرك ما فاته فى صلاة الفجر، فيصلى السُّنَّة ويبتهل إلى الله بينها وبين الفريضة، فإِن لذلك الوقت شأْنًا يعرفه من عرفه، ويكثر فيه من قول: "يَا حَى، يَا قَيُّوم، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ" فلهذا الذكر فى هذا الموطن تأثير عجيب، ثم ينهض إلى صلاة الصبح قاصدًا الصف الأول عن يمين الإِمام أو خلف قفاه، فإِن فاته ذلك قصد القرب منه مهما أمكن فإِن للقرب من الإِمام تأثيرًا فى سر الصلاة، ولهذا القرب تأْثير
[ ٢١١ ]
فى صلاة الفجر خاصة يعرفه من عرف قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْر إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] .
قيل: يشهد الله ﷿ وملائكته، وقيل: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فيتفق نزول هؤلاء البدل عند صعود أولئك فيجتمعون فى صلاة الفجر، وذلك لأنها هى أول ديوان النهار وآخر ديوان الليل فيشهده ملائكة الليل والنهار.
واحتج لهذا القول بما فى الصحيح من حديث الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "فَضْلُ صَلاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً"، ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر لقول أبى هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٨٧] رواه البخارى فى الصحيح.
قال أصحاب القول الأول: وهذا لا ينافى قولنا، وهو أن يكون الله سبحانه وملائكة الليل والنهار يشهدون قرآن الفجر، وليس المراد الشهادة العامة، فإن الله على كل شيء شهيد، بل المراد شهادة خاصة وهى شهادة حضور ودنوّ متصل بدنو الرب [تعالى] ونزوله إلى سماءِ الدنيا فى الشطر الأخير من الليل.
وقد روى الليث بن سعد: حدثنى زيادة بن محمد [عن محمد بن] كعب القرظى عن فضالة ابن عبيد الأنصارى عن أَبى الدرداء عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ ﷿ يَنْزِلُ فِى ثَلاثِ سَاعَاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَفْتَحُ الذِّكْرِ فِى السَّاعَةِ الأُولَى الَّذِى لَم يَرَهُ غَيْرَهُ فَيَمْحُو اللهُ مَا يَشَأُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِى السَّاعَةِ الثانية إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ وَهِى دَارُهُ الَّتِى لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَمْ تَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَهِى مَسْكَنُهُ لا يسكنها معه من بنى آدم غير ثلاث وهم النبيون والصديقون والشهداءُ، ثم يقول: طوبى لمن دخلك، ثم ينزل فى الساعة الثالثة إلى سماءِ الدنيا بروحه وملائكته فتنفض فيقول: قومى بعزتى، ثم يطلع إلى عباده فيقول: هل من مستغفر فأَغفر له؟ أَلا من سائل يسأَلنى فأعطيه" ألا [من] داع يدعونى فأُجيبه؟ حتى تكون صلاة الفجر.
ولذلك يقول الله ﷿: ﴿وَقُرْآن الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآن الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، يشهده الله ﷿ وملائكته ملائكة الليل والنهار".
ففى هذا الحديث أن النزول يدوم إلى صلاة الفجر، وعلى هذا فيكون شهود [الله] سبحانه لقرآن الفجر مع شهود ملائكة الليل والنهار له، وهذه خاصة بصلاة الصبح ليست لغيرها من [الصلوات]، وهذا لا ينافى دوام النزول فى سائر الأحاديث إلى طلوع الفجر ولا سيما وهو معلق فى بعضها على
[ ٢١٢ ]
انفجار الصبح، وهو اتساع ضوئه.
وفى لفظ: "حَتَّى يَضِيءَ الْفَجْرُ"، [فى] لفظ: "حَتَّى يَسْطَعَ الْفَجْر"، وذلك هو وقت قراءَة الفجر، وهذا دليل على استحباب تقديمها مع مواظبة النبى ﷺ وخلفائه الراشدين على تقديمها فى أول وقتها، فكان النبى ﷺ يقرأُ فيها بالستين إلى المائة ويطيل ركوعها وسجودها وينصرف منها والنساءُ لا يعرفن من الغلس، وهذا لا يكون إلا مع شدة التقديم فى أول الوقت لتقع القراءة فى وقت النزول فيحصل الشهود المخصوص، مع أنه قد جاء فى بعض الأحاديث مصرحًا به دوام ذلك إلى الانصراف من صلاة الصبح، رواه الدارقطنى فى كتاب "نزول الرب [تعالى] كل ليلة إلى سماءِ الدنيا" من حديث محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل الله ﷿ إلى سماءِ الدنيا لنصف الليل الآخر أو الثلث الآخر يقول: من ذا الذى يدعونى فأستجيب له؟ من ذا الذى يسألنى فأعطيه؟ من ذا الذى يستغفرنى فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر أو ينصرف القاريء من صلاة الصبح" رواه عن محمد جماعة: منهم سليمان بن بلال وإسماعيل بن جعفر والدراوردى وحفص بن غياث ويزيد بن هارون وعبد الوهاب بن عطاء ومحمد بن جعفر والنضر بن شميل كلهم قال: "أو ينصرف القاريء من صلاة الفجر"، فإن كانت هذه اللفظة محفوظة عن النبى ﷺ فهى صريحة فى المعنى كاشفة للمراد، وإن لم تكن محفوظة وكانت من شك الراوى هل قال هذا أو هذا، فقد قدمنا أنه لا منافاة بين اللفظين.
وأن حديث الليث بن سعد عن محمد بن زياد يدل على دوام النزول إلى وقت صلاة الفجر، وأن تعليقه بالطلوع لكونه أول الوقت الذى يكون فيه الصعود، كما رواه يونس بن أبى إسحق عن أبيه عن الأغر أبى مسلم قال: شهدت على النبى ﷺ أنه قال: "إِنَّ الله ﷿ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْل هَبَط إِلَى هَذِهِ السَّمَاءِ ثُمَّ أمَرَ بِأَبْوَابِ السَّمَاءِ فَفُتِحَتْ ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأَعْطِيَهُ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأُجِيبُهُ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغِيثٍ أَغِيثُهُ؟ هَلْ مِن مُضْطَّرٍ أَكشِفُ عَنْهُ؟ فَلا يَزَالُ ذَلِكَ مَكَانَهُ حَتَّى يَطَلَعَ الٌفَجْرُ فِى كُلِّ لَيْلَة مِنَ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟ ". قال الدارقطنى: فزاد فيه يونس بن أبى إسحق زيادة حسنة. والمقصود ذكر القرب من الإمام فى صلاة الفجر وتقديمها فى أول وقتها. والله أعلم.
[ ٢١٣ ]
فصل
فإذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بكليته على ذكر الله والتوجه إليه بالأذكار التى شرعت أول النهار فيجعلها وردًا له لا يخل بها أبدًا، ثم يزيد عليها ما شاءَ من الأذكار الفاضلة أو قراءة القرآن حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت فإن شاءَ ركع ركعتى الضحى وزاد ما شاءَ، وإن شاءَ قام من غير ركوع ثم يذهب متضرعًا إلى ربه سائلًا له أن يكون ضامنًا عليه متصرفًا فى مرضاته بقية يومه، فلا ينقلب إلا فى شيء يظهر له فيه مرضاة ربه، وإن كان من الأفعال العادية الطبيعية قلبه عبادة بالنية وقصد الاستعانة به على مرضاة الرب.
وبالجملة فيقف عند أول الداعى إلى فعله، فيفتش [ويستخرج منه منفدأ ومسلكًا يسلك به فينقلب] فى حقه عبادة وقربة، وشتان كم بين هذا وبين من إذا عرض له أمر من أوامر الرب لا بد له من فعله وفتش فيه على مراد لنفسه وغرض لطبعه، ففعلة لأجل ذلك وجعل الأمر طريقًا له ومنفذًا لمقصده، فسبحان من فاوت بين النفوس إلى هذا الحد والغاية، فهذا عباداته عادات، والأول عاداته عبادات.
فإذا جاءَ فرض الظهر بادر إليه مكملًا له ناصحًا فيه لمعبوده كنصح المحب الصادق المحبة لمحبوبه الذى قد طلب منه أن يعمل له شيئًا ما، فهو لا يبقى مجهودًا، بل يبذل مقدوره كله فى تحسينه وتزيينه وإصلاحه وإكماله ليقع موقعًا من محبوبه فينال به رضاه عنه وقربه منه.
أفلا يستحى العبد من ربه ومولاه ومعبوده أن لا يكون فى عمله هكذا، وهو يرى المحبين فى أشغال محبوبيهم من الخلق كيف يجتهدون [فى إيقاعها] على أحسن وجه وأكمله، بل هو يجد من نفسه ذلك مع من يحبه من الخلق، فلا أقل من أن يكون مع ربه بهذه المنزلة، ومن أنصف نفسه وعرف أعماله استحى من الله أن يواجهه بعمله أو يرضاه لربه وهو يعلم من نفسه أنه لو عمل لمحبوب له من الناس لبذل فيه نصحه ولم يدع من حسنه شيئًا إلا فعله.
وبالجملة فهذا حال هذا العبد مع ربه فى جميع أعماله، فهو يعلم أنه لا يوفى هذا المقام حقه، فهو أبدًا [يستغفر الله عقيب كل عمل وكان النبى ﷺ] إذا سلم من الصلاة استغفر الله ثلاثًا، وقال تعالى: ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨] .
قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا يستغفرون ربهم. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، فأمر
[ ٢١٤ ]
سبحانه بالاستغفار بعد الوقوف بعرفة والمزدلفة، وشرع للمتوضيء أن يقول بعد وضوئه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِى مِنَ المُتَطَهِّرِين"، فهذه توبة بعد الوضوءِ، وتوبة بعد الحج، وتوبة بعد الصلاة وتوبة بعد قيام الليل. فصاحب هذا المقام مضطر إلى التوبة والاستغفار كما تبين، فهو لا يزال مستغفرًا تائبًا، وكلما كثرت طاعاته كثرت توبته واستغفاره.
فصل
وجماع الأمر فى ذلك إنما هو بتكميل عبودية الله [﷿] فى الظاهر والباطن، فتكون حركات نفسه وجسمه كلها فى محبوبات الله، وكمال عبودية العبد موافقته لربه فى محبته ما أَحبه، وبذل الجهد فى فعله وموافقته فى كراهة ما كرهه وبذل الجهد فى تركه، وهذا إنما يكون للنفس المطمئنة، لا للأَمَّارة ولا للَّوامة.
فهذا كمال من جهة الإرادة والعمل، وأما من جهة العلم والمعرفة فأن تكون بصيرته منفتحة فى معرفة الأَسماءِ والصفات والأفعال، له شهود خاص فيها مطابق لما جاءَ به الرسول ﷺ لا مخالف له، [فإنه] بحسب مخالفته له فى ذلك يقع الانحراف ويكون [مع] ذلك قائمًا بأحكام العبودية الخاصة التى تقتضيها كل صفة بخصوصها، وهذا سلوك الأكياس الذين هم خلاصة العالم، والسالكون على هذا الدرب أفراد من العالم، طريق سهل قريب موصل، طريق آمن أَكثر السالكين فى غفلة عنه، ولكن يستدعى رسوخًا فى العلم ومعرفة تامة به وإِقدامًا على رد الباطل المخالف له ولو قاله من قاله، وليس عند أكثر الناس سوى رسوم تلقوها عن قوم معظمين عندهم، ثم لإحسان ظنهم بهم قد وقفوا عند أقوالهم ولم يتجاوزوها [إلى غيرها] فصارت حجابًا لهم وأَى حجاب.
فمن فتح الله عليه بصيرة قلبه وإِيمانه حتى خرقها وجاوزها إلى مقتضى الوحى والفطرة والعقل، فقد أُوتىخيرًا كثيرًا ولا يخاف عليه إِلا من ضعف همته، فإِذا انضاف إلى ذلك الفتح همة عالية فذاك السابق حقًا، واحد الناس بزمانه، لا يلحق شأْوه ولا يشق غباره فشتان ما بين من يتلقى أَحواله ووارداته عن الأَسماء والصفات وبين من يتلقاها عن الأوضاع الاصطلاحية والرسوم أو عن مجرد ذوقه ووجده، إِذا استحسن شيئًا قال هذا هو الحق، فالسير إلى الله من طريق الأَسماءِ والصفات شأْنه عجب، وفتحه عجب صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه غير تعب ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه ولا مشرد عن سكنه:
[ ٢١٥ ]
﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِى تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب﴾ [النمل:٨٨] . وليس العجب من سائر فى ليله ونهاره وهو فى الثرى لم يبرح من مكانه، وإنما العجب من ساكن لا يرى عليه أَثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز، فسائر قد ركبته نفسه فهو حاملها سائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها خطوة إلى أَمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه، فهو معها فى جهد وهى معه كذلك، وسائر قد ركب نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاءَ وأَين شاءَ لا تلتوى عليه ولا تنجذب ولا تهرب منه، بل هى معه كالأسير الضعيف فى يد مالكه وآسره وكالدابة الريضة المنقادة فى يد سائسها وراكبها، فهى منقادة معه حيث قادها، فإِذا رام التقدم جمزت به وأَسرعت، فإذا أَرسلها سارت به وجرت فى الحلبة إلى الغاية ولا يردها شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها، ليس كالذى نزل عنها فهو يجرها بلجامها ويشحطها ولا تنشحط، فشتان ما بين المسافرين فتأَمل هذا المثل فإِنه مطابق لحال السائرين المذكورين، والله يختص برحمته من يشاءُ.
فصل
ومن شأْن القوم أَن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذى يخالف تدبير [ربهم] تعالى واختياره، بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله، فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره، لتيقنهم أَنه الملك القاهر القابض على نواصى الخلق المتولى [لتدبير] أَمر العالم كله، وتيقنهم مع ذلك أَنه الحكيم فى أَفعاله الذى لا تخرج أَفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة، فلم يدخلوا أَنفسهم معه فى تدبيره لملكه وتصريفه أُمور عباده بلو كان كذا وكذا، ولا بعسى ولعل ولا بليت، بل ربهم [تعالى] أَجل وأَعظم فى قلوبهم من أَن يعترضوا عليه أَو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه، وهم أَعلم به وأعرف بأسمائه وصفاته من أَن يتهموه فى تدبيره أَو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله، بل هو ناظر بعين قلبه إلى باريء الأَشياء وفاطرها، ناظر إلى إتقان صنعه، مشاهد لحكمته فيه وإن لم يخرج ذلك على مكاييل عقول البشر وعوائدهم ومألوفاتهم.
قال بعض السلف: لو قرض جسمى بالمقاريض أَحب إِلى من أن أقول لشيء قضاه الله: ليته لم يقضه.
وقال آخر: أَذنبت ذنبًا أبكى عليه منذ ثلاثين سنة. وكان قد اجتهد فى العبادة قيل له: ما هو؟ قال: قلت مرة لشيء كان: ليته لم يكن. وبعض العارفين يجعل عيب المخلوقات
[ ٢١٦ ]
وتنقيصها بمنزلة العيب لصانعها وخالقها، لأنها صنعه وأَثر حكمته، وهو سبحانه أحسن كل شيء فى خلقه وأَتقن كل شيء وهو أحكم الحاكمين وأَحسن الخالقين، له فى كل شيء حكمة بالغة وفى كل مصنوع صنع متقن، والرجل إذا عاب صنعة [رجل آخر وذمها سرى ذلك إلى صانعها فمن عاب صنعة] الرب سبحانه بلا إذنه سرى ذلك إلى الصانع، لأنه كذلك صنعها عن حكمته أظهرها، إذ كانت الصنعة مجبولة لم تصنع نفسها ولا صنع لها فى خلقها.
[والعارف] لا يعيب إلا ما عابه الله ولا يذم إلا ما ذمه، وإذا سبق إلى قلبه ولسانه عيب ما لم يعبه الله وذم ما لم يذمه الله تاب إلى الله منه كما يتوب صاحب الذنب من ذنبه فإنه يستحى من الله أن يكون فى داره وهو يعيب آلات تلك الدار وما فيها، فهو يرى نفسه بمنزلة رجل دخل إلى دار ملك من الملوك ورأَى ما فيها من الآلات والبناء والترتيب، فأَقبل يعيب منها بعضها ويذمه ويقول: لو كان كذا بدل كذا لكان خيرًا، ولو كان هذا فى مكان هذا لكان أَولى وشاهد الملكَ يولى ويعزل ويحرم ويعطى فجعل يقول: لو ولى هذا مكان فلان كان خيرًا، ولو عزل هذا المتولى لكان أَولى، ولو عوفى هذا.. ولو أَغنى هذا.. فكيف يكون مقت الملك لهذا المعترض وإخراجه له من قربه؟ وكذلك لو أضافه صاحب له فقدم إليه طعامًا فجعل يعيب صفته ويذمه، أَكان ذلك يهون على صاحب الطعام؟ قالت عائشة: "مَا عَابَ رَسُولُ الله ﷺ طعامًا قط، إِن اشتهى شيئًا أَكله وإِلا تركه ".
والمقصود أن من شأْن القوم ترك الاهتمام بالتدبير والاختيار، بل همهم كله فى إقامة حقه عليهم، وأَما التدبير العام والخاص فقد سلموه لولى الأَمر كله ومالكه الفعال لما يريد.
ولعلك تقول: من ذا الذى ينازع الله فى تدبيره؟ فانظر إلى نفسك- فى عجزها وضعفها وجهلها- كيف هى [عرضة] للمنازعة منازعة جاهل عاجز ضعيف لو قدر لظهرت منه العجائب، فسبحان من أَذله بعجزه وضعفه وجهله، وأَراه العبر فى نفسه لو كان ذا بصر: كيف هو عاجز القدرة، جبار الإرادة، عبد مربوب، مدبر مملوك ليس له من الأَمر شيء، وهو مع ذلك ينازع الله ربوبيته وحكمته وتدبيره، لا يرضى بما رضى الله به، ولا يسكن عند مجارى أَقداره، بل هو عبد ضعيف مسكين يتعاطى الربوبية، فقير مسكين فى مجموع حالاته، ويرى نفسه غنيًا، جاهل ظالم ويرى نفسه عارفًا محسنًا، فما أجهله بنفسه وبربه،
[ ٢١٧ ]
وما أتركه لحقه [وأَشده] إضاعته لحظه، ولو أَحضر رشده لرأَى ناصيته ونواصى الخلائق بيد الله ﷾ يحفظها ويرفعها كيف [شاء] وقلوبهم بيده سبحانه وفى قبضته يقلبها كيف يشاءُ، يزيغ منها من يشاءُ ويقيم من يشاءُ، ولكان هذا غالبًا على شهود قلبه فيغيب به عن مشيئاته وإرادته واختياره، ولعرف أَن التدبير والركون إلى حول العبد وقوته من الجهل بنفسه وبربه، فينفى العلمُ بالله الْجهلَ عن قلبه، فتمحى منه الإرادات والمشيئات والتدبيرات، ويفوضها إلى مالك القلوب والنواصى، فصير بذلك عبدًا لربه تقلبه يد القدرة، ويصير ابن وقته لا ينتظر وقتًا آخر يدبر [نفسه فيه]، لأن ذلك الوقت بيد موقته، فيرى نفسه بمنزلة الميت فى قبره ينتظر ما يفعل به، مستسلم لله منقطع المشيئة والاختيار.
هذا ما يجرى على أحدهم من فعل الله وحكمه وقضائه الكونى، فإذا جاءَ الأَمر جاءت الإِرادة والاختيار [السعى والجد] واستفراغ الفكر وبذل الجهد، فهو قوى حى فعال يشاهد عبودية مولاه فى أَمره، فهو متحرك فيها بظاهره وباطنه قد أَخرج مقدوره من القوة إلى الفعل، وهو مع ذلك مستعين بربه قائم بحوله وقوته ملاحظ لضعفه وعجزه قد تحقق بمعنى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فهو ناظر بقلبه إِلى مولاه الذى حركه، مستعين به فى أَن يوفقه لما يحبه ويرضاه، عينه فى كل لحظة شاخصة إلى حقه المتوجه عليه لربه ليؤديه فى وقته على أَكمل أحواله، فإِذا وردت عليهم أَقداره التى تصيبهم بغير اختيارهم قابلوها بمقتضاها من العبودية، وهم فيها على مراتب ثلاثة:
إحداها: الرضا عنه فيها والمزيد من حبه والشوق إليه، وهذا نشأَ من مشاهدتهم للطفه فيها وبره وإِحسانه العاجل والآجل، ومن مشاهدتهم حكمته فيها ونصبها سببًا لمصالحهم، وشوقهم بها إلى حبه ورضوانه، ولهم من ذلك مشاهد أُخر لا تسعها العبارة وهى فتح من الله على العبد لا يبلغه علمه ولا عمله.
المرتبة الثانية: شكره عليها كشكره على النعم وهذا فوق الرضا عنه بها ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة، فهذه مرتبتان لأَهل هذا الشأْن.
والثالثة: للمقتصدين وهى مرتبة الصبر التى إذا نزل منها نزل إلى نقصان الإيمان وفواته من التسخط والتشكى، واستبطاءِ الفرج، واليأْس من الروح والجزع الذى لا يفيد إلا فوات الأَجر وتضاعف المصيبة.
فالصبر أول منازل الإيمان ودرجاته وأوسطها وآخرها، فإن صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبر فى مرتبته، بل الصبر
[ ٢١٨ ]
معه وبه يتحقق الرضا والشكر، [و] لا تصور ولا تحقق لهما دونه، وهكذا كل مقام مع الذى فوقه، كالتوكل مع الرضا، وكالخوف والرجاء مع الحب، فإِن المقام لا ينعدم بالترقى إلى الآخر ولو عدم لخلفه ضده، وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة، وإِنما يندرج حكمه فى المقام الذى أَعلى منه فيصير الحكم له كما يندرج مقام [المتوكل] فى مقام المحبة والرضا، وليس هذا كمنازل سير الأَبدان الذى إذا قطع منها منزلًا خلفه وراءَ ظهره واستقبل المنزل الآخر معرضًا عن الأَول بارتحاله، بل هذا كمنزلة التاجر الذى كلما باع شيئًا من ماله وربح فيه، ثم باع الثانى وربح فقد ربح بهما معًا، وهكذا أبدًا يكون ربحه فى كل صفقة متضاعفًا بانضمامه إلى ما قبله، فالربح الأول اندرج فى الثانى ولم يعدم.
فتأمل هذا الموضع واعطه حقه يزل عنك ما يعرض من الغلط فى علل المقامات وتعلم أَن دعوى المدعى أَنها من منازل العوام ودعوى أنها معلولة غلط من وجهين، أَحدهما: أَن أَعلى المقامات مقرون بأَدناها مصاحب له كما تقدم، متضمن له تضمن الكل لجزئه، أَو مستلزم له استلزام الملزوم للازمه لا ينفك عنه أبدًا، ولكن لاندراجه فيه وانطواءِ حكمه تحته يصير المشهد والحكم للعالى.
الوجه الثانى: أن تلك المقامات والمنازل إِنما [تكون فى] منازل العوام وتعرض لها العلل بحسب متعلقاتها وغاياتها، فإِن كان متعلقها وغاياتها بريئًا من شوائب العلل وهو أجلّ متعلق وأَعظمه فلا علة فيها بحال، وهى من منازل الخواص [حينئذ وإن كان متعلقًا خطأً للعبد أو أمرًا موشبًا بخطه فهى معلولة] من جهة تعلقها بحظه ولنذكر لذلك أمثلة
المثال الأول: الإِرادة، فإن الله جعلها من منازل صفوة عباده، وأَمر رسوله أن يصبر نفسه مع أَهلها فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجزِى إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله﴾ [الليل ١٩-٢٠]، وقال حكاية عن أوليائه قولهم: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ﴾ [الإنسان: ٩]، وهى لام التعليل الداخلة على الغايات المرادة، وهى كثيرة فى القرآن، فقالت طائفة: الإرادة حلية العوام، وهى تجريد القصد، وجزم النية، والجد فى الطلب، وذلك
[ ٢١٩ ]
غيره فى طريق الخواص: [نقص و] تفرق، ورجوع إلى النفس.
فإن إرادة العبد عين حظه وهو رأْس الدعوى، وإِنما الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس:١٠٧]، فيكون مراده ما يراد به واختياره ما اختير له، إِذ لا إِرادة للعبد مع سيده ولا نظر، كما قال:
أُريد وصاله ويريد هجرى فأَترك ما أُريد لما يريد
ومن هذا قول أبى [يزيد]: قيل لى ما تريد؟ قلت أريد أن لا أريد، لأنى أنا المراد وأنت المريد.
فيقال ليس المراد من "العوام" فى كلامهم العامة الجهال، وإِنما مرادهم بهذه اللفظة عموم السالكين، دون أَهل الخصوص الواصلين منازل [إلى] الفناءِ وعين الجمع. وإذا عرف هذا فالكلام على ما ذكر فى الإرادة من وجه:
أحدها: أَن الإِرادة هى مركب العبودية، وأَساس بنائها الذى لا تقوم إلا عليه، فلا عبودية لمن لا إِرادة له، بل أَكمل الخلق أكملهم عبودية ومحبة وأصحهم حالًا وأقومهم معرفة وأتمهم إِرادة، فكيف يقال: إنها حلية العوام أو من منازل العوام.
الوجه الثانى: أنه يلزم من هذا أن تكون المحبة من منازل العوام، وتكون معلولة أيضًا لأنها إرادة تامة للمحبوب ووجود المحبة بلا إرادة كوجود الإنسانية من غير حيوانية وكوجود مقام الإحسان بدون الإيمان [والإسلام]، فإذا كانت الإرادة معلولة وهى من منازل العوام لزم أن تكون المحبة كذلك.
فإِن قيل: المحبة التى لا علة فيها هى تجرد المحب عن الإرادة وفناؤه بإرادة محبوبه عن إرادته، قيل: هذا هو حقيقة الإِرادة أَن يبقى مراده مراد محبوبه، فلو لم يكن مريدًا لمراد محبوبه لم يكن موافقًا له فى الإرادة.
والمحبة هى موافقة المحبوب فى إرادته فعاد الأمر إلى ما أشرنا إليه أن المعلول من ذلك ما تعلق بحظ المريد دون محبوبه، فإذا صارت إرادته موافقة لإرادة محبوبه لم تكن تلك الإرادة من منازل العوام ولا معلولة، بل هذه أشرف منازل الخواص وغاية مطالبهم، وليس وراءَها إلا التجرد عن كل إرادة والفناء بشهوده عن إرادة ما يريد، وهذا هو الذى يشير إليه السالكون إلى منازل الفناء ويجعلونه غاية الغايات، وهذا عند أهل الكمال نقص وتغيير فى وجه المحبة وهضم لجانب العبودية وفناء بحظ المحب من مشاهدته
[ ٢٢٠ ]
جمال محبوبه وفنائه فيه عن حق المحبوب ومراده، فهو الوقوف مع نفس الحظ والهروب عن حق المحبوب ومراده، وهل مثل هذا إلا كمثل رجلين ادعيا محبة ملك فحضرا بين يديه فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أُريد أَن لا أُريد شيئًا بل أَفنى عن إِرادتى وأَكون أنا المراد وأنت تريد بى ما تشاءُ.
وقال الآخر: [بل] أُريد أن أُنفق أَنفاسى وذراتى فى محابك ومرضاتك منفذًا لأَوامرك مشمرًا فى طاعتك: أَتوجه حيث توجهين وأفعل ما تأْمرنى، هذا الذى أريده.
فقال للآخر: وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا، فإنى سأبعثكما فى أشغالى ومهماتى، فأما أحدهما فقال: لا حظ لى سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك، وقال الآخر: لا أُريد إلا مشاهدتك والنظر إليك والفناء فيك، فهل يكونان فى نظره سواءٌ، وهل تستوى منزلتهما عنده؟ ولو أَنعموا النظر لعلموا أن صاحب الفناءِ هو طالب [الحظ] الواقف معه، وأن الآخر وإن لم ينسلخ من الحظ ولكن حظه مراد المحبوب منه لا مراده هو من المحبوب، وبين الأَمرين من الفرق كما بين الأرض والسماءِ.
فالعجب ممن يفضل صاحب الحظ الذى يريده من محبوبه على من صار حظه مراد محبوبه منه، بل الفناء الكامل أن يفنى بإِرادته عن إِرادة [ما] سواه وبحبه عن حب ما سواه وبرجائه عن رجاءِ ما سواه وبخشيته عن خشية ما سواه وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، ليس أن تفنى بحظك منه عن مراده منك. وهذا موضع يشتبه علمًا وحالًا وذوقًا إلا على من فتح الله عليه بفرقان بين هذا وهذا.
الوجه الثالث: أن الإرادة إنما تكون ناقصة بحسب نقصان المراد، فإذا كان مرادها أشرف [المراد] فإرادته أشرف الإرادات، ثم إذا كانت الوسيلة إليه أجل الوسائل وأنفعها وأكملها فإرادتها كذلك، فلا تخرج إرادته عن إرادة أشرف الغايات وإرادة أقرب الوسائل إليه وأنفعها، فأى علة فى هذه الإرادة وأَى شيء فوقها للخواص؟
الوجه الرابع: أن نقصان الشيء يكون من وجهين، أحدهما: أن يوجب ضررًا، والثانى: أن تكون له ثمرة نافعة، لكن يشغل عما هو أَكمل منه، وكلاهما منتف عن الإرادة، فكيف تكون ناقصة معلولة؟ فإن قيل: لما كان الوقوف معها رجوعًا إلى النفس وتفرقًا ووقوفًا مع حظ المريد كانت ناقصة، قيل: هذا منشأْ الغلط.
وجوابه بالوجه الخامس: وهو أن يقال: قوله: "إن [الإرادة] تفرق"، فإن أردتم
[ ٢٢١ ]
بالتفرق شهود المريد لإرادته [لمرادته] ولعبوديته ولمعبوده ولمحبته ولمحبوبه فلم قلتم: إن هذا التفرق نقص؟ وهل هذا إلا عين الكمال، وهل تتم العبودية إلا بهذا؟ فإن من شهد عبوديته وغاب بها عن معبوده كان محبوبًا، ومن شهد المعبود وغاب به عن شهود عبوديته وقيامه بما أَمره به كان ناقص العبودية ضعيف الشهود، وهل الكمال إلا شهود المعبود مع شهود عبادته، فإِنها [عين] حقه ومراده ومحبوبه من عبده، فهل يكون شهود العبد لحق محبوبه ومراده منه وأَنه قائم به ممتثل له نقصًا، ويكون غيبته عن ذلك وإعرضه عنه وفناؤه عن شهوده كمالًا، وهل هذا إلا قلب للحقائق؟ فغاية صاحب هذا الحال والمقام أَن يكون معذورًا بضيق قلبه عن شهود هذا، وهذا إما لضعف المحل أو لغلبة الوارد وعجزه عن احتمال شيء آخر معه، [فأما] أن يكون هذا هو الكمال المطلوب والآخر نقص فكلا.
وأين مقام من يشهد عبوديته ومنة الله عليه فيها وتوفيقه لها وجعله محلًا وآلة [لها]- وهو ناظر مع ذلك إلى معبوده بقلبه، شاهدًا له، فانيًا عن شهود غيره فى عبوديته- من مقام من لا يتسع لهذا وهذا؟ وتأَمل حال أَكمل الخلق وأَفضلهم وأشدهم حبًا لله [ﷺ] كيف كان فى عبادته جامعًا بين الشهودين، حتى كان لا يغيب عن أَحوال المأْمومين فضلًا عن شهود عبادته، فكان يراعى أحوالهم وهو فى ذلك المقام بين يدى ربه سبحانه، فالكلمة من أُمته [عن] منهاجه وطريقته [فى ذلك] ﷺ، فالواجب التمييز بين المراتب وإعطاءُ كل ذى حق حقه، فقد جعل الله لكل شيء قدرًا.
وإِن أَردتم بالتفرق شتات القلب فى شعاب الحظوظ وأَودية الهوى، فهذه الإِرادة لا تستلزم شيئًا من ذلك، بل هى جمعية القلب على المحبوب وعلى محابه ومراداته، ومثل هذا التفرق هو عين البقاءِ ومحض العبودية ونفس الكمال، وما عداه فمحض حظ العبد لا حق محبوبه.
الوجه السادس: أن قوله: "إن الإرادة رجوع إلى النفس، وإن إِرادة العبد عين حظه" كلام فيه إجمال وتفصيل، فيقال: ما تريدون بقولكم: "إن الإِرادة رجوع إلى النفس"؟ أَتريدون أنها رجوع عن إرادة الرب وإرادة محابه إلى إرادة النفس وحظوظها، أم تريدون أنها رجوع إلى إرادة النفس لربها ولمرضاته؟ فإِن أَردتم الأول علم أن هذه الإرادة معلولة ناقصة فاسدة، ولكن ليست هذه الإرادة التى نتكلم فيها.
وإن أردتم المعنى الثانى فهو عين الكمال، وإنما النقصان خلافه.
[ ٢٢٢ ]
الوجه السابع: أن قولكم: "إن هذه الإرادة عين حظ العبد" قلنا: نعم وهى أكبر حظ له وأجله وأعظمه، وهل للعبد حظ أشرف من أن يكون الله وحده إِلهه ومعبوده ومحبوبه ومراده؟ فهذا هو الحظ الأَوفر والسعادة العظمى، ولكن لم قلتم: "إن اشتغال العبد بهذا الحظ نقص [فى] حقه"، وهل فوق هذا كمال فيطلبه العبد؟ ثم يقال: لو كان فوقه شيء أكمل منه لكان اشتغال العبد به وطلبه إياه اشتغالًا بحظه أيضًا، فيكون ناقصًا، فأَين الكمال؟ فإِن قلتم: فى تركه حظوظه كلها، قيل لكم: وتركه هذا الحظ أيضًا هو من حظوظه، فإِنه [لا] يبقى معطلًا فارغًا خاو من الإرادة أصلًا، بل لا بد له من إرادة ومراد، وكل إِرادة [عندكم] رجوع إلى الحظ، فأَى [شيء إشتغل] به وبإِرادته كان وقوفًا عن حظه، فيالله العجب متى يكون عبدًا محضًا خالصًا لربه؟
يوضح هذا الوجه الثامن: أن الحى لا ينفك عن الإرادة ما دام شاعرًا بنفسه، وإِنما ينفك عنها إِذا غاب عنه شعوره بعارض من العوارض، فالإرادة من لوازم الحياة فدعوى أَن الكمال فى التجرد عنها دعوى باطلة مستحيلة طبعًا وحسًا، بل الكمال فى التجرد عن الإِرادة التى تزحم مراد المحبوب، لا عن الإرادة التى توافق مراده.
الوجه التاسع: قوله: "الجمع والوجود فيما يراد بالعبد لا فيما يريد إلخ" فيقال: هذا على نوعين، أحدهما: ما يراد بالعبد من المقدور الذى يجرى عليه بغير اختياره كالفقر والغنى والصحة والمرض والحياة والموت وغير ذلك، فهذا، لا ريب أن الكمال فناء العبد فيه عن إِرادته، ووقوفه مع ما يراد به لا يكون له إِرادة تزاحم إرادة الله منه، كحال الثلاثة الذين قال أحدهم: أَنا أُحب الموت للقاءِ الله، وقال الآخر: أُحب البقاءَ لطاعته وعبادته، فقال الثالث: غلطتما، ولكن أَنا أُحب من ذلك ما يحب، فإن كان يحب إماتتى أَحببت الموت، وإن كان يحب حياتى أحببت الحياة، فأَنا أُحب ما يحبه من الحياة والموت.
فهذا أَكمل [منهما] وأصح حالًا فيما يراد بالعبد والنوع الثانى ما يراد من العبد من الأَوامر والقربات، فهذا ليس الكمال إلا فى إرادته، وإِن فرقته فهو مجموع فى تفرقته متفرق فى جمعيته، وهذا حال [الكُمّل] من الناس: متفرق الإِرادة فى الأَمر، مجتمع على الأَمر- فهو مجموع عليه متفرق فيه- ولا يكون فعل المرادات المختلفة بإرادة واحدة بالعين، وإنما غايتها أن تكون هنا إرادتان: إحداهما إرادة واحدة للمراد
[ ٢٢٣ ]
والثانية: إرادات متفرقة لحقه ومحابه وما أَمر به فهى، وإن تعددت وتكثرت فمرجعها إلى مراد واحد بإرادة [واحدة] كلية وكل فعل منها له إرادة جزئية محضة.
الوجه العاشر: أن قول أبى يزيد: "أُريد أن لا أُريد" تناقض بيِّن، فإنه قد أَراد عدم الإرادة. فإذا قال: "أُريد أَن لا أُريد" يقال له: فقد أَردت، وأَحسن من هذا أَن يكون الجواب: أُريد ما يريد لا ما أُريد، وإذا كان لا بد من إِرادة ففرق بين الإِرادتين: إِرادة سلب الإِرادة، وإِرادة موافقة المحبوب فى مراده. والله أعلم.
الوجه الحادى عشر: أَنه فسر الإِرادة بتجريد القصد وجزم النية، والجد فى الطلب. وهذا هو عين كمال [العبد] وهو متضمن للصدق والإخلاص والقيام بالعبودية، فأَى نقص فى تجريد القصد وهو تخليصه من كل شائبة نفسانية أَو طبيعية وتجريده لمراد المحبوب وحده، والجد فى طلبه وطلب مرضاته وجزم النية وهو أَن لا يعتريها وقفة ولا تأْخير، وهذا الأَمر هو غاية منازل الصديقين، وصديقية العبد بحسب رسوخه فى هذا المقام، وكلما ازداد قربه وعلا مقامه قوى عزمه وتجرد صدقه، فالصادق لا نهاية لطلبه ولا فتور لقصده، بل قصده أَتم وطلبه أكمل ونيته. قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيكَ الْيَقِينْ﴾ [الحجر:٩٩]، واليقين هنا الموت باتفاق [أهل] الإسلام، فجاء ﷺ إذ جاءه وإرادته وقصده ونيته فى الذروة العليا ونهاية كمالها وتمامها، فأين العلة فى هذه الإرادة؟ ولكن العلة والنقص فى الإِرادة التى يكون مصدرها النفس والهوى، وغايتها نيل حظ المريد من محبوبه، وإن كان المحبوب يريد ذلك لكن غيره أحب إليه منه، وهو أن يكون مراده محض حق محبوبه وحصول مرضاته، فانيًا عن حظه هو من محبوبه، بل قد صار حظه منه نفس حقه ومراده، فهذه هى الإِرادة والمحبة التى لا عِلَّة فيها ولا نقص.
نسأل الله تعالى أَن يمن علينا ويحيينا ولو بنفس منها، كما منّ بتعليمها ومعرفتها إِنه جواد كريم.
الوجه الثانى عشر: أَنه قال بعد هذا: "فصحة الإِرادة بذل الوسع واستفراغ الطاقة مع ترك الاختيار والسكون إِلى مجارى الأَقدار، فيكون كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاءُ فأَين هذا من قوله: "وذلك فى طريق الخواص نقص وتفرق"، وهل
[ ٢٢٤ ]
يكون بذل الوسع واستفراغ الطاقة إِلا مع تمام الإِرادة؟ وإِنما الذى يفرض له النقص من الإِرادة نوعان: أَحدهما إِرادة مصدرها طلب الحظ، والثانى اختياره فيما يفعل به بغير اختياره.
فعن هاتين الإِرادتين ينبغى الفناء، وفيهما يكون النقص، فالكمال ترك الاختيار فيهما، والسكون إلى مراد المحبوب وحقه فى الأُولى، وإِلى مجارى أَقداره وحكمه فى الثانية، فيكون فى الأُولى حيًا فعالًا منازعًا لقواطعه عن مراد محبوبه، وفى الثانية كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاءُ.
وبهذا التفصيل ينكشف سر هذه المسأَلة، ويحصل التمييز بين محض العبودية وحظ النفس. والله الموفق للصواب.
فصل
المثال الثانى: الزهد. قال أَبو العباس [﵀]: "هو للعوام أيضًا، لأَنه حبس النفس عن الملذوذات، وإمساكها عن فضول الشهوات، ومخالفة دواعى الهوى، وترك ما لا يغنى من الأشياء وهذا نقص فى طريق الخاصة، لأَنه تعظيم للدنيا واحتباس عن انتقادها، وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك، وتضييع الوقت فى منازعة نفسك [وشهود] جنسك وبقائك معك، ألا ترى إلى من أَعطاه الله الدنيا بحذافيرها، كيف قال: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة ص: ٣٩]، وذلك حيث عافى باطنه من شهودها، وظاهره من التعلق بها.
فالزهد صرف الرغبة إِليه وتعلق الهمة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه، ليتولى هو حسم هذه الأَسباب عنك. كما قيل: إِن بعض المريدين سأَل بعض المشايخ فقال: أَيها الشيخ، بأَى شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة؟ فقال الشيخ: إِنى لا أَعرف إِبليس فأَحتاج إلى دفعه، نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله فكفانا ما دونه. وكما قال:
تسترت عن دهرى بظل جناحه فعينى ترى دهرى وليس يراني
فلو تسأَل الأَيام ما اسمى ما درت وأَين مكانى ما عرفن مكاني
فيقال: الكلام على هذا من وجوه:
إحداها: أَن جعل الزهد للعوام لما ذكره إِنما يتم إِذا كان الزهد ملزومًا لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعى الشهوة والهوى، وحينئذ فيكون قلبه مشغولًا بتلك الدواعى والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده يأْمره باجتنابها. ولا ريب أن فوق هذا مقامًا أعلى منه، وهو طمأْنينة نفسه وسكونها إِلى محبوبها وانجذاب دواعيها إِلى محابه ومرضاته، وهذا للخواص من المؤمنين.
ولكن هذه المنازعة غير
[ ٢٢٥ ]
لازمة للزهد، وإِن كان لا بد منها فى حكم الطبيعة لتحقق الابتلاءِ والامتحان، وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارًا له على هواه ونفسه.
الثانى: أَنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من لوازم الزهد لم يكن فيها نقص ولا علة، فإِنها من لوازم الطبيعة وأَحكام الجبلّة، وهى كالجوع والعطش والأَلم والتعب، فحبس النفس عن إجابة دواعيها إيثارًا لله ومرضاته عليها لا يكون نقصًا ولا مستلزمًا لنقص.
وقد اختلف أرباب السلوك [وأهل الطريق] هنا فى هذه المسألة، وهى أَيهما أفضل: من له داعية وشهوة وهو يحبسهما لله ولا يطيعهما حبًا له وحياءً [منه] وخوفًا، أو من لا داعية له تنازعه بل نفسه خالية من تلك الدواعى والشهوة، وقد اطمأنت إلى ربها واشتغلت به عن غيره، وامتلأت بحبه وإِرادته، فليس فيها موضع لإرادة غيره ولا حبه؟ فرجحت طائفة الأول وقالت: هذا يدل على قوة تعلقه وشدة محبته، فهو يعاصى دواعى الطبع والشهوة ويقهرها بسلطان محبته وإِرادته وخوفه من الله، وهذا يدل على تمكنه من نفسه وتمكن حاله مع الله وغلبة داعى الحق عنده على داعى الطبع والنفس.
قالوا: وأيضًا فله مزيد فى حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور داعى الفعل عنده، ومزيد مجاهدة عدوه الباطن ونفسه وهواه، كما يكون له مزيد مجاهدة عدوه الظاهر.
قالوا: والذوق والوجد يشهد لمزيده من الحب والأُنس والسرور والفرح بربه عند إيثاره على دواعى الهوى والنفس، والمطمئن الذى ليس فيه هذا الداعى ليس له مزيد من هذه الجهة، وإِن كان مزيده من جهة أُخرى فهى مشتركة بينهما، ويختص هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة.
قالوا: وأيضًا فهذا مبتلى بهذه الدواعى والإِرادات، [وذاك] معافى منها.
وقد جرت سُنَّة الله فى المؤمنين من عباده أَن يبتليهم على حسب إِيمانهم، فمن ازداد إِيمانه زيد فى بلائه كما ثبت عن النبى ﷺ أَنه قال: "يبتلى المرءُ على حسب دينه، فإِن كان فى دينه صلابة شدد عليه البلاءُ، وإِن كان فى دينه رقة خفف عنه البلاءُ".
والمراد بالدين هنا: الإيمان الذى يثبت عند نوازل البلاءِ، فإن المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاء. قالوا: فالبلاءُ بمخالفة دواعى النفس والطبع من أَشد البلاء، فإنه لا يصبر عليه الصدِّيقون.
وأما البلاء الذى يجرى على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها، فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان، بل يصبر عليه البر والفاجر لا سيما إِذا علم أَنه
[ ٢٢٦ ]
لا معول له إِلا الصبر، فإِنه إِن لم يصبر اختيارًا صبر اضطرارًا.
ولهذا كان بين ابتلاءِ يوسف الصديق [ﷺ] بما فعل به إِخوته من الأَذى والإِلقاءِ فى الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه، وابتلائه بمراودة المرأة [له] وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهى الداعية [له] إلى ذلك، فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاءِ، فإِن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحى من أَهله ومعارفه من قضاءِ وطره، فإِذا صار فى دار الغربة زال ذلك الاستحياءُ والاحتشام، وإِذا كان عزبًا كان أشد لشهوته، وإِذا كانت المرأة هى الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم، فإن كانت ذات منصب كان أقوى فى الشهوة، فإن كان ذلك فى دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإِن استوثقت بتغليق الأَبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضًا للطلب، فإِن كان الرجل مملوكها وهى كالحاكمة عليه الآمرة الناهية [له] كان أَبلغ فى الداعى، فإِذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأَ قلبها من حبه، [فهذا] الابتلاء الذى صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين.
ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأَول، بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده، إِذ كلاهما ابتلاءُ بمخالفة الطبع ودواعى النفس والشهوة ومفارقة حكم [الطبع]، وهذا بخلاف البلوى التى أصابت ذا النون. والتى أصابت أيوب [صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] .
قالوا: وأيضًا فإن هذه هى النكتة التى من أجلها كان صالح البشر أفضل من الملائكة لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب [و] دواعى [النفوس] والشهوات البشرية، فهى صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، [و] هى كالنفس للحى، وأَما عبادات البشر فمع منازعات النفوس وقمع الشهوات ومخالفة دواعى الطبع، فكانت أكمل، ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره، فمن لم يخلق له تلك الدواعى والشهوات فهو بمنزلة الملائكة، ومن خلقت له وأَعانه الله على دفعها وقهرها وعصيانها كان أَكمل وأفضل.
قالوا: وأيضًا فإن حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه.
قالوا: وكيف يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب.
قالوا: وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإِرادات قد ماتت دواعى طبعه وشهوته إذا عكف على محبوبه ومعبوده واطمأن إليه واجتمعت همته، [عليه] وإِنما العجب من قلب قد ابتلى [بما ابتلى] به من
[ ٢٢٧ ]
الهوى والشهوة ودواعى الطبيعة مع قوة سلطانها وغلبتها وضعفه وكثرة الجيوش التى تغير على قلبه كل وقت إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعى طبعه، فهو هارب إلى ربه من بين تلك الجيوش، وعاكف عليه فى تلك الزعازع والأَهوية التى تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة يتحمل منها لأجل محبوبه ما لا تتحمله الجبال الراسيات.
قالوا: وأيضًا فنهى النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأْثير خاص، وإنما يحصل إذا كان ثم ما ينهى عنه النفس.
قالوا: وأيضًا فالهوى عدو الإنسان، فإذا قهر عدوه وصار تحت قبضته وسلطانه كان أَقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره.
قالوا: ولهذا كان حالُ النبى ﷺ فى قهره قرينه حتى انقاد وأَسلم له فلم يكن يأْمره إلا بخير أكملَ من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفر منه وكان إذا سلك فجا سلك غير فجه.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفر منه، ومع هذا قد تفلت على النبى ﷺ وتعرض له وهو فى الصلاة وأَراد أن يقطع عليه الصلاة؟ ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى.
والجواب ما ذكرناه: أَن شيطان عمر كان يفر منه فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه، وأَما الشيطان الذى تعرض للنبى ﷺ فقد أخذه وأسره وجعله فى قبضته كالأَسير، وأَين من يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر بعدوه فيجعله فى أَسره وتحت يده وقبضته، فهذا ونحوه مما احتج به أَرباب هذا القول.
واحتج أَرباب القول الثانى- وهم الذين رجحوا من لا منازعة فى طباعه ولا هوى له يغالبه- بأَن قالوا: كيف تستوى النفس المطمئنة إلى ربها العاكفة على حبه التى لا منازعة فيها أصلًا ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه، والنفس المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها؟ قالوا: وأيضًا ففى الزمن الذى يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل من سيره وفاز بقرب فات صاحب المحاربة والمنازعة.
قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين فى طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره، والآخر سائر لم يعرض له قاطع، بل هو على جادة سيره، فإِن هذا يقطع من المسافة أَكثر مما يقطع الأَول ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه. قالوا: وأيضًا فإن للقلب قوة يسير
[ ٢٢٨ ]
بها، فإذا صرف تلك القوة فى دفع العوارض والدواعى القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفعها عن السير فى زمن المدافعة. قالوا: ولأَن المقصود بالقصد الأَول إنما هو السير إلى الله، والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أَولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة، قالوا: وأيضًا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هى من باب المرض، واجتماع القلب على الله وطمأْنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه، فكيف يكون القلب الذى [يعرض له مرض وهو مشغول بدوائه أفضل من القلب الصحيح] لا داءَ به ولا علة؟
قالوا: وأيضًا، فهذه الدواعى والميول والإرادات التى فى القلب تقتضى جذبه وتعويقه عن وجه سيره، وما فيه من داعى المحبة والإِيمان يقتضى جذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب، فإِن لم توقفه عوقته ولا بد، فأَين السير بلا معوق من السير مع المعوق؟ قالوا: وأَيضًا فالذى يسير العبد بإِذن ربه إِنما هو همته، والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات، كالطائر إذا علا وارتفع فى الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام، وإِنما تدرك هذه الأشياءُ للطائر إذا لم يكن عاليًا، فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر، وإِنما تلحق الآفات والدواعى والإِرادات الهمة النازلة، فأَما إِذا علت فلا تلحقها الآفات.
قالوا: وأَيضًا فالحس والوجود شاهد بأَن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب واجتمعت شئونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أَكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباءِ المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتوارى عنهم.
قالوا: فكم بين محب يجتاز على الرقباءِ فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع أحد منهم رأْسه إليه، وبين محب إِذا اجتاز بالرقباءِ هاشوا عليه كالزنابير أَو كالكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو جد فى الهرب منهم، فكيف يسوى هذا بهذا، أم كيف يفضل عليه مع هذا التباين؟
قالوا: وأيضًا فالمحبة الخالصة الصادقة حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وإِذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره، فإذا بقى فى القلب شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة، بل هى محبة مشوبة بغيرها، فالمحب الصادق ليس فى قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه، والآخر فى قلبه
[ ٢٢٩ ]
بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها.
قالوا: وأيضًا فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها وقبولها، فإذا صادفت القلب فارغًا خاليًا من العوارض والمنازعات ودواعى الطبع والهوى ملأَته على قدر فراغه، وإذا امتلأَ منها لم يبق لأضدادها وأعدائها فيه مسلك، وإذا صادفت فيه موضعًا مشغولًا بغيرهم من الأَغيار لم يساكن ذلك الموضع فيدخل الضد والعدو من تلك الثلمة، كما قال القائل:
لا كان من لسواك فيه بقية يجد السبيل بها إليه العذل
وقال:
ومهما بقى للصحو فيه بقية يجد نحوك اللاحى سبيلًا إلى العذل
قالوا: وأيضًا فدواعى الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إما جهل وإما ضعف، فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بآثارها وموجباتها، أَو يكون عالمًا بذلك، لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية، وما كان سببه جهلًا أو عجزًا لا يكون كمالًا ولا مستلزمًا لكمال، وأَما القلب الخالى منها ومن الاشتغال بدفعها فقلب شريف قوى علوى رفيع. قالوا: وأيضًا فهذه الإِرادات والدواعى لا تسير العبد، بل إما أن تنسكه إن أجابها، وإما أن تعوقه وتوقفه إن اشتغل بمدافعتها، وأَما إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنة بربها، فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهلة، فهو يسير رويدًا وقد سبق السعادة كما قيل:
من لى بمثل سيرك المذلل تمشى رويدًا وتجيء فى الأول
قالوا: وأيضًا فإن هذه الدواعى والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت صاحبها إلى حال السليم منها فيكون كماله فى تشبهه به وسيره معه، فكيف يكون أكمل ممن كماله إنما هو فى تشبهه به؟
قالوا: وأيضًا فالنفوس ثلاثة: أَمارة، ولوامة، ومطمئنة.
والنفس الأَمارة هى المطيعة لدواعى طباعها وشهواتها، فمبادئ كونها أمارة هى تلك الدواعى والإرادات فتستحكم فتصير عزمات، ثم توجب الأفعال. فمبدأُ صفة الذم فيها تلك الدواعى. وأما النفس المطمئنة فهى التى عدمت هذه المباديء فعدمت غاياتها، فكيف تكون مباديء النفس الأَمارة مما يوجب لها مزية على النفس المطمئنة؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضًا لقولها.
والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول، لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ
[ ٢٣٠ ]
الفرقة الأُخرى، فكأَنهما لم يتواردا على محل واحد، بل الفرقة الأُولى نظرت إلى نهاية سير المجاهد لنفسه وإِرادته وما ترتب له عليها من الأَحوال والمقامات فأَوجب لها شهود نهايته رجحانه فحكمت بترجيحه واستحلت بتفضيله، والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته فى شأْنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة فأَوجب لها شهود الأَمرين الحكم بترجيح القلب الخالى من تلك الدواعى ومجاهدتها، وكل واحدة من الطائفتين فقد أَدلت بحجج لا تمانع، وأَتت ببينات لا ترد ولا تدافع.
وفصل الخطاب فى هذه المسألة يظهر بمسأَلة يرتضع معها من لبانها ويخرج من مشكاتها.
وهى أن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ذنبه هل يعود إلى مثل ما كان؟ أو لا يعود، بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه وأنقص من رتبته؟ أو يعود خيرًا مما كان؟ فقالت طائفة: يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأُولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا محى أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأَنه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله. قالوا: ولأَن التوبة هى الرجوع إلى الله بعد الإباق منه، فإن المعصية إباق العبد من ربه، فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع، فلو لم يعد إلى حالته الأُولى مع الله لم تكن توبته تامة، والكلام إِنما هو فى التوبة النصوح.
قالوا: ولأن التوبة كما ترفع أثر الذنب فى الحال بالإقلاع عنه وفى المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره فى الماضى جملة، ومن أَثره فى الماضى انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده، فلابد من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة، وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله.
قالوا: ولأَنه لو بقى نازلًا من مرتبته منحطًا عن منزلته بعد التوبة كما كان قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت فى الماضى شيئًا، وإِن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف تأْثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأُولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التى وصل إليها، وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأْثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأْثير عن إِعادته إلى المنزلة الأولى.
قالوا: وأيضًا ربط [فالله سبحانه ربط] الجزاء بالأعمال ربط الأسباب بمسبباتها، فالجزاء من جنس العمل، فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعًا تامًا رجع الله عليه بمنزلته وحاله، بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع [الله] بقلبه إليه أولًا فرجع الله إليه وتاب عليه ثانيًا، فتوبة
[ ٢٣١ ]
العبد محفوفة بتوبتين من الله: توبة منه إذنًا وتمكينًا فتاب بها العبد، وتاب الله عليه قبولًا ورضى. فتوبة العبد بين توبتين من الله، وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب، فكيف يقال: إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر إلى حاله؟ قالوا: وأيضًا فإن التوبة من أجلِّ الطاعات وأوجبها على المؤمنين: وأعظمها عناءً عنهم، وهم إليها أحوج من كل شئ، وهى من أحب الطاعات إلى الله [سبحانه] فإنه يحب التوابين، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، وإذا كانت بهذه المثابة فالآتى بها آت بما هو أفضل القربات وأجل الطاعات، فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة فبالتوبة يحصل [له] مزيد تقدم وعلو درجة، فإن لم تكن درجته بعد التوبة أعلى فإنها لا تكون أنزل.
قالوا: وأيضًا فإنا إذا قابلنا بين جناية المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا الحاصل من التوبة [أرجح من الأثر الحاصل من المعصية والكلام إنما هو فى التوبة] النصوح الكاملة، وجانب [العدل ولهذا كان من جانب العدل آحاد بآحاد وجانب] الفضل أرجح من جانب الفضل آحاد بعشرات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته، وكذلك مصدرهما من الغضب والرحمة فإن رحمة الرب تغلب غضبه.
قالوا: وأيضًا فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفى وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما رجعت أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه فى حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملة فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل، وفى مثل هذا قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: أنه يعود خيرًا بالتوبة مما كان قبل التوبة واحتجوا لقولهم أيضًا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط فى حصولها، وإن حصل له محبة أُخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله، فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة ورجع بها إلى طاعاته التى كان عليها أولًا انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات فقوى الأثران فحصل له المزيد من القرب والوسيلة وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت
[ ٢٣٢ ]
معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود الود الذى كان له منه قبل الجناية، واحتجوا فى ذلك بأثر إسرائيلى مكذوب أن الله قال لداود ﵇: يا داود، أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود.
وهذا كذب قطعًا، فإن الود يعود [بعد] التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته، وأيضًا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم [فرح] وأكمله وهو لا يحبه.
وتأمل سر اقتران هذين الاسمين فى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِيءُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْودُود﴾ [البروج: ١٣- ١٤] تجد فيه من الرد والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدًا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه، وفى ذلك ما يهيج القلب السليم ويأْخذ بمجامعه ويجعله عاكفًا على ربه- الذى لا إله إلا هو ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه الذى لا غنى له عنه، ولا بد له منه ولا تندفع ضرورته بغيره أبدًا.
واحتجوا أيضًا بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة لأن الذنب يحدث له من الخوف والخشية والانكسار والتذلل لله والتضرع بين يديه والبكاء على خطيئته والندم عليها والأسف [والإشفاق] ما هو من أفضل أحوال العبد وأنفعها له فى دنياه وآخرته، ولم تكن هذه الأُمور لتحصل بدون أسبابها إذ حصول الملزوم بدون لازمة محال، والله يحب من عبده كسرته وتضرعه وذله بين يديه واستعطافه وسؤاله أن يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز عن جرمه وخطيئته، فإذا قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاءُ خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن.
ولهذا قال بعض السلف:
لو لم تكن التوبة أحب الأشياءِ إليه لما أصاب بالذنب أكرم الخلق عليه.
وقيل: إن فى بعض الآثار يقول الله تعالى لداود ﵇: يا داود، كنت تدخل على دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل على دخول العبيد على الملوك.
قالوا: وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [سورة ص: ٢٥]، فزاده على المغفرة أمرين: الزلفى وهى درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأُمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم، ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف. والثانى: حسن المآب وهو حسن المنقلب وطيب المأْوى عند الله. قالوا: ومن تأمل
[ ٢٣٣ ]
زيادة القرب التى أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا، وأن العبد بعد التوبة يعود خيرًا مما كان.
قالوا: وأيضًا فإن للعبودية لوازم وأحكامًا وأسرارًا وكمالات لا تحصل إلا بها ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم، فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل له، وهذه هى حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك، فإن العرب تقول: طريق معبَّد أى مذلل بوطءِ الأقدام.
والذل أنواع: أكملها ذل المحب لمحبوبه، الثانى: ذل المملوك لمالكه، الثالث: ذل الجانى بين يدى المنعم عليه المحسن إليه المالك له، الرابع: ذل العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدى القادر عليها التى هى فى يده وبأمره.
وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذل له فى أن يجلب له ما ينفعه. والثانى: ذل له فى أن يدفع [عنه] ما يضره على الدوام. ويدخل فى هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن.
فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ينبغى وعرف ما يراد به منه وقام بين يدى ربه مستصحبًا لها شاهدًا لذله من كل وجه ولعزة ربه وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائمًا مقام الكثير من أعمال غيره.
قالوا: وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له منها فلا يضره أَن يخلى المطى وحاديها، ويعطى القوس باريها.
فللكثافة أَقوام لها خلقوا وللمحبة أَكباد وأجفان
قالوا: وأيضًا فقد ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: "للهُ أَشدُّ فرحًا بتوبة عبده من أحدكم [ضل] راحلته"، قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهى مركبه الذى يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع فى طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه. ثم إنه عدمها فى أرض دوّية لا أَنيس بها ولا معين ولا من يأْوى له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماءَ بها ولا طعام، فلما أَيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه، فأَى فرحة تعدل فرحة هذا؟ ولو كان فى الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبى ﷺ، ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاءُ، فإِن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادى الخفا وهو وادى المحرّفين للكلم عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه، فهو
[ ٢٣٤ ]
واد قد سلكه خلق وتفرقوا فى شعابه وطرقه ومتاهاته ولم تستقر لهم فيه قدم ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل.
مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها، فكيف يليق به أَنْ يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأُمة فى أودية التأْويلات شعاب الاحتمالات والتجويزات، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأْويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجى. والحمد لله رب العالمين.
فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادى الذى ذممته فنسلك فيه، أو من طريق يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم، بحمد الله [الطريق واضحة المنار بينة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين] فإن هذه العقدة هى أصل بلاء الناس، فمن حلها فما بعدها أيسر منها، ومن هلك بها فما بعدها أشد منها. وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث، فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم فى المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقًا فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرد فى ظنه عن ذلك اللازم، وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض، وردها كلها إلى الإرادة، فإنه فهم فرحًا مستلزمًا لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه،
[ ٢٣٥ ]
وكذلك فهم غضبًا هو غليان دم القلب طلبًا للانتقام، وكذلك فهم محبة ورضى [وكرهة] ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين [فإن] ذلك هو السابق إلى فهمه، وهو المشهود فى علمه الذى لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره.
ولما كان [ذلك] هو السابق إلى فهمه لم يجد بدًا من نفيه عن الخالق، والصفة لم تتجرد فى عقله عن هذا اللازم فلم يجد بدًا من نفيها.
ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان: أحدهما: مسلك التناقض البين، وهو إثبات كثير من الصفات، ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق- كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها- فإِن كان إثبات تلك الصفات التى نفاها يستلزم [المحذور] الذى فرّ منه فكيف لم يتسلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورًا فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه؟ وهل فى التناقض أعجب من هذا؟
والمسلك الثانى: [مسلك النفى العام والتعطيل المحض هربًا من التناقض والتزامًا] لأعظم الباطل وأمحل المحال، فإذا الحق المحض فى الإثبات المحض الذى أثبته الله لنفسه فى كلامه وعلى لسان رسوله من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تحريف ولا تبديل ومنشأ غلط المحرّفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة فى المحل المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله، فيضطرون فى نفيه إلى نفى الصفة، ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هى، فهذا لا يجب- بل لا يجوز- نفيه، كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر فلا يجوز نفى هذه التعلقات عن هذه الصفات إذ لا تحقق لها بدونها، وكذلك الإرادة [مثلًا] تستلزم العلم لذاتها فلا يجوز نفى لازمها عنها، وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفى لوازمها، وكذلك كون المرئى مرئيًا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها ولا سبيل إلى نفى تلك اللوازم إلا بنفى الرؤية، وكذلك الفعل الاختيارى له لوازم لا بد فيه منها، فمن نفى لوازمه نفى الفعل الاختيارى ولا بد.
ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضًا واضطرابًا فإنهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء وينفون لازمه، فتتناقض أقوالهم وأدلتهم، ويقع السالك خلفهم فى الحيرة والشك.
ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة، حاشى من هو فى خفارة
[ ٢٣٦ ]
بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات وقطع تلك الشبهات وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحى عليها فنقدها نقد الصيارف فنفى [زغلها]، وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد تولت النصوص بيانه، وإما أن يكون فيها غنية عنه بما هو خير منه وأقرب طريقًا وأسهل تناولًا، ولا يستفيد المؤمن- البصير بما جاء به الرسول العارف به- من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضًا ومعارضته وإبداء بعضهم عوار بعض ومحاربة بعضهم بعضًا، فيتولى بعضهم محاربة بعض ويسلم ما جاء به الرسول.
فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول يناقضه ويعارضه [ويضاده] فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدًا، ولا يقع ردهم إلا على آراءِ أمثالهم وأشباههم. وأما [ما] جاء به الرسول فمحفوظ محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه فإن وجدت شيئًا من ذلك فى كلامهم فبدار بدار إلى إِبداء فضائحهم وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم وتبيين كذبهم على العقل والوحى، فإنهم لا يردون شيئًا مما جاءَ به الرسول إلا بزخرف من القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان، فاكشفه ولا تهن، تجده كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءَه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب، ولولا أَن كل مسائل القوم وشبههم التى خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإِيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول ﷺ وأصحابه، وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتابًا مفردًا، وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه ونور ضريحه] هذا المقصد فى عامة كتبه، لا سيما كتابه الذى وسمه ببيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح، فمزق فيه شملهم كل ممزق، وكشف [فيه] أسرارهم وهتك أَستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأَهله من أفضل الجزاء.
واعلم أنه لا ترد شبهة صحيحة قط على ما جاءَ به الرسول، بل الشبهة التى يوردها أهل البدع والضلال على أهل السُّنَّة لا تخلو من قسمين: إما أن يكون القول الذى أُوردت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطًا، وهذا لا يكون متفقًا عليه بين أهل السنة أبدًا، بل يكون قد قاله بعضهم وغلط فيه، فإن العصمة إنما هى لمجموع الأُمة لا لطائفة معينة منها. [وإما أن يكون القول الذى أوردت عليه قولًا صحيحًا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه وحينئذ فلابد لها من أحد أمرين] .
وإما أن تكون لازمة، وإما أَلا تكون لازمة. فإن كانت لازمة لما جاء بها الرسول فهى حق لا شبهة، إذ لازم الحق حق، ولا ينبغى الفرار منها كما يفعل الضعفاءُ
[ ٢٣٧ ]
من المنتسبين إلى السنة، بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به كائنًا ما كان، وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة إلا بهذه الطريق، ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموها ودفعوها وأَثبتوا ملزوماتها، فتسلطوا عليهم بما أَنكروه لا بما أثبتوه فلو أَثبتوا لوازم الحق ولم يفروا منها لم يجد أَعداؤهم إليهم سبيلا، وإن لم تكن لازمة لهم فإلزامهم إياها باطل، وعلى النقدين فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم، وحينئذ فلهم جوابان مركب مجمل، ومفرد مفصل.
أما الأول فيقولون لهم: هذه اللوازم التى تلزمونا بها إما أن تكون لازمة فى نفس الأمر، وإما أن لا تكون لازمة، فإن كانت لازمة فهى حق إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول ﷺ فهو الحق الصريح، ولازم الحق حق، وإن لم تكن لازمة فهى مندفعة ولا يجوز إلزامها، وأما الجواب المفصل فيفردون كل إلزام بجواب، ولا يردونه مطلقًا [ولا يقبلونه مطلقًا] بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه، فإن كان لفظها موافقًا لما جاءَ به الرسول ﷺ يتضمن إثبات ما أثبته [أو] ونفى ما نفاه فلا يكون المعنى إلا حقًا، فيقبلون ذلك الإلزام.
وإن كان مخالفًا لما جاء به الرسول ﷺ متضمنًا لنفى ما أثبته أو إثبات ما نفاه كان باطلًا لفظًا ومعنى فيقابلونه بالرد.
وإن كان لفظًا مجملًا محتملًا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقًا، ولم يردوه مطلقًا حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به، فإن أراد معنى صحيحًا مطابقًا لما جاء به الرسول ﷺ قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقًا، وإن أراد معنى باطلًا ردوه ولم يطلقوا نفى اللفظ المحتمل أيضًا.
فهذه قاعدتهم التى بها يعتصمون وعليها يعولون. وبسط هذه الكلمات يستدعى أسفارًا لا سفرًا واحدًا، ومن لا ضياءَ له لا ينتفع بها ولا بغيرها فلنقتصر عليها، ولنعد إلى المقصود فنقول وبالله التوفيق.
فرح الرب سبحانه هذا الفرح العظيم بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ملزومات محبته ولوازمها، أعنى كونه محبًا لعباده المؤمنين، محبوبًا لهم، وإنما خلق خلقه لعبادته المتضمنة لكمال محبته والخضوع له، ولهذا خلق الجنة والنار، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب، وهذا هو الحق الذى خلق به السماوات والأرض وأنزل به الكتاب، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّام
[ ٢٣٨ ]
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفلا تَذَكّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [يونس: ٣]، وقوله: ﴿آلَم اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَى القَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١- ٣] .
فهذا أمره وتنزيله مصدره الحق والأول خلقه وتكوينه مصدره الحق أيضًا، فبالحق كان الخلق والأَمر وعنه صدر الخلق والأمر، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هى عبادته التى أصلها كمال محبته، وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد، [أو] يحب أن يحمد ويثنى عليه ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى.
كما قال النبى ﷺ فى الحديث الصحيح: "لا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه".
وفى المسند من حديث الأسود بن سريع أنه قال: يا رسول الله، إنى حمدت ربى بمحامد فقال: "إن ربك يحب الحمد"، فهو يحب نفسه ومن أجل ذلك يثنى على نفسه، ويحمد نفسه، ويقدس نفسه، ويحب من يحبه ويحمده ويثنى عليه. بل كلما كانت محبة عبده له أقوى كانت محبة الله له أكمل وأتم، فلا أحد أحب إليه ممن يحبه ويحمده ويثنى عليه.
ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة، ويجعلها بينه وبين من أشرك به ولهذا لا يغفر الله [سبحانه] أن يشرك به لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة والتسوية فيها بينه وبين غيره، ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه التى [ينقص] بها من عينه [وتنحط] بها مرتبته عنده إذا كان من المخلوقين، فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره فى المحبة.
والمخلوق لا يحتمل ذلك ولا يرضى به، ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبدًا وعساه أن يتجاوز لمحبه عن غيره من الهفوات والزلات فى حقه، ومتى علم بأنه يحب غيره كما يحبه لم يغفر له هذا الذنب ولم يقربه إليه.
هذا مقتضى الطبيعة والفطرة، أفلا يستحى العبد أن يسوى بين إلهه ومعبوده وبين غيره فى هذه العبودية والمحبة، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، فأخبر سبحانه أن من أحب شيئًا [من] دون الله كما يحب الله
[ ٢٣٩ ]
فقد اتخذه ندًا، وهذا معنى قول المشركين لمعبوديهم: ﴿تَالله إِن كُنَّا لَفِى ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧- ٩٨]، فهذه تسوية فى المحبة والتألية، لا فى الذات والأفعال والصفات والمقصود أنه سبحانه يحب نفسه أعظم محبة ويحب من يحبه وخلق خلقه لذلك، وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك، وأعد الثواب والعقاب لأجل ذلك، وهذا هو محض الحق الذى به قامت السموات والأرض، وكان الخلق والأمر، فإذا قام به العبد فقد قام بالأمر الذى خلق له فرضى عنه صانعه وبارئه وأحبه إذ كان يحب ويرضى، فإذا صدف عن ذلك وأعرض عنه وأبق عن مالكه وسيده أبغضه ومقته، لأنه خرج عما خلق له وصار إلى ضد الحال التى هو لها، فاستوجب منه غضبه بدلًا من رضاه وعقوبته بدلًا من رحمته، فكأَنه استدعى من رحمته أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحب، فإنه سبحانه عفوّ يحب العفو، محسن يحب الإحسان، جواد يحب الجود سبقت رحمته غضبه. فإذا أبق منه العبد وخامر عليه ذاهبًا إلى عدوه فقد استدعى منه أن يجعل غضبه غالبًا على رحمته وعقوبته على إحسانه، وهو سبحانه يحب من نفسه الإحسان والبر والإنعام، فقد استدعى من ربه فعل ما غيره أحب إليه منه. وهو بمنزلة عبد السوء الذى يحمل أستاذه من المخلوقين المحسن إليه، الذى طبيعته الإحسان والكرم، على خلاف مقتضى طبيعته وسجيته، فأُستاذه يحب لطبعه الإحسان، وهو بإِساءَته ولؤمه يكلفه ضد طباعه ويحمله على خلاف سجيته، فإذا راجع هذا العبد ما يحب سيده [إليه وأقبل عليه وأعرض عن عدوه فقد صار إلى الحال التى تقتضى محبة سيده له] وإنعامه عليه وإحسانه إليه، فيفرح به ولا بد أعظم فرح، وهذا الفرح هو دليل [عليه] غاية الكمال والغنى والمجد.
فليتدبر اللبيب وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجد فى طيه من المعارف الإلهية ما لا تتسع له إلا القلوب المهيأَة لهذا الشأْن المخلوقة له، وهذا فرح محسن بر لطيف جواد غنى حميد، لا فرح محتاج إلى حصول [ما يفرح به] متكمل به مستقيل له من غيره، فهو عين الكمال، لازم للكمال، ملزوم له.
وأَلطف من هذا الوجه أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سخَّرَ لَكُمْ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ وَأَسْبَغ َ عَلَيْكُمْ نِعمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٠٢] .
وكرمهم وفضلهم على كثير ممن خلق
[ ٢٤٠ ]
فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى آدَم وحملناهم فِى الْبِرِّ وَالْبَحْرِ وَرزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]، [وقال] لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآل إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِين﴾ [آل عمران: ٣٣] . وقال [تعالى] لموسى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١]، واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة.
وقد جاء فى بعض الآثار: يقول تعالى: "ابن آدم خلقتك لنفسى، وخلقت كل شيء لك فبحقى عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له".
وفى أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسى فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب، ابن آدم اطلبنى تجدنى فإن وجدتنى وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء".
فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم فيما أخبر به على لسان رسوله ﷺ، ليسلموا إليه النفوس التى خلقها له.
وهذا الشراء دليل على أنها محبوبة له مصطفاة عنده، مرضية لديه. وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها، هذا إذا جهل قدرها فى نفسها، فإذا عرف قدر السلعة وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها علم شأْنها ومرتبتها فى الوجود. فالسلعة أنت، والله المشترى والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه فى دار الأمن والسلام.
والله [سبحانه] لا يصطفى لنفسه إلا أعز الأشياء وأَشْرَفَهَا وأعظمها قيمة. وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارًا فى جواره وقربه، وجعل ملائكته خدَمه يسعون فى مصالحه فى يقظته ومنامه وحياته وموته، ثم إنَّ العبد أبق عن سيده ومالكه، معرضًا عن رضاه، ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرًا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه، فقد باع نفسه- التى اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه- من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته.
فأى مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْملائِكَةِ اسْجُدُوا لآدم فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُو، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدلًا﴾ [الكهف: ٥٠] .
[ ٢٤١ ]
فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما فى طى هذا الخطاب من سوءِ هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزى والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذى هو أولى به، فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أَسر له العدو محبوبًا له، واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب وجاءَ إلى محبه اختيارًا وطوعًا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدًا عتبة بابه واضعًا خده وذقنه عليها، فكيف يكون فرحه ربه؟ ولله المثل الأعلى.
ويكفى فى هذا المثل الذى ضربه رسول الله ﷺ لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما فى طيه وما فى ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم فى منطقة وعلمه وقصده وعمله، كل كلمة [منه] فى موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها.
والذى يزيد هذا المعنى تقريرًا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإن لولا محبة الله له لما جعل محبته فى قلبه، [فلما أحبه] ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه مشيًا أتاه هرولة.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذى يحبه فوق محبة العبد له. [فإذا] تعرض هذا المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذى فر من محبه وآثر غيره عليه، فإذا عاوده وأقبل إليه وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله، والشاهد أقوى شاهد تؤيده الفطرة والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان فى الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت للشريعة المنزلة إلى [الفطرة المكملة إلى العقل الصحيح] المنور، فذلك الذى لا غاية له بعده، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
فصل
ومتى أراد العبد شاهِدَ هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التى يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التى تحصل له، والجزاءُ من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله ففرح الله بتوبته أَعقبه فرحًا عظيمًا. وهاهنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه فى هذا الشأْن. وهى أن كل تائب لا بد له فى أول توبته من عصرة وضغطة فى قلبه من هم أَو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تأَلمه بفراق محبوبه فينضغط لذلك وينعصر
[ ٢٤٢ ]
قلبه ويضيق صدره، فأَكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا على رؤوسهم لأجل هذه [المحنة] .
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم، ولذلك أسباب عديدة: منها أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتًا واستعداده ضعيفًا لم يحصل له ذلك..
وأيضًا فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما المكان الخراب الذى لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن فى قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيْضًا فإن قوة المعارض والمضاد تدل على قوة معارضة وضده، ومثل هذا إما أن يكون رأسًا فى الخير أو رأسًا فى الشر، فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست فى الخير، وإن كانت شريرة رأست فى الشر.
وأيضًا فإن بحسب موافقته لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته. وأيضًا فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه، هذه سنة الله فى الخلق.
فانظر إلى الجنة وعظمها وإلى الموانع والقواطع التى حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها، وانظر إلى محبة الله والانقطاع إليه والإنابة إليه والتبتل إليه وحده والأُنس به واتخاذه وليًا ووكيلًا [وكافيًا] وحسيبًا هل يكتسب العبد شيئًا أشرف منه؟ وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا به دونه، والطالبون له منهم الواقف مع عمله والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه، والمطلوب منهم وراءَ ذلك كله.
والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأُمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب وتقع الفتنة ويحصل الابتلاءُ ويتميز من يصلح ممن لا يصلح، قال تعالى: ﴿آلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١- ٣]، وقال: ﴿لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلًا أفضت به إلى رياض الأُنس وجنات الانشراح، وإن
[ ٢٤٣ ]
لم يصبر لها انقلب على وجهه. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده- مع أنه لم يأْت نظيره فى غيرها من الطاعات- دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله، وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات، وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها، فهذا بعض ما احتج به لهذا القول.
وأما الطائفة التى قالت: لا يعود إلى مثل ما كان، بل لا بد أن ينقص حاله، فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب.
فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط فى حقوقه، وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته، فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته برك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه، وأَما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود.
قالوا: ولأن هذا فى زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله، فلو كان واقفًا فى موضعه لفاته التقدم فكيف وهو فى زمن المعصية كان سيره إلى وراءَ وراء؟ فإذا تاب واستقبل سيره، فإنه [يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الوضع الذى] تأخر منه. قالوا: ونحن لا ننكر أنه قد يأْتى بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته [وإنما انكرنا أن يكون بمجرد التوبة النصوح يعود إلى منزلته وحالته]، وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق، فلا يصل إلى مكانه الذى رجع منه إلا بسير مستأْنف يوصله إليه، ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالًا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم.
قالوا: وأيضًا، فلو رجع إلى حاله التى كان عليها أو إلى أرفع منها لكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالًا منه، فكيف يكون هذا، وأين مسير صاحب الطاعة فى زمن اشتغال هذا بالمعصية؟ وكيف يلتقى رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب، فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجدٌ على سيره، فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان؟ هذا مما لا يمكن جحده ودفعه.
قالوا: وأيضًا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام، والتوبة بمنزلة شرب الدواءِ، والمريض إذا شرب الدواءَ وصح فإنه لا تعود إليه قوته قبل المرض، وإنْ عادت فبعد حين.
قالوا: وأيضًا فهذا فى زمن معالجة التوبة ملبوك فى نفسه، مشغول بمداوتها ومعالجتها، وفى زمن الذنب مشغول بشهواتها، والسالم من ذلك مشغول بربه قد قرب منه فى سيره فكيف يلحقه هذا؟ فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة لقولها.
[ ٢٤٤ ]
وجرت هذه المسألة بحضرة شيخ الإسلام ابن تيمية، فسمعته يحكى هذه الأَقوال الثلاثة حكاية مجردة، فإما سألته وإما سئل عن الصواب منها، فقال: الصواب أن من التائبين من يعود إلى مثل حاله، ومنهم من يعود إلى أكمل منها، [مما كانت]، ومنهم من يعود إلى أنقص مما كان. فإن كان بعد التوبة خيرًا مما كان قبل الخطيئة وأشد حذرًا وأعظم تشميرًا وأعظم ذلًا وخشية وإنابة عاد إلى أرفع مما كان، وإن كان قبل الخطيئة أكمل فى هذه الأُمور ولم يعد بعد التوبة إليها عاد إلى أنقص مما كان عليه، وإن كان بعد التوبة مثل ما كان قبل الخطيئة رجع إلى مثل منزلته. هذا معنى كلامه [﵁] .
قلت: وهاهنا مسألة هذا الموضع أخص المواضع ببيانها، وهى أن التائب إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا، فهل تمحى تلك السيئات ويذهب لا له ولا عليه، أو إذا محيت أثبت له مكان كل سيئة حسنة؟ هذا مما اختلف الناس فيه من المفسرين وغيرهم قديمًا وحديثًا، فقال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، لكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة.
قال ابن عطية: يجعل أَعمالهم بدل معاصيهم الأُولى طاعة، فيكون ذلك سببًا لرحمة الله إياهم، قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو فى يوم القيامة، قال: وقد ورد حديث فى كتاب مسلم من طريق أبى ذر يقتضى أن الله سبحانه يوم القيامة يجعل لمن يريد المغفرة له من الموحدين بدل سيئاته حسنات، وذكره الترمذى والطبرى، وهذا تأْويل سعيد بن المسيب فى هذه الآية. قال ابن عطية: وهو معنى كرم العفو، هذا آخر كلامه.
قلت: سيأتى إن شاء الله ذكر الحديث بلفظه والكلام عليه. قال المهدوى: وروى معنى هذا القول عن سلمان الفارسى وسعيد بن جبير وغيرهما. وقال الثعلبى: قال ابن عباس وابن جريج والضحاك وابن زيد: ﴿يبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] يبدلهم الله بقبيح أعمالهم فى الشرك محاسن الأعمال فى الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال آخرون: يعنى يبدل الله سيئاتهم التى عملوها فى حال إسلامهم حسنات يوم القيامة.
وأصل القولين أن هذا التبديل هل هو فى الدنيا أو يوم القيامة؟ فمن قال: إنه فى الدنيا قال: هو تبديل الأعمال القبيحة والإرادات الفاسدة بأضدادها، وهى حسنات،
[ ٢٤٥ ]
وهذا تبديل حقيقة. والذين نصروا هذا القول احتجوا بأن السيئة لا تنقلب حسنة، بل غايتها أن تمحى وتكفِّر ويذهب أثرها فأما أن تنقلب حسنة فلا، فإنها لم تكن طاعة، وإنما كانت بغيضة مكروهة للرب فكيف تنقلب محبوبة مرضية.
قالوا: وأيضًا فالذى دل عليه القرآن إنما هو تكفير السيئات ومغفرة الذنوب، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٣٠] [المائدة: ١٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، والقرآن مملوءٌ من ذلك.
وفى الصحيح من حديث قتادة عن صفوان بن محرز قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول فى النجوى؟ قال: سمعته يقول: "يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإنى قد سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على الله ﷿"، فهذا الحديث المتفق عليه الذى تضمن العناية بهذا العبد إنما فيه ستر ذنوبه عليه فى الدنيا ومغفرتها له يوم القيامة، ولم يقل له: وأعطيتك بكل سيئة منها حسنة.
فدل على أن غاية السيئات مغفرتها وتجاوز الله عنها، وقد قال الله فى حق الصادقين: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِى عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَْحْسَنِ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٥]، فهؤلاء خيار الخلق، وقد أخبر أنه يكفر عنهم سيئات أعمالهم، ويجزيهم بأحسن ما يعملون، وأحسن ما عملوا [إنما هو الحسنات لا السيئات فدل على أن الجزاء بالحسنى] إنما يكون على الحسنات وحدها، وأما السيئات [فإن فحسبها أن] تلغى ويبطل أثرها، قالوا: وأيضًا فلو انقلبت السيئات أنفسها حسنات فى حق التائب لكان أحسن حالًا من الذى لم يرتكب منها شيئًا وأكثر حسنات منه، لأنه إذا أساءَ شاركه فى حسناته التى فعلها وامتاز عنه بتلك السيئات ثم انقلبت له حسنات ترجح عليه، وكيف يكون صاحب السيئات أرجح ممن لا سيئته له؟
قالوا: وأيضًا فكما أن العبد إذا فعل حسنات، ثم أتى بما يحبطها فإنها لا تنقلب سيئات يعاقب عليها، بل يبطل أثرها ويكون لا له ولا عليه وتكون عقوبته عدم ترتب ثوابه عليها، فهكذا من فعل سيئات ثم تاب منها، فإنها لا تنقلب حسنات. فإن قلتم: وهكذا التائب
[ ٢٤٦ ]
يكون ثوابه عدم ترتب العقوبة على سيئاته، [لم ننازعكم] فى هذا، وليس هذا معنى الحسنة فإن الحسنة تقتضى ثوابًا وجوديًا.
واحتجت الطائفة الأخرى التى قالت: هو تبديل السيئة بالحسنة حقيقة يوم القيامة بأن قالت: حقيقة التبديل إثبات الحسنة مكان السيئة.
وهذا إنما يكون فى السيئة المحققة وهى التى قد فعلت ووقعت، فإذا بدلت حسنة كان معناه أنها محيت وأُثبت مكانها حسنة قالوا: ولهذا قال تعالى: ﴿سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، فأضاف السيئات إليهم لكونهم باشروها واكتسبوها، ونكر الحسنات ولم يضفها إليهم [لأنها] من غير صنعهم وكسبهم، بل هى مجرد فضل الله وكرمه.
قالوا: وأيضًا فالتبديل فى الآية إنما هو فعل الله لا فعلهم، فإنه أخبر أنه هو يبدل سيئاتهم حسنات، ولو كان المراد ما ذكرتم لأضاف التبديل إليهم فإنهم هم الذين يبدلون سيئاتهم حسنات، والأعمال إنما تضاف إلى فاعلها وكاسبها كما قال الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] وأما ما كان من غير الفاعل فإنه يجعله من تبديله هو كما قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ: ١٦]، فلما أخبر سبحانه أنه هو الذى يبدل سيئاتهم حسنات دل على أنه شيء فعله هو سبحانه بسيئاتهم، لا أنهم فعلوه من تلقاءَ أنفسهم، وإن كان سببه منهم، وهو التوبة والإيمان والعمل الصالح.
قالوا: ويدل عليه ما رواه مسلم فى صحيحه من حديث الأعمش عن المعرور ابن سُويد عن أبى ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنى لأعلم آخر أهل الْجَنَّة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أْن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب قد عملت أشياءَ لا أراها [هاهنا] "، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبى ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، قال: فتعرض عليه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا؟ وهو مقر لا ينكر وهو مشفق
[ ٢٤٧ ]
من الكبار، فيقال: اعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، قال: فيقول: إن لى ذنوبًا ما أراها"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه.
قالوا: وأيضًا فروى أبو حفص المستملى عن محمد بن عبد العزيز بن أبى رزمة، حدثنا الفضل بن موسى القطيعى عن أبى العنبس عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات"، قيل: من هم؟ قال: "الذين بدل سيئاتهم حسنات".
قالوا: وهؤلاء هم الأبدال فى الحقيقة، فإنهم إنما سموا أبدالًا لأنهم بدلوا أعمالهم السيئة بالأعمال الحسنة، فبدل الله سيئاتهم التى عملوها حسنات، قالوا: وأيضًا فالجزاءُ من جنس العمل، فكما بدلوهم أَعمالهم السيئة بالحسنة بدلها الله من صحف الحفظة حسنات جزاءً وفاقًا.
قالت الطائفة الأُولى: كيف يمكنكم الاحتجاج بحديث أبى ذر على صحة قولكم وهو صريح فى أن هذا الذى قد بدلت سيئاته حسنات قد عذب عليها فى النار حتى كان آخر أهلها خروجًا منها؟ فهذا قد عوقب على سيئاته فزال أثرها بالعقوبة، فبدل مكان كل سيئة منها حسنة، وهذا حكم غير ما نحن فيه، فإن الكلام فى التائب من السيئات، لا فيمن مات مصرًا عليها غير تائب، فأَين أحدهما من الآخر؟
وأما حديث الإمام أحمد فهو الحديث بعينه إسنادًا ومتنًا، إلا أنه مختصر.
وأما حديث أبى هريرة [فلا] يثبت مثله، ومَن أبو العنبس، ومن أبوه حتى يقبل منهما تفردهما بمثل هذا الأمر الجليل؟ وكيف يصح مثل هذا الحديث عن رسول الله ﷺ مع شدة حرصه على التنفير من السيئات وتقبيح أهلها وذمهم وعيبهم والإخبار بأنها تنقص الحسنات وتضادها؟ فكيف يصح عنه ﷺ أنه يقول: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا منها"؟، ثم كيف يتمنى المرءُ إكثاره منها، مع سوءِ عاقبتها، وسوءِ مغبتها؟ وإنما يتمنى الإكثار من الطاعات؟ وفى الترمذى مرفوعًا: "ليتمنينَّ أقوام يوم القيامة أن جلودهم كانت تقرض بالمقاريض، لما يرون من ثواب أهل البلاءِ".
فهذا فيه تمنى البلاءِ يوم القيامة لأجل مزيد ثواب أهله، وهو تمنى الحسنات، وأما تمنى الحسنات فهذا لا ريب فيه، وأما تمنى السيئات فكيف يتمنى العبد أَنه أَكثر من السيئات؟ هذا مال لا يكون أبدًا، وإنما يتمنى المسيء أن لو لم يكن أساءَ، وأما تمنيه أنه ازداد من إساءته فكلا.
قالوا: وأَما ما ذكرتم من أن التبديل هو إثبات
[ ٢٤٨ ]
الحسنة مكان السيئة فحق. وكذلك نقول: إن الحسنة المفعولة صارت فى مكان السيئة التى لولا الحسنة لحلت محلها. قالوا: وأما احتجاجكم بإضافة السيئات إليهم وذلك يقتضى أن تكون هى السيئات الواقعة.
وتنكير الحسنات وهو يقتضى أن تكون حسنات من فضل الله، فهو حق بلا ريب ولكن من أين يبقى أن يكون فضل الله بها مقارنًا لكسبهم إياها بفضله؟ قالوا: وأما قولكم: إن التبديل مضاف إلى الله لا إليهم وذلك يقتضى أنه هو الذى بدلها [سبحانه] من الصحف لا أنهم هم الذين بدلوا الأَعمال بأضدادها، فهذا لا دليل لكم فيه، فإن الله خالق أفعال العباد، فهو المبدل للسيئات حسنات خلقًا وتكوينًا، وهم المبدلون لها فعلًا وكسبًا.
قالوا: وأما احتجاجكم بأن الجزاءَ من جنس العمل، فكما بدلوا سيئات أعمالهم بحسناتهم بدلها الله كذلك فى صحف الأعمال، فهذا حق وبه نقول، وأنه بدلت السيئات التى كانت مهيأة ومعدة أن تحل فى الصحف بحسنات حلت موضعها.
فهذا منتهى أقدام الطائفتين، ومحط نظر الفريقين. وإليك أيها المنصف الحكم بينهما، فقد أدلى كل منهما بحجته، فأقام بينته، والحق لا يعدوهما ولا يتجاوزهما، فأَرشد الله من أعان على هدى فنال به درجة الداعين إلى الله القائمين ببيان حججه ودينه، أو عذر طالبًا منفردًا فى طريق مطلبه قد انقطع رجاؤه من رفيق فى الطريق، فغاية أُمنيته أن يخلى بينه وبين سيره وأن لا يقطع عليه طريقه.
فمن رفع له مثل هذا العلم ولم يشمر إليه فقد رضى بالدون، وحصل على صفقة المغبون، ومن شمر إليه ورام أن لا يعارضه معارض، ولا يتصدى له ممانع فقد منى نفسه المحال، وإن صبر على لأْوائها وشدتها فهو والله الفوز المبين والحظ الجزيل.. وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب.
فالصواب إن شاءَ الله فى هذه المسألة أن يقال: لا ريب أن الذنب نفسه لا ينقلب حسنة، والحسنة إنما هى أمر وجودى يقتضى ثوابًا، ولهذا كان تارك المنهيات إنما يثاب على كف نفسه وحبسها عن مواقعة المنهى، وذلك الكف والحبس أمر وجودى وهو متعلق الثواب.
وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلًا ولم يحدث به نفسه، فهذا كيف يثاب على تركه، ولو أُثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابًا على ترك ذنوب العالم التى لا تخطر بباله، وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى، فإن
[ ٢٤٩ ]
التَرك مستصحب معه، والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط، فهل يثاب على ذلك كله؟ هذا مما لا يتوهم.
وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرًا وجوديًا فالتائب من الذنوب التى عملها قد قارن كلَّ ذنب منها ندمًا عليه، وكف نفسه عنه، وعزم على ترك معاودته. وهذه حسنات بلا ريب، وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم، وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة.
وهذا معنى قول بعض المفسرين: يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة. فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها، فهذا معنى التبديل، لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة.
وقال بعض المفسرين فى هذه الآية: يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة، وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة.
وأما حديث أبى ذر - وإن كان التبديل فيه فى حق المصرّ الذى عذب على سيئاته - فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته، فإن الذنوب التى عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن، فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة، لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة [لاقتضى] زوال أثرها وتبديلها حسنات، فإن الندم لم يكن فى وقت ينفعه، فلما عوقب عليها وزال أثرها بدلها الله له حسنات.
فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة، فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلأن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى. وتأثير التوبة فى هذا المحو والتبديل أقوى من تأْثير العقوبة لأن التوبة فعل اختيارى أَتى به العبد طوعًا ومحبة لله وفرقًا منه.
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التى تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التى يحبها الله ويرضاها فى محو الذنوب أعظم من تأْثير المصائب التى تناله بغير اختياره.
ولنرجع الآن إلى المقصود وهو [الكلام على] ما ذكره أبو العباس بن الصائف فى علل المقامات، فقد ذكرنا كلامه فى علة مقام الإرادة، [والكلام عليه وذكرنا كلامه فى مقام الزهد وقوله أنه من مقامات العامة] وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه هذا آخر الوجه الثانى منها.
[ ٢٥٠ ]
الوجه الثالث أن يقال: قوله: "الزهد تعظيم للدنيا، واحتباس عن الانتفاع بها" إلى آخر الفصل، إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها فى قلبه من بالقدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها، أو مستلزم لذلك، فإن الزهد لا يدل على هذا التعظيم، ولا يستلزمه - وإن كان من عوارض غلبات الطبع التى تذم مساكنتها وانحجاب القلب بها - بل زهده فيها دليل على خروج عظمها من قلبه [وقلة] مبالاته بها وترك الاهتبال بشأْنها، فكيف يكون هذا نقصًا بوجه؟ بل النقص فى الزهد يكون من أحد وجوه:
أولها: أن يزهد فيما ينفعه منها، ويكون قوة له على سيره ومعونة له على سفره، فهذا نقص. فإن حقيقة الزهد هى أَن تزهد فيما لا ينفعك، والورع أن تتجنب ما قد يضرك. فهذا الفرق بين الأمرين.
الثانى: أن يكون زهده مشوبًا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأَذية بها وبأَهلها، وتعب قلبه بشغله بها، ونحو هذا من المزهدات فيها، كما قيل لبعضهم: ما الذى أوجب زهدك فى الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة جفائها، وخسة شركائها. فهذا زهد ناقص، فلو صفت للزاهد [من] تلك العوارض لم يزهد فيها بخلاف من كان زهده فيها لامتلاءِ قلبه من الآخرة، ورغبته فى الله وقربه، فهذا لا نقص فى زهده ولا علة من جهة كونه زهدًا.
الثالث: أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضًا فالزهد كله أن تزهد فى رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل ومطالعة المنة، وأن لا تقف عنده فتنقطع، بل أعرض عنه جادًا فى سيرك غير ملتفت إليه مستصغرًا لحاله بالنسبة إلى مطلوبك، مع أن هذه العلة مطردة فى جميع المقامات على ما فيها كما سننبه عليه إن شاء الله، فإن ربط هذا الشأْن بالنصوص النبوية والعقل الصريح والفطرة الكاملة من أهم الأمور فلا يحسن بالناصح لنفسه أن يقنع فيه بمجرد تقليد أهله، فما أكثر غلطهم [فيهم] وتحكيمهم مجرد الذوق، وجعل حكم ذلك الذوق كليًا عامًا، فهذا ونحوه من مثارات الغلط.
الوجه الرابع: أن الزهد على أربعة أقسام:
أحدها: فرض على كل مسلم وهو
[ ٢٥١ ]
الزهد فى الحرام، وهذا متى أخل به انعقد سبب العقاب، فلا بد من وجود مسببه ما لم ينعقد سبب آخر يضاده.
الثانى: زهد مستحب، وهو على درجات فى الاستحباب بحسب المزهود فيه. وهو الزهد فى المكروه وفضول المباحات والتفنن فى الشهوات المباحة.
الثالث: زهد الداخلين فى هذا الشأْن، وهم المشمرون فى السير إلى الله وهو نوعان:
أحدهما: الزهد فى الدنيا جملة، وليس [المراد] تخليها من اليد ولا إخراجها وقعوده صفرًا منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه، وإن كانت فى يده. فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهى فى قلبك وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهى فى يدك.
وهذا كحال الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز الذى يضرب بزهده المثل مع أن خزائن الأموال تحت يده، بل كحال سيد ولد آدم ﷺ حين فتح الله عليه من الدنيا ما فتح، ولا يزيده ذلك إلا زهدًا فيها.
ومن هذا الأثر المشهور، وقد روى مرفوعًا وموقوفًا: "ليس الزهد فى الدنيا [بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن الزهد فى الدنيا] أن تكون بما فى يد الله أوثق منك بما فى يدك، وأن تكون فى ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أَرغب منك فيها لو أنها بقيت لك".
والذى يصحح هذا الزهد ثلاثة أشياء:
أحدها: علم العبد أنها ظل زائل وخيال زائر وأنها كما قال الله تعالى فيها: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهُوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًَّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ [الحديد: ٢٠]، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرضُ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضِ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَن لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]، وسماها سبحانه: "متاع الغرور" ونهى عن الاغترار بها،
[ ٢٥٢ ]
وأخبرنا عن سوء عاقبة المغترين [بها] وحذرنا مثل مصارعهم، وذم من رضى بها واطمأن إليها.
وقال النبى ﷺ: "مالى وللدنيا إنما أن كراكب قال فى ظل شجرة ثم راح وتركها".
وفى المسند عنه ﷺ حديث معناه: أن الله جعل طعام ابن آدم وما يخرج منه مثلًا للدنيا فإنه وإن فوَّحه وملحه فلينظر إلى ماذا يصير، فما اغتر بها ولا سكن إليها إلا ذو همة دنية وعقل حقير، وقدر خسيس.
الثانى: علمه أن وراءها دارًا أعظم منها قدرًا وأجل خطرًا وهى دار البقاءِ، وأن نسبتها إليها كما قال النبى ﷺ: "ما الدنيا فى الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع"، فالزاهد فيها بمنزلة رجل فى يده درهم زغل قيل له: اطرحه [ولك] عوضه مائة ألف دينار مثلًا، فألقاه من يده رجاءَ ذلك العوض، فالزهد فيها لكمال [رغبته] فيما هو أعظم منها زهد فيها.
الثالث: معرفته أن زهده فيها لا يمنعه شيئًا كتب له منها، وأن حرصه عليها لا يجلب له ما لم يقض له منها، فمتى تيقن ذلك وصار له به علم يقين هان عليه الزهد فيها، فإنه متى تيقن ذلك وثلج له صدره وعلم أن مضمونه منها سيأْتيه بقى حرصه وتعبه وكده ضائعًا، والعاقل لا يرضى لنفسه بذلك. فهذه الأُمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها، وتثبت قدمه فى مقامه. والله الموفق لمن يشاءُ.
النوع الثانى: الزهد فى نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشقها، وأَكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه، فإن الزاهد يسهل عليه الزهد فى الحرام لسوءِ مغبته وقبح ثمرته، وحماية لدينه وصيانة لإيمانه، وإيثارًا للذة والنعيم على العذاب، وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة، وحمية من أن يستأْثر لعدوه، ويسهِّل عليه الزهد فى المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم.
ويسهل عليه زهده فى الدنيا معرفته بما وراءَها وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأَعلى. وأما الزهد فى النفس فهو ذبحها بغير سكين، وهو نوعان:
أحدهما: وسيلة وبداية، وهو أن تميتها فلا يبقى [لها] عندك من القدر شيء، فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها، قد سبَّلت عرضها ليوم فقرها وفاقتها، فهى أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك
[ ٢٥٣ ]
أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذُمت، بل هى عندك أخس مما قيل فيها، أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك، وإن كان صعبًا عليها، وهذا وإن كان ذبحًا لها وأماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتة.
وهذه العقبة هى آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين، وينحدر منها إلى وادى البقاءِ ويشرب من عين الحياة، ويخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات، وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق، فيا قرة عينها ويا نعيمها وسرورها بقربه، ويا بهجتها بالخلاص من عدوها، [ومصيرها إلى وليها] مولاها ومالك أمرها ومتولى مصالحها. وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب، فيا مفلس تأَخر.
والنوع الثانى: غاية وكمال، وهو أن يبذلها للمحبوب جملة، بحيث لا يستبقى منها شيئًا. بل يزهد فيها زهد المحب فى قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة محبوبه به، فهل يجد من قلبه رغبة فى إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه؟ فهكذا زهد المحب الصادق فى نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه، فهو يبذلها له دائمًا بتعرض منه لقبولها.
وجميع مراتب الزهد المتقدمة مباد ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصح إلا بتلك المراتب، فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها [فتمعن] متمنَّ كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلَّم.
قال بعض السلف: إنما حرموا الوصول بتضييع الأُصول، فمن ضيع الأُصول حرم الوصول، وإذا عرف هذا فكيف يدعى أن الزهد من منازل العوام وأنه نقص فى طريق الخاصة؟ وهل الكمال إلا فى الزهد؟ وما النقص إلا فى نقصانه. والله الموفق للصواب.
فصل
المثال الرابع: التوكل، قال أبو العباس: "هو للعوام أيضًا، لأنه وكل أمرك إلى مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أَمرك وكفاك همك، وهذا فى طريق الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب، لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل فصار بدلًا عن تلك الأسباب، فإنك معلق بما [رفضته] من حيث معتقدك الانفصال. وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله [تعالى] لم يترك أمرًا مهملًا بل فرغ من الأشياء وقدرها، وإن اختلف منها
[ ٢٥٤ ]
شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطراب فى المعهود فهو المدبر له، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت، والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر فى مطالعة السبب سكونًا إلى ما سبق من القسمة مع استواءِ الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع، ومتى طالع بتوكله عرضًا كان توكله مدخولًا وقصده معلولًا، فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله كفاه الله [تعالى] كل مهم".
ثم ذكر حكاية عن موسى ﷺ أنه فى رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ فوجد الذئب واضعًا عصاه على عاتقه يرعاها فعجب من ذلك، فأوحى الله إليه: يا موسى، كن لى كما أُريد، أَكن لك كما تريد.
فيقال: الكلام على هذا من وجوه:
أحدها: إن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم، بل الخاصة أحوج إليه من العامة، وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام. والتوكل مصاحب للصادق من أول قدم يضعه فى الطريق إلى نهايته، وكلما ازداد قربه وقوى سيره ازداد توكله. فالتوكل مركب السائر الذى لا يتأتى له السير إلا به، ومتى نزل عنه انقطع لوقته، وهو من لوازم الإيمان ومقتضياته، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، فجعل التوكل شرطًا فى الإيمان، فدل على انتفاءِ الإيمان عند انتفاء التوكل، وفى الآية الأُخرى: ﴿وَقَال مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنْتُمْ مُسْلِمِين﴾ [يونس: ٨٤] فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢، ١٦٠] [المائدة: ١١] [التوبة: ٥١] [إبراهيم: ١١] [المجادلة: ١٠] [التغابن: ١٣]، فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاءِ الإيمان للتوكل، وإن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه، وكلما قوى إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفًا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد، والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والتقوى، وبين التوكل والهداية.
فأما التوكل والعبادة، فقد جمع [سبحانه] بينهما فى سبعة مواضع من كتابه، أحدها: فى
[ ٢٥٥ ]
سورة أُم القرآن فقال [تعالى]: ﴿إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، والثانى: قوله حكاية عن شعيب أنه قال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِى إِلا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعبادة المؤمنين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: ٤]، الرابع: قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذُهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٨-٩]، الخامس: قوله: ﴿وَللهِ غَيْبُ السَّمَّوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلِ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣]، السادس: قوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨]، السابع: قوله: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّى لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْه مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] .
فهذه السبعة مواضع جمعت الأصلين: التوكل وهو الوسيلة والإنابة وهى الغاية، فإن العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة موصلة إلى تلك الغاية فأَشرف غاياته التى لا غاية له أجل منها عبادة ربه، والإنابة إليه. وأعظم وسائله التى لا وسيلة له غيرها البتة التوكل على الله والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة، فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف الوسائل، وأما الجمع بين الإيمان والتوكل، ففى مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩]، ونظيره قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِين﴾ [المائدة: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢، ١٦٠] [المائدة: ١١] [التوبة: ٥١] [إبراهيم: ١١] [المجادلة: ١٠] [التغابن: ١٣] .
وأما الجمع بين التوكل والإسلام ففى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤] .
وأما الجمع بين التقوى والتوكل، ففى مثل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِى اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِع الْكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِين﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَتوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ١- ٣]، وقوله: ﴿وَمَن يَتَقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢- ٣] .
وأما الجمع بين التوكل والهداية ففى مثل قول الرسل [صلوات الله وسلامه عليهم] لقومهم:
[ ٢٥٦ ]
﴿وَمَا لَنَآ أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم:١٢]، وقال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]، فأمر [رسوله] بالتوكل عليه، وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل مصحح له مستدع لثبوته وتحققه، وهو قوله تعالى: "إنَّك على الحقِّ المبين فإن كون العبد على الحق يقتضى تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواءَ إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق، وهو ولى الحق وناصره ومؤيده، وكافى من قام به،" [مخلصًا للحق] أن لا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَآ أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: ١٢]، فعجبوا من تركهم التوكل على الله [وهو] هداهم، [وأقروا] أن ذلك لا يكون أبدًا.
وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان: فصادف الحق- لعلمه بالحق [وليقينه] بأن الله ولى الحق وناصره- مضطر إلى توكله على الله لا يجد بدًا من توكله. فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله. أما علمه: فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. وأما عمله: فسكونه إلى وكيله، وطمأٌنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أَمره إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه فى ذلك. ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه. فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جُماعه، وإن كان التوكل دخل فى عمل القلب من عمله، كما قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب، ولكن لا بد فيه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزءٌ من ماهيته.
والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل علمًا وعملًا أو أحدهما لم يكن مطمئنًا واثقًا بربه فإنه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده، فإن الله [سبحانه] لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه بوجه، فهو منقطع النسب إليه بالكلية، فإنه سبحانه هو [الحق]، وقوله الحق، ودينه الحق ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله [كله] حق.
ليس فى أفعاله شيء باطل، بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل، كما أقواله [سبحانه] كذلك، فلما كان الباطل لا يتعلق به [سبحانه]، بل هو مقطوع [عليه] البتة كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم، وكان منقطعًا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله.
فتدبر هذا السر العظيم فى اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر، لو لم يكن فى هذه
[ ٢٥٧ ]
الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع فى خزانة القلب، لشدة الحاجة إليها. والله المستعان وعليه التكلان
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأْس، فكما لا يقوم الرأْس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل. والله أعلم.
الوجه الثانى: أن قوله فى التوكل: "إنه فى طريق الخواص عمى عن الكفاية، ورجوع إلى الأسباب.. إلى آخر كلامه" مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب، والإعراض عنها جملة. والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها فى حصول المطلوب فكأَنه قد رفض سببًا وتعلق بسبب، وقد ناقض فى أمره، ولهذا قال: "فصار بدلًا عن تلك الأسباب"، وكأَنك تعلقت بما رفضته فهذه هى النكتة التى لأجلها صار التوكل عنده من منازل العوام، وهذه هى غير مسألة الجمع بين التوكل والسبب، بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل. فيقال: قولك: "إنه عمى عن الكفاية" ليس كذلك، بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها.
ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته، وسببها المقتضى لها هو التوكل، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أى كافية، فجعل التوكل سببًا للكفاية فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها، فكيف يقال: "إن التوكل عمى عن الكفاية"؟ وهل التوكل إلا محض العبودية التى جزاؤها الكفاية، وهى لا تحصل بدونه؟ بل العلة ههنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك، غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذى أجرى عليك هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية، فأول الأمر وآخره منه، فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعًا، ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره عن السبب والقيام به، بل الواجب القيام بالأمرين معًا.
الوجه الثالث: أن قوله: "إنه رجوع إلى الأسباب" إن أراد به أنه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك، وظاهر أن الأمر ليس كذلك،
[ ٢٥٨ ]
وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيًا للكفاية منه، ورتب عليه جزاءً لا يحصل بدونه فهذا حق، ولكن القيام بهذا السبب محض الكمال، ونفس العبودية. وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسبابًا مقتضية للفلاح والسعادة، بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابًا مقتضية لما رتب عليها من الجزاءِ، وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب؟ فالأسباب التى تكون مباشرتها نقصًا هى الأسباب التى تضعف التوكل، وأَما أَن يكون التوكل نفسه ناقصًا لكون التحقق به تحققًا بالسبب فقلب للحقائق،
الوجه الرابع: أن قوله: "لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل" إن أراد به رفض الأسباب جملة، فهذا كما أنه ممتنع عقلًا وحسًا فهو محرَّم شرعًا ودينًا، فإن رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين، وإن أراد به رفض الوقوف معها والوثوق بها، وأنه يقوم [بها] قيام ناظر إلى سببها، فهذا حق ولكن النقص لا يكون فى السبب ولا فى القيام به، وإنما يكون فى الإعراض عن المسبب تعالى كما تقدم، فمنع الأسباب أن تكون أَسبابًا قدح فى العقل والشرع، وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح فى التوحيد والتوكل، والقيام بها وتنزيلها منازلها والنظر إلى مسببها وتعلق القيام به جمع بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر، وهو الكمال، والله أعلم.
الوجه الخامس: قوله: "فصار التوكل بدلًا عن تلك الأسباب" هذا حق، فإن التوكل من أعظم الأسباب، ولكنه بدل عنها، كما تكون الطاعة بدلًا عن المعصية، والتوحيد بدلًا عن الشرك، فهو بدل واجب مأْمور به مطلوب من العبد والمذموم أن يجعل العبد الأَسباب بدلًا عن التوكل، لا أن يجعل التوكل بدلًا عن الأسباب.
الوجه السادس: قوله: "فكأنك تعلقت بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال" ليس كذلك، فإن المرفوض هو التعلق بغير الله والالتفات إلى سواه، فهذا هو الذى رفضه، وأما الذى تعلق به فهو التوكل على الله واللجأْ إِليه والتفويض إِليه والاستعانة به. فقد رفض المخلوق وتعلق بالخالق، فكيف يقال: إنه تعلق بما رفضه؟
الوجه السابع: أن قوله: "من حيث معتقدك الانفصال" يشير به إِلى أَن التوكل
[ ٢٥٩ ]
نوع تفرقة وانفصال يشهد فيه مع الله غيره، وهذا مناف للفناءِ فى التوحيد، وأن لا يشهد مع الله غيره أصلًا، وهذا قطب رحى السير الذى يشير إليه القوم، والعلم الذى يشمرون إليه، ولأجله يجعلون كل ما دونه من المقامات معلولًا، ولا بد من فصل القول فيه بعون الله وتأْييده، فإنه نهاية إِقدامهم وغاية مرماهم. فنقول وبالله التوفيق:
الفناءُ الذى يشار إِليه على أَلسنة السالكين ثلاثة أَقسام: فناءٌ عن وجود السوى، وفناءُ عن شهود السوى، وفناءٌ عن عبادة السوى وإرادته، وليس هنا قسم رابع.
فأما القسم الأول: فهو فناءُ القائلين بوحدة الوجود، فهو فناءٌ باطل فى نفسه، مستلزم جحد الصانع [سبحانه]، وإِنكار ربوبيته وخلقه وشرعه، وهو غاية الإِلحاد والزندقة. وهذا هو الذى يشير إليه علماءُ الاتحادية، ويسمونه "التحقيق"، وغاية أحدهم فيه أن لا يشهد ربًا وعبدًا، وخالقًا ومخلوقًا، وآمرًا ومأْمورًا، وطاعة ومعصية، بل الأمر كله واحد، فيكون السالك عندهم فى بدايته يشهد طاعة ومعصية.
ثم يرتفع [عن] هذا الفرق بكشف عندهم إلى أن يشهد الأفعال كلها طاعة لله لا معصية فيها، وهو شهود الحكم والقدر، فيشهده طاعة لموافقتها الحكم والمشيئة. وهذا ناقص عندهم أيضًا، إذ هو متضمن للفرق، ثم يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعة ولا معصية، إذ الطاعة والمعصية إنما تكون من غير لغير، وما ثم غير.
فإذا تحقق بشهود ذلك وفنى فيه فقد فنى عن وجود السوى، فهذا هو غاية التحقيق عندهم ومن لم يصل إليه فهو محجوب. ومن أشعارهم فى هذا قول قائلهم:
وما أنت غير الكون، بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذائق
وقول آخر:
ما الأمر إلا نسق واحد ما فيه من مدح ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت والطبع والشارع بالحكم
وقول الآخر:
وما الموج إلا البحر لا شيء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد
والقسم الثانى من أقسام الفناء هو الذى يشير إليه المتأخرون من أرباب السلوك،
[ ٢٦٠ ]
وهو الفناء عن شهود السوى، مع تفريقهم بين الرب والعبد وبين الطاعة والمعصية وجعلهم وجود الخالق غير وجود المخلوق. ثم هم مختلفون فى هذا الفناء على قولين: أحدهما أنه الغاية المطلوبة من السلوك، وما دونه بالنسبة إليه ناقص، ومن هنا يجعلون المقامات [والمنازل] معلولة. والقول الثانى: أنه من لوازم الطريق لا بد منه للسالك، ولكن البقاء أكمل منه وهؤلاء يجعلونه ناقصًا ولكن لا بد منه، وهذه طريقة كثير من المتقدمين. وهؤلاء يقولون: إن الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود، فلا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته ولكن لقوة الوارد وضعف المحل وغلبة استيلاءِ الوارد على القلب- حتى يملكه من جميع جهاته- يقع الفناءُ. والتحقيق أن هذا الفناء ليس بغاية، ولا هو من لوازم الطريق، بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم وسببه أُمور ثلاثة:
أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه، فإنه إذا علم أنه الغاية المطلوبة شمر سائرًا إليه عاملًا عليه، فإذا أشرف عليه وقف معه ونزل بواديه وطلب مساكنته. فهؤلاء إنما يحصل لهم الفناءُ لأن سيرهم كان على طلب حظهم ومرادهم من الله وهو الفناء لم يكن سيرهم على تحصيل مراد الله منهم وهو القيام بعبوديته والتحقق بها. والسائر على طلب تحصيل مراد الله منه لا يكاد الفناءُ يحل بساحته ولا يعتريه.
السبب الثانى: قوة الوارد بحيث يغمره ويستولى عليه، فلا يبقى فيه متسع لغيره أصلًا.
السبب الثالث: ضعف المحل عن احتمال ما يرد عليه.
فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناءُ. ولما رأى الصادق فى طريقه السالك إلى ربه أن أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام مشتتون فى أودية الفرق وشهدوا نقصهم ورأوا ما هم فيه من الفناءِ أكمل ظنوا أنه لا كمال [وراء] ذلك، وأنه الغاية المطلوبة، فمن هنا جعلوه غاية.
ولكن أكمل من ذلك وأعلى [وأجل هو القسم الثالث] وهو الفناءُ عن عبادة السوى وإرادته ومحبته وخشيته ورجائه والتوكل عليه والسكون إليه [فيفنى بعبادة ربه ومحبته وخشيته ورجائه وخشيته ورجائه ورجائه والتوكل عليه إليه عن عبادة غيره وعن محبته رجائه والتوكل عليه] مع شهود الغير ومعاينته. فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته مع عدم شهوده له وغيبته عنه، فإذا شهد الغير فى مرتبته أوجب شهوده له زيادة
[ ٢٦١ ]
فى محبة معبوده، وتعظيمًا له وهروبًا إليه وظنًا به، فإن نظر المحب إلى مباديء محبوبه ومضاده يوجب زيادة حبه له، وفى هذا المعنى قال القائل:
وإذا نظرت إلى أميرى زادنى حبًا له نظرى إلى الأُمراءِ
وكان النبى ﷺ يقول فى دعائه: "اللَّهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت". وفى سجوده: "اللَّهم لك سجدت، وبك آمنت"، وكذلك فى ركوعه: "اللَّهم لك ركعت، وبك آمنت".
فهذا دعاءُ من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده، ولم يغب بأحدهما عن الآخر، وهل هذا إلا كمال العبودية: أن يشهد ما يأْتى به من العبودية موجهًا لها إلى المعبود الحق، محضرًا لها بين يديه، متقربًا بها إليه. فأما الغيبة عنها بالكلية بحيث تبقى الحركات كأَنها طبيعية غير واقعة بالإرادة فهذا- وإن كان أكمل من حال الغائب بشهود عبوديته عن معبوده- فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكمل منهما. وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أن تعليله التوكل بما ذكر تعليل باطل.
الوجه الثامن: أن التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه فى تحصيل حظ العبد من الرزق والعافية وغيرهما، والثانى: توكل عليه فى تحصيل مرضاته.
فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة لأنها محض حظ العبد، فالتوكل على الله فى حصوله عبادة، فهو منشأُ لمصلحة دينه ودنياه.
وأما النوع الثانى فغايته عبادة، وهو فى نفسه عبادة. فلا علة فيه بوجه فإنه استعانة بالله على ما يرضيه. فصاحبه متحقق بإياك نعبد وإياك نستعين، فتركه ترك لشطر الإيمان. والعلة إنما هى فى ضعف هذا التوكل.
فهب أن التوكل فى حصول الحظ معلول فيلزم من هذا أن يكون التوكل فى حصول مراد الرب سبحانه ومرضاته معلولًا.
الوجه التاسع: قوله: "وحقيقة التوكل عند القوم التوكل فى تخليص القلوب من علة التوكل"، فيقال: إذا كان هذا التوكل عندك ليس بمعلول، ولا هو عمى عن الكفاية، ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها، بطل تعليل التوكل بما عللته به. وإن
[ ٢٦٢ ]
كانت هذه العلة بعينها موجودة فى هذا التوكل بطل أن يكون [علة]، فلزم بطلان كونه معلولًا على التقديرين، وظهر أن العلة فى التوكل لا تخرج عن أحد شيئين: إما أن يكون متعلقة حظًا من حظوظك، وإما وقوفك معه وركونك إليه فقط، فإذا خلص التوكل من هذا وهذا فلا علة تلحقه ولا نقيضة تدركه.
الوجه العاشر: أن علة التوكل عنده هى ترك التوكل كما فسره فكيف يتوكل فى ترك التوكل؟ وهل هذا إلا جمع بين متضادين؟
الوجه الحادى عشر: قوله: "وهو أن يعلم أن الله ﷾ لم يترك أمرًا مهملًا، بل فرغ من الأشياءِ وقدرها، وإِن اختلف منها شيء فى العقول أو تشوش فى المحسوس أو اضطرب فى المعهود فهو المدبر له، وشأْنه سوق المقادير إلى المواقيت. المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة السبب، سكونًا إلى ما سبق من القسمة مع استواءِ الحالين عنده" إلى آخر كلامه.
فيقال: هو سبحانه فرغ من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها، فكما أن المسببات من قدره الذى فرغ منه فأسبابها [أيضًا من قدره الذى فرع منه. فتقريره المقادير بأسبابها] لا ينافى القيام بتلك الأسباب، بل يتوقف حصولها عليها.
وقد سئل النبى ﷺ فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقى بها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: "هى من قدر الله"، وسئل ﷺ: أعُلم أهل الجنة والنار؟ قال: "نعم"، قالوا: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له"، فأمرهم بالأعمال، وأخبرهم أن الله يسر كل عبد لما خلق له فجعل عمله سببًا لنيل ما خلق له من الثواب والعقاب، فلا بد من إِثبات السبب والمسبب جميعًا.
الوجه الثانى عشر: قوله: "المتوكل من أراح نفسه من كد النظر فى مطالعة السبب سكونًا إلى ما سبق من القسمة، مع استواءِ الحالين عنده"، فهذا الكلام إن أُخذ على إطلاقه فهو باطل قطعًا، فإن السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب فى أعمال البر عين العجز وتعطيل الأمر والشرع، ولا يجوز شرعًا ولا عقلًا التسوية بين الحالين. وأما السكون إلى ما سبق من القسمة فى أسباب المعيشة فهو حق، ولكن الكمال أن يكون ساكنًا إلى ما سبق مع قيامه، وهذه حال الكملة من الصحابة ومن بعدهم. فالكمال مع قيامه، هو تنزيل الأسباب منازلها علمًا وعملًا لا الإعراض عنها ومحوها، ولا الانتهاءُ إليها
[ ٢٦٣ ]
والوقوف عندها.
الوجه الثالث عشر: قوله: "مع استواءِ الحالين عنده، وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع" يشير به إلى استواءِ الحالين فى مباشرة السبب وتركه نظرًا إلى ما سبق. وهذا ليس بمأْمور ولا معذور، فإنه لا تستوى الحالتان شرعًا ولا قدرًا، وكيف يستوى ما لم يسوِّه الله شرعًا ولا قدرًا؟
الوجه الرابع عشر: قوله: "الطلب لا يجمع، التوكل لا يمنع فقد بين أن التوكل لا ينافى الطلب، بل حقيقة التوكل وكماله مقارنته للطلب ومصاحبته للسبب، وأما توكل مجرد عن الطلب والسبب فعجز وأمانى. فتوكل الحراث إنما هو بعد شق الأرض وبذرها، وحينئذ يصح منه التوكل فى طلوع الزرع. وأما توكله من غير حرث ولا بذر فعجز وبطالة.
الوجه الخامس عشر: قوله: "ومتى طالع بتوكله عرضًا كان توكله مدخولًا وقصده معلولًا. فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ فى توكله سوى خالص حق الله كفاه كل مهم"، فيقال: التوكل يكون فى أحد شيئين: إما فى حصول حظ العبد ورزقه ونصره وعافيته، وإما فى حصول مراد ربه منه، وكلاهما عبادة مأْمور بها، والثانى أكمل من الأول بحسب المتوكل فيه. ولكن توكله فى الأول لا يكون معلولًا من حيث هو توكل، وإِنما تكون علته أن صرف توكله إلى غيره أولى بالتوكل منه. وهذا إنما يكون نقصًا إذا أضعف توكله فى الأَمر ومراد الله منه.
وأما إن لم يضعفه بل أعطى كل مقام حقه من التوكل فهذا محص العبودية. والله أعلم.
فصل
المثال الخامس: الصبر. قال أبو العباس: "وهو من منازل العوام أيضًا، لأن الصبر حبس النفس على مكروه، وعقل اللسان عن الشكوى، ومكابدة الغصص فى تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته. وهذا فى طريق الخاصة تجلد ومناوأَة وجرأَة ومنازعة، فإن حاصله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحمل الأذى بالبلوى. وتحقيقه الخروج عن الشكوى بالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى.
وقيل: إنه على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، فالأول: التصبر، وهو تحمل مشقة، وتجرع غصة،
[ ٢٦٤ ]
والثبات على ما يجرى من الحكم. وهذا هو التصبر لله وهو صبر العوام. والثانى: الصبر، وهو نوع سهولة تخفف عن المبتلى بعض الثقل، وتسهل عليه صعوبة المراد، وهو الصبر لله، وهو نوع سهولة، وهو صبر المريدين. والثالث: الاصطبار وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى، وهذا هو الصبر على الله، وهو صبر العارفين". والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال الصبر نصف الدين، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩]، وقال النبى ﷺ: "والذى نفسى بيده، لا يقضى الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إن أصابته سراءٌ شكر فكان خيرًا له، إن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن". فمنازل الإيمان كلها بين الصبر والشكر، والذى يوضح هذا:
الوجه الثانى: وهو أن العبد لا يخلو قط من أَن يكون فى نعمة أَو بلية، فإن كان فى نعمة ففرضها الشكر والصبر. أما الشكر فهو قيدها وثباتها والكفيل بمزيدها، وأما الصبر فعن مباشرة الأَسباب التى تسلبها، وعلى القيام بالأسباب التى تحفظها فهو أحوج إلى الصبر فيها من حاجة المبتلى. ومن هنا يعلم سر مسألة الغنى الشاكر والفقير الصابر، وأن كلا منهما محتاج إلى الشكر والصبر، وأنه قد يكون صبر الغنى أكمل من صبر الفقير. كما قد يكون شر الفقير أكمل، فأفضلهما أعظمهما شكرًا وصبرًا، فإن فضل أحدهما فى ذلك فضل صاحبه.
فالشكر مستلزم للصبر لا يتم إلا به، والصبر مستلزم للشكر لا يتم إلا به. فمتى ذهب الشكر ذهب الصبر، ومتى ذهب الصبر ذهب الشكر، وإن كان فى بلية ففرضها الصبر والشكر أيضًا: أما الصبر فظاهر، وأما الشكر فللقيام بحق الله عليه فى تلك البلية، فإن لله على العبد [عبودية فى البلاء كما له عليه عبودية فى النعماء وعليه] أن يقوم بعبوديته فى هذا وهذا. فعلم أنه لا انفكاك له عن الصبر، ما دام سائرًا إلى الله.
الوجه الثالث: أن الصبر ثلاثة أقسام: إما صبر عن المعصية فلا يرتكبها وإما صبر على الطاعة حتى يؤديها وإما صبر على البلية فلا يشكو ربه فيها وإن كان العبد
[ ٢٦٥ ]
..
لا بد له من واحد من هذه الثلاثة فالصبر لازم له أبدًا لا خروج له البتة.
الوجه الرابع: أن الله سبحانه ذكر الصبر فى كتابه فى نحو تسعين موضعًا، فمرة أمر به، ومرة أثنى على أهله، ومرة أمر نبيه ﷺ أن يبشر به أهله، ومرة جعله شرطًا فى حصول النصر والكفاية ومرة أخبر أنه مع أهله، وأثنى به على صفوته من العالمين وهم أنبياؤه ورسله، فقال عن نبيه أيوب: ﴿إِنَا وَجَدْنَاهُ صَابِرًَا، نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب﴾ [سورة ص: ٤٤]، وقال [تعالى] لخاتم أنبيائه ورسله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنِ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ﴾ [النمل: ١٢٧]، وقال يوسف الصديق، وقد قال له إخوته: ﴿أَإِنَّكَ لأنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى، قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ الله لا يُضِيَعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]، وهذا يدل على أن الصبر من أجل مقامات الإيمان، وأن أخصّ الناس بالله وأولاهم به أشدهم قيامًا وتحققًا به، وأن الخاصة أحوج إليه من العامة.
الوجه الخامس: أن الصبر سبب فى حصول كل كمال، فأكمل الخلق أصبرهم، ولم يتخلف عن أحد كماله الممكن إلا من ضعف صبره، فإن كمال العبد بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن له عزيمة فهو ناقص، ومن كانت له عزيمة ولكن لا ثبات له عليها فهو ناقص.
فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحال كامل، ولهذا فى دعاء النبى ﷺ الذى رواه الإمام أحمد وابن حبان فى صحيحه: "اللَّهم إنى أسألك الثبات فى الأمر والعزيمة على الرشد"، ومعلوم أن شجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فلو علم العبد الكنز الذى تحت هذه الأحرف الثلاثة أعنى اسم "الصبر" لما تخلف عنه.
قال النبى ﷺ: "ما أُعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر"، وقال عمر بن الخطاب [﵁] حين غشى عليه: أدركناه بالصبر. وفى مثل هذا قال القائل:
نزه فؤادك عن سوانا والقنا فجنابنا حل لكل منزه
والصبر طلّسم لكنز وصالنا من حل ذا الطلَّسم فاز بكنزه
فالصبر طلسم على كنز السعادة، من حله ظفر بالكنز.
الوجه السادس: قوله: "الصبر حبس النفس على مكروه، وعقل اللسان عن
[ ٢٦٦ ]
الشكوى، ومكابدة الغصص فى تحمله، وانتظار الفرج عند عاقبته"، فيقال: هذا أحد أقسام الصبر، وهو الصبر على البلاءِ. وأما الصبر على الطاعة فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه وقد لا يعرض فيه، بل [يتجلى] بها ويأْتى بها محبة ورضى، ومع هذا فالصبر واقع عليها، فإنه حبس النفس على مداومتها والقيام بها، قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى﴾ [الكهف: ٢٨]، وأما الصبر عن المعصية فقد يعرض فيه ذلك أو بعضه، وقد لا يعرض فيه، لتمكن الصابر من قهر داعيها وغلبته.
وإذا كان ما ذكر من الأُمور الأربعة إِنما يعرض فى الصبر على البلية فقوله: "إنه فى طريق الخاصة تجلد ومناوأَة وجرأَة ومنازعة" ليس كذلك، وإنما فيه التجلد، فأين المناوأة [والجرأة] والمنازعة؟
وأما لوازم الطبيعة من وجود ألم البلوى فلا تنقلب ولا تعدم فلا يصح أن يقال: إن وجود التألم والتجلد عليه وحبس النفس عن التسخط واللسان عن الشكوى جرأَة ومنازعة، بل هو محض العبودية والاستكانة وامتثال الأَمر، وهو من عبودية الله المفروضة على عبده فى البلاءِ، فالقيام بها عين كمال العبد ولوازم الطبيعة لا بد منها، ومن رام أن لا يجد البرد والحر والجوع والعطش والألم عند تمام أسبابها وعللها فقد رام الممتنع.
وهل يكون الأَجر إلا على وجود تلك الآلام والمشاق والصبر عليها؟ وقد ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: "أشد الناس بلاءَ الأنبياءُ ثم الأمثل فالأمثل"، وقيل له فى مرضه: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، قال: "أجل إن لى أجر رجلين منكم" يعنى فى وعكة [ﷺ] .
ولا ريب أن ذلك الوعك مؤلم له ﷺ، وأيضًا فى مرض موته قال: "وارأْساه"، وهذا إنما هو من وجود أَلم الصداع، وكان يقول فى غمرات الموت: "اللَّهم أَعنِّى على سكرات الموت" [ويدخل يده فى القدح ويمسح وجهه بالماء من كرب الموت]، وهذا كله لتكميل أجره وزيادة رفعة درجاته ﷺ.
وهل كان ذلك إلا محض العبودية وعين الكمال؟ وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا فى ترك الصبر، وفى التسخط والشكوى؟
الوجه السابع: قوله: "فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى فى تحامل الأذى بالبلوى، والاستبشار باختيار المولى"، فيقال: الذى يمكن الخروج عنه هو الشكوى، وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ بها، فهذا غير ممكن، ولا هو فى الطبيعة، وإنما الممكن أن يشاهد العبد فى تضاعيف البلاءِ لطف صنع الله به وحسن اختياره له
[ ٢٦٧ ]
وبره به فى حمله عنه [فيخفف عنه] مؤنة حمله، وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك، وفوق هذا مرتبة أرفع منه، وهى أن يشهد أن هذا مراد محبوبه، وإنه بمرأى منه ومسمع، وأنه هديته إلى عبده، وخلعته التى خلعها عليه ليرفل له فى أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله، فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هى موافقة المحبوب فى محابه فيحب ما يحبه محبوبه، فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشرى، فإن هذه الكراهة لا تنافى محبته لها كما يكره طبعه الدواءَ الكريه وهو يحبه من وجه آخر، وهذا لا ينكر فى المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها، كما قال القائل فى ذلك:
أهوى هواه وبعدى عنه يعجبه فالبعد قد صار لى فى حبه أَربا
وقال الآخر:
أريد وصاله ويريد هجرى فأترك ما أريد لما يريد
وقال الآخر:
وأَهنتنى فأَهتت نفسى جاهدًا ما من يهون عليك ممن أُكرم
وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه. فإذا شهد مراد محبوبه أَحبه، وإن كان كريهًا إليه. فهذا لا ينكر ولا ينافى التأَلم بمراد المحبوب المنافى للمحب وصبره عليه، بل يجتمع فى حقه الأَمران، وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى وإفضائها إلى غاية النعيم واللذة، فكلما قوى علمه بذلك وقويت محبته لمن ذكره بابتلائه ازداد تلذذه بها مع الكراهية الطبيعية التى هى من لوازم الخلقة ولا سيما إِذا علم المحب الذى أَحب الأشياءَ إليه أن يجرى ذكره على بال محبوبه أَن محبوبه قد ذكره بنوع من الامتحان، فإنه يفرح بذكره له وإن ساءه ما ذكره به كما قال القائل:
لئن ساءَنى أن نلتنى بمساءَة لقد سرنى أَنى خطرت ببالكا
الوجه الثامن: قوله: "وهو على ثلاث مقامات مرتبة بعضها فوق بعض، فالأول التصبر- إلى قوله- وهو صبر العوام"، فيقال: لا ريب أن التصبر مؤذن بتكلف
[ ٢٦٨ ]
وتحمل على كره، ولكن هذا لا بد منه فى الصبر. وهو سببه الذى ينال به، فالتصبر من العبد، والصبر ثمرته التى يفرعها الله إذا تعاطاه وتكلفه، كما قال النبى ﷺ: "ومن يتصبر يصبره لله"، فمنزلة التصبر من الصبر منزلة التعلم والتفهم من العمل والفهم، فلا بد منه فى حصول الصبر.
الوجه التاسع: قوله: "والثانى الصبر، وهو نوع سهولة يخفف عن المبتلى بعض الثقل، ويسهل عليه صعوبة المراد وهو الصبر للله، وهو صبر المريدين"، فقد تقدم أن الصبر ثمرة التصبر وكلاهما إنما يحمد إذا كان الله. وإنما يكون إذا كان بالله فما لم يكن به لا يكون، وما لم يكن له لا ينفع ولا يثمر، فكلاهما لا يحصل للمريد السالك مقصوده إلا أن يكون بالله ولله. قال تعالى فى الصبر به: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال فى الصبر له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] .
واختلف الناس أى [الله] الصبرين أعلى وأفضل: الصبر له، أو به؟ فقالت طائفة منهم صاحب [كتاب] "منازل السائرين": وأضعف الصبر الصبر لله وهو صبر العامة، وفوقه الصبر بالله، [وهو صبر المريد وفوقهما الصبر على الله ووجه هذا القول السالك ووجه هذا القول إن الصبر لله] هو صبر العابد الذى تصبر نفسه لأَمر الله طالبًا لمرضاته وثوابه، فهو صابر على العمل صابر عن المحرمات، وأما الصبر به فهو تبرؤ من الحول والقوة، وإضافة ذلك إلى الله [﷿] وهو صبر المريد.
وأما الصبر على الله فصبر السالك على ما يجيء به متعلق أقداره وأحكامه. والصواب أن الصبر لله أكمل من الصبر به، فإِن الصبر له متعلق بإلهيته ومحبته، والصبر به متعلق بربوبيته ومشيئته، وما هو له أكمل مما هو به، فإن ما هو له [هو] الغاية وما به هو الوسيلة، فالصبر به وسيلة والصبر له غاية، وبينهما من التفاوت ما بين الغايات والوسائل.
وأيضًا فإن الصبر له متعلق بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة: ٥]،وهاتان الكلمتان منقسمتان بين العبد وبين الله، كما ثبت عن النبى ﷺ فيما يروى عن ربه و"إِيَّاك نعبد" هى التى لله، و"إيَّاك نستعين" هى التى للعبد، وما لله أكمل مما للعبد فما تعلق بما هو له أفضل مما تعلق بما هو للعبد، وأيضًا فالصبر له مصدره المحبة، والصبر به مصدره الاستعانة والمحبة أكمل من الاستعانة. وأما الصبر على الله [سبحانه] فهو الصبر على
[ ٢٦٩ ]
أحكامه الدينية والكونية، فهو يرجع إلى الصبر على أوامره والصبر على ابتلائه، فليس فى الحقيقة قسمًا ثالثًا، والله أعلم.
فقد تبين أن الصبر بجميع أقسامه أصل مقامات الإيمان، وهو أصل لكمال العبد الذى لا كمال له بدونه، ولا يذم منه إلا قسم واحد وهو الصبر عن الله [سبحانه] فإنه صبر المعرضين المحجوبين، فالصبر عن المحبوب أقبح شيء وأسوؤُه، وهو الذى يسقط المحب من عين محبوبه، فإن المحب كلما كان أَكمل محبة كان صبره عن محبوبه متعذرًا.
الوجه العاشر: قوله: "الثالث الاصطبار، وهو التلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار المولى. وهذا هو الصبر على الله وهو صبر العارفين". فيقال: الاصطبار افتعال من الصبر كالاكتساب والاتخاذ، وهو مشعر بزيادة المعنى على الصبر، كأَنه صار سجية وملكة: فإن هذا البناء مؤذن بالاتخاذ والاكتساب، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِر﴾ [القمر: ٢٧]، فالاصطبار أبلغ من الصبر كما أن الاكتساب أبلغ من الكسب، ولهذا كان فى العمل الذى يكون على صاحبه، والكسب فيما له، قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] تنبيهًا على أن الثواب يحصل لها بأَدنى سعى وكسب، وأن العقاب إنما هو باكتسابها وتصرفها وما تعانيه.
وإذا علم هذا فالتلذذ بالبلوى والاستبشار باختيار الله سبحانه لا يخص الاصطبار، بل يكون مع الصبر ومع [التصبر] . ولكن لما كان الاصطبار أبلغ من الصبر وأقوى كان بهذا التلذذ والاستبشار أولى. والله أعلم
قاعدة: الصبر عن المعصية ينشأُ من أسباب عديدة:
أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءَتها، وأن الله إنما حرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمى الوالد الشفيق [والده] عما يضره. وهذا السبب يحمل العاقل على تركها ولو لم يعلق عليها وعيد بالعذاب.
السبب الثانى: الحياءُ من الله سبحانه، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه وأنه بمرأَى منه ومسمع- وكان [حيًا] حييًّا- استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك، فإن الذنوب تزيل النعم ولا بد،
[ ٢٧٠ ]
فما أذنب عبد ذنبًا إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب، فإن تاب وراجع رجعت إليه أو مثلها، وإن أصر لم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة حتى تسلب النعم كلها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وأعظم النعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها.
وقال بعض السلف: أذنبت ذنبًا فحرمت قيام الليل سنة. وقال آخر: أذنبت ذنبًا فحرمت فهم القرآن. وفى مثل هذا قيل:
إذا كنت فى نعمة فارعها فإن المعاصى تزيل النعم
وبالجملة فإن المعاصى نار النعم تأْكلها كما تأْكل النار الحطب، عياذًا بالله من زوال نعمته وتحويل عافيته.
السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه. وهذا إنما يثبت بتصديقه فى وعده ووعيده والإيمان به وبكتابه وبرسوله. وهذا السبب يقوى بالعلم واليقين ويضعف بضعفهما. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقال بعض السلف: كفى بخشية الله علمًا وبالاغترار بالله جهلًا.
السبب الخامس: محبة الله [سبحانه] وهى أقوى الأسباب فى الصبر عن مخالفته ومعاصيه. فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوى سلطان المحبة فى القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبه لسيده، وفى هذا قال عمر: "نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" يعنى أنه لو لم يخف من الله لكان فى قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.
فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه.
وههنا لطيفة يجب التنبه لها، وهى أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياءَ والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط وتذكر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى [فيه] نوع محبة لله، ولكن
[ ٢٧١ ]
لا تحمله على ترك معاصيه. وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم، فما عمر القلب شيء كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ.
السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التى تحطها وتضع قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوى بينها وبين السفلة.
السبب السابع: قوة العلم بسوءِ عاقبة المعصية، وقبح أثرها والضرر الناشيء منها: من سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وأَلمه، وانحصاره، وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله. وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته والحيرة فى أَمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولى عدوه المبين له، وتوارى العلم الذى كان مستعدًا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أَو ضعفه ولا بد، ومرضه الذى إذا استحكم به فهو الموت ولا بد، فإِن الذنوب تميت القلوب، ومنها ذله بعد عزة، ومنها أن يصير أسيرًا فى يد أعدائه بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه، ومنها أن يضع تأثيره فلا يبقى له نفوذ فى رعيته ولا فى الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أَمرها، ولا ينفذ فى غيرهم، ومنها زوال أَمنه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة، ومنها زوال الأُنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة، ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط، ومنها زوال الطمأْنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه، ومنها وقوعه فى بئر الحسرات، فلا يزال فى حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا، أو إلى [غيرها] إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه.
فيالها نارًا قد عذب بها القلب فى هذه الدار قبل نار الله الموقدة التى تطلع على الأفئدة، ومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيًا بما معه من رأْس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأْس ماله أصبح فقيرًا معدمًا، فإما أن يسعى بتحصيل رأْس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير [وإلا] فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأْس
[ ٢٧٢ ]
ماله، ومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه، ومنها ضعف بدنه، ومنها زوال المهابة والحلاوة التى لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة، ومنها حصول البغضة والنفرة منه فى قلوب الناس، ومنها ضياع أعز الأشياءِ عليه وأنفسها وأعلاها، وهو الوقت الذى لا عوض منه، ولا يعود إليه أبدًا، ومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإِنه إِذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأْمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دن مولاه الحق، ومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت فى قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أُخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران، قال الله تعالى: ﴿كَلا بَل رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها فى قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة فى الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد. ومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيعًا حتى يرحل من الدنيا وينزل فى الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أَطرافه وقضاءِ جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناءُ والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة.
ومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه، فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه، ومنها أن الذنب يستدعى ذنبا آخر، ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة فتستدعى رابعًا، وهلم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته.
قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات فى الدنيا ولذة ما فى الآخرة.
كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، فالمؤمن لا يذهب طيباته فى الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة.
وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته فى الدنيا، ومنها علمه بأن أعماله
[ ٢٧٣ ]
هى زاده ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزود من معصية الله أوصله ذلك الزاد إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته، ومنها علمه بأَن عمله هو وليه فى قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه، ومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها، وأعمال الفجور تهوى به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث [تستقر] به، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ والعملُ الصَالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أُغلقت عنها.
وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إلى الله سبحانه، فتحت لأرواحهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها فى عليين، ومنها خروجه من حصن الله الذى لا ضيعة على من دخله، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطاع الطريق.
فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه [آفة] إلى خربة موحشة هى مأْوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟
ومنها أنه بالمعصية قد تعرّض لمحق بركته [فى كل شيء من أمر دنياه وآخرته فإن الطاعة تجلب للعبد بركات كل شيء والمعصية متحق منه كل بركة] .
وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا فخير الدنيا والآخرة بحذافيره فى طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره فى معصيته، وفى بعض الآثار يقول الله ﷾: من ذا الذى أطاعنى فشقى بطاعتى؟ ومن ذاى الذى عصانى فسعد بمعصيتى؟
السبب الثامن: قصر الأمل، وعلمه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قرية وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكب قال فى ظل شجرة ثم سار وتركها. فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريص على ترك ما يثقله حمله ويضره ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخير ما بحضرته، فليس للعبد أنفع من قصر الأمل ولا أضر من التسويف وطول الأمل.
[ ٢٧٤ ]
السبب التاسع: مجانبة الفضول فى مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس، فإن قوة الداعى إلى المعاصى إنما تنشأُ من هذه الفضلات، فإنها تطلب لها مصرفًا فيضيق عليها المباح فتتعداه إلى الحرام. ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالته وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة، بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلته بما يضره ولا بد.
السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: ثبات شجرة الإيمان فى القلب، فصبر العبد عن المعاصى إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانه أقوى كان صبره أتمّ وإذا ضعف الإيمان ضعف الصبر، فإن من باشر قلبه الإيمان بقيام الله عليه ورؤيته له، وتحريمه لما حرم عليه، وبغضه له، ومقته لفاعله وباشر قلبه الإيمان بالثواب والعقاب والجنة والنار، وامتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم.
ومن ظن أنه يقوى على ترك المخالفات والمعاصى بدون الإيمان الراسخ الثابت فقد غلط، فإذا قوى سراج الإيمان فى القلب، وأَضاءَت جهاته كلها به، وأشرق نوره فى أرجائه، سرى ذلك النور إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعى الإيمان، وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته. فهو كل وقت يترقب داعيه، ويتأهب لموافاته. والله يختص برحمته من يَشاءُ، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
والصبر على الطاعة ينشأُ من معرفة هذه الأسباب ومن معرفة ما تجلبه الطاعة من العواقب الحميدة والآثار الجميلة، ومن أَقوى أسبابها: الإيمان والمحبة، فكلما قوى داعى الإيمان والمحبة فى القلب كانت استجابته للطاعة بحسبه.
وههنا مسألة تكلم فيها الناس، وهى أى الصبرين أفضل صبر العبد عن المعصية، أم صبره على الطاعة؟ فطائفة رجحت الأول وقالت: الصبر عن المعصية من وظائف الصدّيقين، كما قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر، ولا يقوى على ترك المعاصى إلا صدّيق. قالوا: ولأن داعى المعصية أشد من دواعى ترك الطاعة، فإن داعى المعصية إلى [داع أمر] أمر وجودى تشتهيه النفس وتلتذ به، والداعى إلى ترك الطاعة الكسل والبطالة والمهانة، ولا ريب أن داعى المعصية أقوى.
قالوا: ولأن العصيان قد اجتمع عليه داعى النفس والهوى والشيطان وأسباب الدنيا وقرناءُ الرجل وطلب التشبه
[ ٢٧٥ ]
والمحاكاة وميل الطبع، وكل واحد من هذه الدواعى يجذب العبد إلى المعصية ويطلب أثره، فكيف إذا اجتمعت وتظاهرت على القلب؟ فأى صبر أَقوى من صبر عن إجابتها؟ ولولا أَن الله يصبره لما تأْتى منه الصبر.
وهذا القول كما ترى حجته فى غاية الظهور، ورجحت طائفة الصبر على الطاعة بناءً منها على أن فعل المأْمور أَفضل من ترك المنهيات، واحتجت على ذلك بنحو من عشرين حجة. ولا ريب أن فعل المأمورات إنما يتم بالصبر عليها، فإذا كان فعلها أفضل كان الصبر عليها أفضل، وفصل النزاع فى ذلك أن هذا يختلف باختلاف الطاعة والمعصية: فالصبر على الطاعة [العظيمة] الكبيرة أفضل من الصبر عن المعصية الصغيرة الدنية، والصبر عن المعصية الكبيرة أفضل من الصبر على الطاعة الصغيرة، وصبر العبد على الجهاد مثلًا أفضل وأعظم من صبره عن كثير من الصغائر، وصبره عن كبائر الإثم والفواحش أعظم من صبره على صلاة [الضحى]
وصوم يوم تطوعًا ونحوه، فهذا فصل النزاع فى المسألة. والله أعلم.
فصل
والصبر على البلاء ينشأُ من أسباب عديدة:
أحدها: شهود جزائها وثوابها.
الثانى: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها.
الثالث: شهود القدر السابق الجارى بها، وأنها مقدرة فى أُم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاءً.
الرابع: شهوده حق الله عليه فى تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأُمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأْمور بأداء حق الله وعبوديته عليه فى تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.
الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهذا عام فى كل مصيبة دقيقة وجليلة، فيشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذى هو أعظم الأسباب فى دفع تلك المصيبة. قال على بن أبى طالب: ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع بلاءٌ إلا بتوبة.
السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختاره وقسمها وأن العبودية
[ ٢٧٦ ]
..
تقتضى رضاه بما رضى له به سيده ومولاه، فإن لم يوف قدر المقام حقه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدى الحق.
السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هى دواءٌ نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم به، فليصبر على تجرعه، ولا يتقيأْه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلًا.
الثامن: أن يعلم أن فى عُقبى هذا الدواءِ من الشفاءِ والعافية والصحة وزوال الأَلم ما لم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الدواء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأْثيره. قال [الله] تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُم، وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] .
وقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] وفى مثل هذا القائل:
لعلّ عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءَت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه وخلع عليه خلع الإكرام وأَلبسه ملابس الفضل وجعل أولياءَه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجه ونكص على عقبيه طرد وصفع قفاه وأُقصى وتضاعفت عليه المصيبة، وهو لا يشعر فى الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة فى حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة فى حقه صارت نعمًا عديدة.
وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب فى تلك الساعة. والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأَنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخر بالحرمان والخذلان، لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل الْعظيم.
العاشر: أن يعلم أن الله يربى عبده على السراء والضراء، والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته فى جميع الأحوال. فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذى يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به
[ ٢٧٧ ]
وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه، فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته. فلا ريب أن الإيمان الذى يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاءِ والعافية.
فالابتلاء كير العبد [محل] إيمانه: فإما أن يخرج تبرًا أحمر، وإما أن يخرج زغلًا [غضًا]، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية، فلا يزال به البلاءُ حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا فلو علم العبد أن نعمة الله عليه فى البلاءِ ليست بدون نعمة الله عليه فى العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه، اللَّهم أعنِّى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيض له ما يستخرج خبثه ونحاسه وصيره تبرًا خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه فى داره؟ فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر.
فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه بمنه وكرمه.
فصل
المثال السادس: الحزن، قال أبو العباس: "وهو من منازل العوام، وهو انخلاع عن السرور، وملازمة الكآبة لتأَسف عن فائت أو توجع لممتنع. وإنما كان من منازل العوام لأن فيه نسيان المنة، والبقاءَ فى رق الطبع، وهو فى مسالك الخواص حجاب، لأن معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة. فبذلك فليفرحوا.
وقيل: أوحى الله إلى داود: يا داود بى فافرح، وبذكرى فتلذذ، وبمعرفتى فافتخر. فعما قليل أُفرغ الدار من الفاسقين، وأُنزل نقمتى على الظالمين".
اعلم أن الحزن من عوارض الطريق، ليس من مقامات الإيمان ولا من منازل السائرين. ولهذا لم يأْمر الله به فى موضع قط ولا أَثنى عليه، ولا رتب عليه جزاء ولا ثوابًا، بل نهى عنه فى غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِى ضِيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿فَلا تأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦]، وقال: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فالحزن هو بلية من البلايا التى نسأَل الله دفعها وكشفها، ولهذا يقول أهل الجنة:
[ ٢٧٨ ]
﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحزَن﴾ [فاطر: ٣٤]، فحمده على أن أذهب عنهم تلك البلية ونجاهم منها.
وفى الصحيح عن النبى ﷺ أنه كان يقول فى دعائه: "اللَّهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين وغلبة الرجال".
فاستعاذ ﷺ من ثمانية أشياء كل شيئين منها قرينان: فالهم والحزن قرينان، وهما الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم. فالألم الوارد إن كان مصدره فوت الماضى أثر الحزن، وإن كان مصدره خوف الآتى أثر الهم. والعجز والكسل قرينان، فإن تخلف مصلحة العبد وبعدها عنه إن كان من عدم القدرة فهو عجز، وإن كان من عدم الإرادة فهو كسل والجبن والبخل قرينان، فإن الإحسان يفرح القلب ويشرح الصدر ويجلب النعم ويدفع النقم، وتركه يوجب الضيم والضيق ويمنع وصول النعم إليه، فالجبن ترك الإحسان بالبدن، والبخل ترك الإحسان بالمال، [وضلع الدين وغلبة الرجال] قرينان، فإن القهر والغلبة الحاصلة للعبد إما منه وإما من غيره، وإن شئت قلت: إما بحق وإما بباطل من غيره.
والمقصود أن النبى ﷺ جعل الحزن مما يستعاذ منه. وذلك لأن الحزن يضعف القلب ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التى يبتلى العبد بها بغير اختياره، كالمرض والألم ونحوهما، وأما أن يكون عبادة مأْمورًا بتحصيلها وطلبها فلا، ففرق بين ما يثاب عليه العبد من المأمورات، وما يثاب عليه من البليات. ولكن يحمد فى الحزن سببه ومصدره ولازمه لا ذاته، فإن المؤمن إما أن يحزن.. على تفريطه وتقصيره خدمة ربه وعبوديته، وأما أن يحزن على تورّطه فى مخالفته ومعصيه وضياع أيامه وأوقاته.
وهذا يدل على صحة الإيمان فى قلبه وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه، ولو كان قلبه ميتًا لم يحس بذلك ولم يحزن ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام، وكلما كان قلبه أشد حياة كان شعوره بهذا الألم أقوى، ولكن الحزن لا يجدى عليه،
[ ٢٧٩ ]
فإنه يضعفه كما تقدم.
بل الذى ينفعه أن يستقبل السير ويجد ويشمر، ويبذل جهده، وهذا نظير من انقطع عن رفقته فى السفر، فجلس فى الطريق حزينًا كئيبًا يشهد انقطاعه ويحدث نفسه باللحاق بالقوم. فكلما فتر وحزن حدث نفسه باللحاق برفقته، ووعدها إن صبرت أن تلحق بهم، ويزول عنها وحشة الانقطاع. فهكذا السالك إلى منازل الأبرار، وديار المقربين وأخص من هذا الحزن حزنه على قطع الوقت بالتفرقة المضعفة للقلب عن تمام سيره وجده فى سلوكه، فإن التفرقة من أعظم البلاء على السالك، ولا سيما فى ابتداء أمره، فالأول حزن على التفريط فى [الأعمال]، وهذا حزن على نقص حاله مع الله وتفرقة قلبه وكيف صار ظرفًا لتفرقة حاله، واشتغال قلبه بغير معبوده.
وأخص من هذا الحزن حزنه على جزءٍ من أجزاءِ قلبه كيف هو خال من محبة الله؟ وعلى جزءٍ من أجزاءِ بدنه كيف هو منصرف فى غير محاب الله؟ فهذا حزن الخاصة، ويدخل فى هذا حزنهم على كل معارض يشغلهم عما هم بصدده من خاطر أو إرادة أو شاغل من خارج.
فهذه المراتب من الحزن لا بد منها فى الطريق ولكن الكيس [من] لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكرته فيما يدفعها به، فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه وفى حصوله عن الفكرة فى الأسباب التى يدفعها به فأَورثها الحزن، وإن كانت نفسًا كبيرة شريفة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها فإن علمت منه مخرجًا فكرت فى طريق ذلك المخرج وأسبابه وإن علمت أنه لا مخرج منه، فكرت فى عبودية الله فيه. وكان ذلك عوضًا لها من الحزن، فعلى كل حال لا فائدة لها فى الحزن أصلًا والله أعلم.
وقال بعض العارفين: ليست الخاصة من الحزن فى شيء. وقوله [﵀:]: "معرفة الله جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة" كلام فى غاية الحسن، فإن من عرف الله أحبه ولا بد، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، [وانكشفت] عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح وأقبلت إليه وفود التهانى والبشائر من كل جانب، فإنه لا حزن مع الله أبدًا، ولهذا قال [تعالى] حكاية عن نبيه ﷺ أنه قال لصاحبه أبى بكر: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، فدل أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن؟ وإنما الحزن كل الحزن لمن فاته الله، فمن حصل الله له فعلى أى شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأَى شيء يفرح؟ قال تعالى:
[ ٢٨٠ ]
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرح بفضله ورحمته تبع للفرح به سبحانه.
فالمؤمن يفرح بربه أعظم من فرح كل أحد بما يفرح به: من حبيب أو حياة، أو مال، أو نعمة، أو ملك. يفرح المؤمن بربه أعظم من هذا كله، ولا ينال القلب حقيقة الحياة حتى يجد طعم هذه الفرحة والبهجة، فيظهر سرورها فى قلبه ومضرتها فى وجهه، فيصير له حال من حال أهل الجنة حيث لقّاهم الله نضرة وسرورًا.
فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون، فهذا هو العلم الذى شمر إليه أولو الهمم والعزائم، واستبق إليه أصحاب الخصائص والمكارم.
تلك المكارم لا قعبانِ من لبن شيبًا بماءٍ [فماذا] بعد أبوالا
فصل
والمثال السابع: الخوف. قال أبو العباس: "هو الانخلاع عن طمأْنينة الأمن والتيقظ لنداءِ الوعيد، والحذر من سطوة العقاب. وهو من منازل العوام
أيضًا، وليس فى منازل الخواص خوف، لأنه لا أمان للغافل، إنما يعبد مولاه على وحشة من نظره، ونفرة من الأُنس به عند ذكره: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢] .
وأما الخواص أهل الاختصاص، فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذاب فيه عذبًا لأنهم شاهدوا المبتلى فى البلاءِ، والمعذب فى العذاب، فاستعذبوا ما وجدوا فى جنب ما شاهدوا فى ذلك. قال قائلهم:
سقمى فى الحب عاقبتى ووجودى فى الهوى عدمي
وعذاب ترتضون به فى فمى أحلى من النعم
ومن كان مستغرقًا فى المشاهدة حل فى بساط الأُنس، فلا يبقى للخوف بساحته ألم. لأن المشاهد توجب الأُنس، والخوف يوجب القبض".
ثم ذكر حكاية المضروب الذى ضرب مائة سوط فلم يتألم لأجل نظر محبوبه إليه، ثم ضرب سوطًا فصاح لما توارى عنه محبوبه. قال: "وقد قيل فى قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦]، دليل خطابه أن المؤمنين لهم عذاب ولكن ليس بشديد، وإنما كان عذاب الكافرين شديدًا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم، والعذاب على شهود المعذب عذب، والثواب على الغفلة من المعطى صعب فالخوف إذًا من منازل العوام"
[ ٢٨١ ]
والكلام على ما ذكره من وجوه:
أحدها: أن الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التى عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهى: الخوف، والرجاءُ، والمحبة وقد ذكره سبحانه
فى قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تحويلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦- ٥٧]، فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُون عَذَابَهُ)، فذكر الحب والخوف والرجاءَ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأَنتم وهم عبيد له؟ وقد أَمر سبحانه بالخوف منه فى قوله: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فجعل الخوف منه شرطًا فى تحقق الإيمان، وإن كان الشرط داخلًا فى الصيغة على الإيمان فهو المشروط فى المعنى، والخوف شرط فى حصوله وتحققه، وذلك لأن الإيمان سبب الخوف الحاصل عليه، وحصول المسبب شرط فى تحقق السبب كما أن حصول السبب موجب لحصول مسببه، فانتفاءُ الإيمان عند انتفاء الخوف انتفاءٌ للمشروط عند انتفاءِ شرطه، وانتفاءُ الخوف عند انتفاءِ الإِيمان انتفاءٌ للمعلول عند انتفاءِ علته. فتدبره.
والمعنى: إن كنتم مؤمنين فخافونى. والجزاءُ محذوف مدلول عليه بالأول عند سيبويه وأصحابه، أو هو المتقدم نفسه، وهو جزاءٌ وإن تقدم كما هو مذهب الكوفيين.
وعلى التقديرين فأداة الشرط قد دخلت على السبب المقتضى للخوف وهو الإيمان، وكل منهما مستلزم للآخر لكن الاستلزام مختلف، وكل منهما منتف عند انتفاءِ الآخر، لكن جهة الانتفاءِ مختلفة كما تقدم.
والمقصود: أن الخوف من لوازم الإيمان وموجباته فلا يختلف عنه. وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وقد أثنى سبحانه على أقرب عباده إليه بالخوف منه، فقال عن أنبيائه بعد أن أثنى عليهم ومدحهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠]، فالرغب:
[ ٢٨٢ ]
الرجاءُ والرغبة، والرهب: الخوف والخشية، وقال عن ملائكته الذين قد أمنهم من عذابه: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
وفى الصحيح عن النبى ﷺ أنه قال: "إنى أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفى لفظ آخر: "إنى أخوفكم لله وأعلمكم بما أتقى"، وكان ﷺ يصلى ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاءِ، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فكلما كان العبد بالله أعلم كان له أخوف.
قال ابن مسعود: وكفى بخشية الله علمًا. ونقصان الخوف من الله إنما هو لنقصان معرفة العبد به، فأَعرف الناس أخشاهم لله، ومن عرف الله اشتد حياؤه منه وخوفه له وحبه له، وكلما ازداد معرفة ازداد حياءً وخوفًا وحبًا، فالخوف من أَجلّ منازل الطريق، وخوف الخاصة أَعظم من خوف العامة، وهم إليه أحوج، وهو بهم أَليق، ولهم ألزم. فإن العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلًا عن الاستقامة فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف
وهو ينشأ من ثلاثة أُمور:
أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.
والثانى: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.
والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب. فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وبحسب قوتها وضعفها تكون قوة الخوف وضعفه، فإن الحامل على الذنب إما أن يكون عدم علمه بقبحه، وإما عدم علمه بسوءِ عاقبته، وإما أن يجتمع له الأمران لكن يحمله عليه اتكاله على التوبة، وهو الغالب من ذنوب أهل الإيمان، فإذا علم قبح الذنب وعلم سوءَ مغبته وخاف أن لا يفتح له باب التوبة بل يمنعها ويحال بينه وبينها اشتد خوفه. هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد.
وبالجملة فمن استقر فى قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية والتوعد عليها، وعدم الوثوق بإتيانه بالتوبة النصوح هاج فى قلبه من الخوف ما لا يملكه ولا يفارقه حتى ينجو. وأما إن كان مستقيمًا مع الله فخوفه يكون مع جريان الأنفاس، لعلمه بأن الله مقلب القلوب، وما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿، فإن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإِن شاءَ أن يزيغه أزاغه، كما ثبت عن النبى ﷺ، وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب القلوب، لا ومقلب القلوب"، وقال بعض السلف: القلب أشد تقلبًا من القِدْر إذا استجمعت غليانًا. وقال
[ ٢٨٣ ]
بعضهم: مثل القلب فى سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهرًا لبطن. ويكفى فى هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، فأى قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له فى كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أُخرى عليه. فالخوف حشو قلبه، لكن توارى عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاءُ لا إِلَهَ إلا هو.
الوجه الثانى: قوله: "وليس فى منازل الخواص خوف" قد تبين فساده، وأن الخاصة أشد خوفًا [للله] من العامة.
الوجه الثالث: قوله: العاقل يعبد ربه على وحشة من نظره ونفرة من الأُنس به عند ذكره: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ [الشورى: ٢٢]، فهذا إِنما هو وحشة ونفار، وهو غير الخوف، فإن الوحشة إما تنشأُ من عدم الخوف، وأَما الخوف فإنه يوجب هروبًا إلى الله وجمعية عليه وسكونًا إليه، فهى مخافة مقرونة بحلاوة وطمأْنينة وسكينة ومحبة، بخلاف خوف المسيء الهارب من الله فإنه خوف مقرون بوحشة ونفرة فخوف الهارب إليه سبحانه محشو بالحلاوة والسكينة والأُنس لا وحشة معه، وإنما يجد الوحشة من نفسه.
فله نظران: نظر إلى نفسه وجنايته فيوجب له وحشة، ونظر إلى ربه وقدرته عليه وعزه وجلاله فيوجب له خوفًا مقرونًا بأُنس وحلاوة وطمأنينة.
الوجه الرابع: إن استشهاده بقوله: ﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى: ٢٢]، ليس استشهادًا صحيحًا، فإن هذا وصف لحالهم فى الآخرة عند معاينة العذاب أو عند الموت.
فهذا إشفاق مقرون بالاستيحاش، لأنه قد علم أنه صائر إليه كمن قدم إلى العقوبة ورأَى أسبابها، فهو مشفق منها إذا رآها لعلمه بأَنه صائر إليها. فليست الآية من الخوف المأْمور به فى شيء.
الوجه الخامس: أن الخوف يتعلق بالأَفعال، وأَما الحب فإنه يتعلق بالذات والصفات. ولهذا يزول الخوف فى الْجنة، وأما الحب فيزداد.
ولما كان الحب يتعلق
[ ٢٨٤ ]
بالذات كان من أسمائه سبحانه "الودود"، قال البخارى فى صحيحه: "الحبيب"، وأما الخوف فإن متعلقه أفعال الرب [سبحانه] ولا يخرج عن كون سببه جناية العبد، وإن كانت جنايته من قدر الله. ولهذا قال على بن أبى طالب [﵁]: لا يرجونَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ عبد إلا ذنبه.
فمتعلق الخوف ذنب العبد وعاقبته، وهى مفعولات للرب، فليس الخوف عائدًا إلى نفس الذات. والفرق بينه وبين الحب أن الحب سببه الكمال، وذاته تعالى لها الكمال المطلق، وهو متعلق الحب التام.
وأما الخوف فسببه توقع المكروه، وهذا إنما يكون فى الأَفعال والمفعولات. وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يُخاف لا لعلة ولا لسبب، بل كما يخاف السيل الذى لا يدرى العبد من أين يأْتيه. وهذا بناءٌ من هؤلاءِ على نفى محبته سبحانه وحكمته.
وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التى ترجح مثلًا على مثل بلا مرجح، ولا يراعى فيها حكمة ولا مصلحة. وهولاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة، إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة، بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاءُ من تنعيم وتعذيب. وعند هؤلاءِ فالخوف لازم للعبد فى كل حال، أحسن أم أساءَ. وليس [لأفعالهم] تأْثير فى الخوف. وهذا من قلة نصيبهم من المعرفة بالله وكماله وحكمته.
وأين هذا من قول أمير المؤمنين على [﵁] لا يرجونَّ عبد إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه؟ فجعل الرجاءَ متعلقًا بالرب ﷾، لأن رحمته من لوازم ذاته، وهى سبقت غضبه. وأما الخوف فمتعلق بالذنب، فهو سبب المخافة، حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة.
فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة [وهم] معصومون من الذنوب التى هى أسباب المخافة، وشدة خوف النبى ﷺ مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأَخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟ قيل: عن هذا أربعة أجوبة:
الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره.
ونظير هذا فى المشاهد أن [الماثل] بين يدى أحد الملوك المشاهد له أشد خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من [حقوقه] الخدمة وأَدائها بما
[ ٢٨٥ ]
لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد.
ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله ﷺ: "إنى أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفهم قوله ﷺ فى الحديث الذى رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبى ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ".
وليس المراد به لو عذبهم لتصرف فى ملكه- والمتصرف فى ملكه غير ظالم- كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح [وبيان عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن] بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أَتوا. ولهذا قال بعده: "ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أَعمالهم" يعنى أن رحمته لهم [ليست ثمنًا لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم] ليست على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التى يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه، وهو غير ظالم لهم فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقه الذى ينبغى له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم.
فإن قيل: فهم إذا [فعلوا] مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغى له مقدورًا لهم. فكيف يحسن العذاب عليه؟ قيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأْتى به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان. وأيضًا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره كله فى تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم فى حال الترك وفى حال الفعل، ولهذا سأل الصديق النبى، دعاءً يدعو به فى صلاته، فقال له: "قل: اللَّهم إنى ظلمت نفسى ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم"، فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدًا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافى للتجوز والاستعارة، ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره، ثم قال: "فاغفر لى مغفرة من عندك"، أى لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها، وإنما هى من فضلك وإحسانك، لا بكسبى ولا باستغفارى وتوبتى. ثم قال: "وارحمنى" أى
[ ٢٨٦ ]
ليس معولى إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفى ضمنه: إنه لو عذبتنى لعدلت فى ولم يتظلمنى، وإنى لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله ﷺ: "لن ينجى أحدًا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئًا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضى نجاته، وعمله ليس وافيًا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالمًا له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاءً لعمله، ويكون العمل ثمنًا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغى له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياءِ والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله فى العمل له؟ ومن علم هذا علم السر فى كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا. وقال: اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧- ١٨]، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل. قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله.
وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة فى الحج فقال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وشرع رسول الله ﷺ للمتوضيء أن يختم وضوءَه بالتوحيد والاستغفار فيقول: "أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، اللَّهمَّ اجْعَلْنِى مِنَ التَّوَّابِين وَاجْعَلْنِى مِنَ الْمُتَطَهِّرِين"، فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلًا.
الجواب الثانى: أنه لو فرض أن العبد يأْتى بمقدوره كله من الطاعة ظاهرًا وباطنًا، فالذى ينبغى لربه [سبحانه] فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاءِ. والذى أتى به لا يقابل أَقل النعم. فإذا حرم جزاءَ العمل الذى ينبغى
[ ٢٨٧ ]
للرب [سبحانه] من عبده كان ذلك تعذيبًا له، ولم يكن الرب ظالمًا له فى هذا الحرمان.
ولو كان عاجزًا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقًا يستحقه عليه فيكون ظالمًا بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله، بل هى خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معوضة عليه. والله أعلم.
الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله ﷾ هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرءِ وقلبه وأنه تعالى [سبحانه] كل يوم [هو فى] شأْن، يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاءُ ويضل من يشاءُ، ويرفع من يشاءُ ويخفض من يشاءُ، فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم.
وكان من دعاء النبى ﷺ: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك، ومثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك"، وفى الترمذى عنه ﷺ أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحى الذى لا تموت".
وكان من دعائه: "اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطكَ وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ".
فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين. وكأن فى استعاذته منه جمعًا لما فصله فى الجملتين قبله.
فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة وهى كمال التوحيد وأن الذى يستعيذ به [العائد] ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره، فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءًا لم يعذه منه إلا هو. فهو الذى يريد به ما يسوؤه، وهو الذى يريد دفعه عنه. فصار سبحانه مستعاذًا به منه باعتبار الإرادتين: ﴿وَإِنْ يمسسك اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، فهو الذى يمس بالضر، وهو الذى يكشفه، لا إله إلا هو فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأُ منه إليه، كما أَن الاستعاذة منه، فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه. فهو الذى يحركه ويقلبه، ويصرفه كيف يشاءُ.
الجواب الرابع: أن الله ﷾ هو الذى يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذى يجعل الإيمان والهدى فى القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة
[ ٢٨٨ ]
والتفويض وأضدادها والعبد فى كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله فى قلبه وحركات يحركها بها فى طاعته.
وهذا إلى الله ﷾ فهو خلقه وقدره، وكان من دعاءِ النبى ﷺ: "اللَّهم آت نفسى تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وعلم حصين بن المنذر أن يقول: "اللَّهم ألهمنى رشدى وقنى شر نفسى"، وعامة أدعيته ﷺ متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله فى محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاءُ ليس [له] من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب أنه قد خلق له فى الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم أن الله ﷾ يخلقها له فى المستقبل ويلهمه رشده أبدًا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان، ومن هاهنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر.
وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سمانى لك رسول الله ﷺ؟ يعنى فى المنافقين فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدًا" رواه البخارى يعنى لا أفتح على هذا الباب فى سؤال الناس لى، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.
[الوجه الخامس]: قوله: "وأَما الخواص فإنهم جعلوا الوعيد منه وعدًا، والعذاب فيه عذبًا، لأنهم شاهدوا المبتلى والمعذب فاستعذبوا ما وجدوا فى جنب ما شاهدوا" إلى آخر كلامه.
فيقال: هذا الكلام ونحوه من رعونات النفس، ومن الشطحات التى يجب إنكارها. فمن ذا الذى جعل وعيد الله وعدًا، وعقابه ثوابًا وعذابه [عذبًا]؟ وهل هذا إلا إنكار لوعيده وعذابه فى الحقيقة؟ وأى عذاب أشد من عذابه نعوذ بالله منه؟ قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥- ٢٦]، وهذا أظهر فى كل ملة من أن يحتاج إلى الاستدلال عليه.
وإنما ينسب هذا المذهب إلى الملاحدة من القائلين بوحدة الوجود كما قال قائلهم:
[ ٢٨٩ ]
ولم يبق إلا صادق الوعد وحده فما لوعيد الحق عين تعاينُ
وإن دخلوا دار الشقاءِ فإنهم على لذة فيها نعيم مباين
يسمى عذابًا من عذوبة طعمه وذاك له كالقشر والقشر صائن
نعيم جنان الخلد والأمر واحد وبينهما عند التجلى تباين
فهذا القائل خط على تلك النقطة التى نقطها أبو العباس ولعل الكلامين من مشكاة واحدة، وهذا مباين للمعلوم بالاضطرار من دين الرسل وما أخبرت به عن الله وأخبر به على لسان رسله.
فإن قيل: ليس مراده ما ذكرتم وفهمتم من كلامه، وإنما مراده أنه سبحانه إذا ابتلى عبده فى الدنيا فهو لكمال محبته له يتلذذ بتلك البلوى ويعدها نعمة، وليس مراده عذاب الآخرة.
قيل قوله عن الخواص: "أنهم جعلوا الوعيد منه وعدًا" ينفى ما ذكرتم من التأْويل، فإن ابتلاءِ الدنيا غير الوعيد. وأيضًا فإنه فى مقام الخوف ونفيه عن الخاصة محتجًا عليه بأنهم يرون العذاب عذبًا والوعيد وعدًا، فما لهم وللخوف؟ هذا مقصوده من سياق كلامه واحتجاجه عليه بهذا الهذيان الذى يسخر منه العقلاءُ.
بل نحن لا ننكر أن العبد إذا تمكن حب الله فى قلبه حتى ملك جميع أجزائه فإنه قد يتلذذ بالبلوى أحيانًا، وليس ذلك دائمًا ولا أكثريًا، ولكنه يعرض عند هيجان الحب وغلبة الشوق، فيقهر شهود الألم، ثم يراجع طبيعته فيذوق الألم. ولكن أين هذا من جعل الوعيد وعدًا، والعذاب عذبًا؟ وإن أحسن الظن بصاحب هذا الكلام ظن به أَنه ورد عليه وارد من الحب يخيل فى نفسه أن محبوبه إذا توعده كان ذلك منه وعدًا وإن عذَّبه كان عذابه عنده عذبًا لموافقته مراد محبوبه، وهذا خيال فاسد وتقدير فى النفس، وإلا فالحقيقة الخارجية تكذِّب هذا الخيال الباطل.
بل لو صب عليه أدنى شيء من عذابه لصاح واستغاث وطلب العفو والعافية. وحكمة الله تقتضى تعجيز هذه النفوس الجاهلة الرعناءِ الحمقاءِ بأدنى شيء يكون من الألم والوجع، حتى يتبين لها دعاويها الكاذبة، وشطحها الباطل.
وهذا سيد المحبين وسيد ولد آدم استعاذته بالله من عذابه وبلائه وسؤاله عافيته ومعافاته، معلومة فى أدعيته وتضرعه إلى ربه وابتهاله إليه فى ذلك، وهى أكثر وأشهر من أن تذكر ههنا، وإن ما فى سيد المحبين أسوة وقدوة، ولكن قد ابتلى كثير من أهل الإرادة بالشطح، كما ابتلى كثير من أهل الكلام
[ ٢٩٠ ]
بالشك. والمعافى من عافاه الله من هذا وهذا. فنسأل الله عافيته ومعافاته.
[الوجه السادس] قوله: "إن عذاب الكافرين إنما كان شديدًا لأنهم لا يشاهدون المعذب لهم، والمؤمنون يشاهدونه فلم يكن عذابهم شديدًا" وليس كذلك، فإن عذاب الكافرين شديد فى نفسه لغلظ جرمهم وهو الكفر، وهو دائم لا انقطاع له. وأما المؤمنون الذين يعذبون بذنوبهم فعذابهم أضعف من عذاب الكافرين، لأن عذابهم على الذنوب وهى دون الكفر، وهو منقطع.
والآية لم يرد بها إثبات عذاب المؤمنين دون عذاب الكافرين، وإنما سيقت لبيان عذاب الكافرين حسب مفهومها نفى العذاب عن المؤمنين، لا إثبات عذاب غير شديد. والله أعلم.
[الوجه السابع] قوله: "وللخواص الهيبة، وهى أقصى درجة يشار إليها فى غاية الخوف، والخوف يزول بالأمن وينتهى به خوف الشخص على نفسه من العقاب، فإذا أمن العقاب زال الخوف، والهيبة لا تزول أبدًا لأنها مستحقة للرب بوصف التعظيم والإجلال، وذلك الوصف مستحق على الدوام.
وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصدم المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم العائن بصدمة العزة، ومنه قال قائلهم:
أشتاقه، فإذا بدا أطرقت من إجلاله
لا خيفة، بل هيبة وصيانة لجماله
وأصدّ عنه تجلدًا وأَروم طيف خياله
فيقال من العجائب أن المعنى الذى أمر الله به فى كتابه وأَثنى به على خاصة عباده وأقربهم إليه- وهم أنبياؤه ورسله وملائكته- يُجعل ناقصًا من منازل العوام، ويعمد إلى معنى لم يذكره الله ولا رسوله، ولا علق به على المدح والثناءِ فى موضع واحد. فيجعل هو الكمال، وهو للخواص من العباد.
فأين فى القرآن والسنة ذكر الهيبة [والأمر بها ووصف خاصته بها؟ ونحن لا ننكرر أن الهيبة] من لوازم الإيمان وموجباته، ولكن المنكر أن يكون الوصف الذى وصف به أنبياءَه وملائكته ناقصًا والوصف الذى لم يذكره هو الكامل التام، وهذا المعنى المعبر عنه بالهيبة حق، ولكن لم تجيء العبارة عنه فى القرآن والسُّنَّة بلفظ الهيبة، وإنما جاءت بلفظ الإجلال، كقول النبى ﷺ:
[ ٢٩١ ]
"إن من إجلال الله إجلال ذى الشيبه المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه والجافى عنه، والإمام العادل"، فالإجلال هو التعظيم وكذلك الهيبة. يوضح هذا.
[الوجه الثامن]: وهو أن الهيبة والإجلال يجوز تعلقهما بالمخلوق، ما قال النبى ﷺ: "إن من إجلال [الله إجلال] ذى الشيبة المسلم " الحديث.
وقال ابن عباس عن عمر: هبته وكان مهيبًا، وأما الخشية والمخافة فلا تصلح إلا لله وحده، قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوا النَّاسَ وَاخْشَوْن﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] .
فالخوف عبودية القلب فلا تصلح إلا لله [وحده] كالذل والمحبة والإنابة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب، [فكيف] يجعل المهابة المشتركة أفضل منه وأعلى؟ وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾ [النور: ٥٢]، كيف جعل الطاعة لله ولرسوله، والخشية والتقوى له وحده، وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، كيف جعل التوقير والتعزيز للرسول وحده، والتوقير هو التعظيم الصادر عن الهيبة والإجلال.
هذه حقيقته، فعلم أن الخوف من أجلّ مقامات الخواصّ وأنهم إليه أحوج وبه أقوم من غيرهم.
[الوجه التاسع]: قوله: "الخوف يزول بالأمن، والهيبة لا تزول أبدًا إلخ"، فيقال: هذا حق، فإن الخوف إنما يكون قبل دخول الجنة، فإذا دخلوها زال عنهم الخوف الذى كان يصحبهم فى الدنيا وفى عرصات القيامة، وبدلوا به أمنًا، لأنهم قد أمنوا العذاب فزايلهم الخوف منه.
ولكن لا يدل هذا على أنه كان مقامًا ناقصًا فى الدنيا، كما أن الجهاد من أشرف المقامات، وقد زال عنهم فى الآخرة. وكذلك الإيمان بالغيب أجلّ المقامات على الإطلاق، وقد زال فى الآخرة وصار الأمر شهادة. وكذلك الصلاة والحج والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبذل النفس لله، وهى من أشرف الأعمال، وكلها تزول فى الجنة.
وهذا لا يدل على نقصانها فإن الجنة ليست دار سعى
[ ٢٩٢ ]
وعمل، إنما هى دار نعيم وثواب.
الوجه العاشر: أن الخوف إنما زال فى الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأَفعال لا بالذات كما تقدم، وقد أمنهم ما كانوا يخافون منه. فقد أمنوا أن لا يفعلوا ما يخافون منه وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم. ولكن كان الخوف فى الدنيا أنفع لهم فبه وصلوا إلى الأمن التام، فإن الله ﷾ لا يجمع على عبده مخافتين [ولا أمنين]، فمن خافه فى الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه فى الدنيا ولم يخفه أخافه فى الآخرة. وناهيك شرفًا وفضلًا بمقام ثمرته الأمن الدائم المطلق.
الوجه [الحادى عشر]: أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها متعلقة بنفس الذات، وهى موجودة فى دار النعيم. وأما الخوف فإنه إنما زال لأنه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر.
والوسيلة تزول عند حصول الغاية، ولكن زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا يدل على أنها ناقصة. وإذا كانت تلك الغاية لا كمال للعبد بدونها فالوسيلة إليها كذلك.
الوجه [الثانى عشر]: قوله: "وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة، وتصون المشاهد أحيان المشاهدة، وتعصم المعانى بصدمة العزة. فيقال: لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس، ويحملها على بعض الدعاوى والرعونات والأمانى الباطلة وإساءَة الأدب والجناية على حق المحبة.
فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عز جلاله وعظيم سلطانه، انكسرت نفسه له وذلت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصفت من رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة، ولهذا فى الحديث: "يقول الله ﷿: أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أُظلهم فى ظلى يوم لا ظل إلا ظلى"، فقال: "أين المتحابون بجلالى"، فهو حب بجلاله [سبحانه] وتعظيمه ومهابته ليس حبًا لمجرد جماله، فإنه سبحانه الجليل الجميل.
والحب الناشيء عن شهود هذين الوصفين هو الحب النافع الموجب لكونهم فى ظل عرشه يوم القيامة. فشهود الجلال وحده يوجب خوفًا وخشية وانكسارًا، وشهود الجمال وحده يوجب حبًا بانبساط وإدلال ورعونة. وشهود الوصفين معًا يوجب حبًا مقرونًا بتعظيم وإجلال ومهابة.
وهذا هو غاية كمال
[ ٢٩٣ ]
العبد. والله أعلم، وإنشاده هذه الأبيات الثلاثة فى هذا المقام فى غاية القبح، فإن هذا المحب ينفى خوفه من محبوبه [أخر أنه يصد عن محبوتبه] ويعرض عنه إظهارًا للتجلد أمام رقيبه، وذلك قبيح فى حكم المحبة، فإن التذلل للمحبوب وتملقه واستعطافه والانكسار له أَولى بالمحب من تجلده وتعززه كما قيل:
اخضع وذل لمن تحب فليس فى شرع الهوى أنف يشال ويعقد
ثم أخبر أنه يروم طيف خياله، فهو طالب لحظِّه من محبوبه لا لمراد محبوبه منه. فهذا محب لنفسه، وقد جعل طيف محبوبه وسيلة إلى حصول مراده فأَحبه حب الوسائل، بخلاف من قد أحب محبوبه لذات المحبوب ففنى عن مراده هو منه بمراد محبوبه فصار مراده مراد محبوبه، فحصل الاتحاد فى المراد لا فى الإرادة ولا فى المريد، هذا إن كان صبده عنه تجلدًا عليه، وإن كان تجلدًا على الرقيب خوفًا منه، فهو ضعيف المحبة، لأن فيه بقية ليست مع محبوبه بل مع رقيبه، فهلا ملأ الحب قلبه فلم يبق فيه بقية يلاحظ بها الرقيب والعاذل؟ كما قيل:
لا كان من لسواك فيه بقية يجد السبيل بها إليه العذل
وبالجملة فهذه الأبيات ناقصة المعنى لا يصلح الاستشهاد بها [فى هذا المقام] والله أعلم.
فصل
والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطإٍ وصواب؛ ولما كان أبو العباس بن العريف [﵀] قد تعرض لذلك فى كتابه "محاسن المجالس" ذكرنا كلامه فيه وما له وما عليه، ثم ذكر بعد هذا فصلًا فى المحبة وفصلًا فى الشوق، فنذكر كلامه فى ذلك وما يفتح الله به تتميمًا للفائدة ورجاءً للمنفعة، وأن يمن الله العزيز الوهاب بفضله ورحمته ويرقى عبده من العلم إلى الحال، ومن الوصف إلى الاتصاف. إنه قريب مجيب.
قال أبو العباس [﵀]: "وأما المحبة فقد أشار أهل التحقيق فى العبارة عنها، وكل نطق
[ ٢٩٤ ]
بحسب ذوقه، وانفسخ بمقدار شوقه".
قلت: الشيء إذا كان فى الأُمور الوجدانية الذوقية التى إنما تعلم بآثارها وعلاماتها، وكان مما يقع [فيه] التفاوت بالشدة والضعف، وكان له لوازم وآثار وعلامات متعددة، اختلفت العبارات عنه بحسب اختلاف هذه الأشياء.
وهذا شأن المحبة، فإنها ليست- بحقيقة معانيها- ترى بالأبصار، فيشترك الواصفون لها فى الصفة. وهى فى نفسها متفاوتة أعظم تفاوت. كما بين العلاقة التى هى تعلق القلب بالمحبوب، والخلة التى هى أعلى مراتب الحب، وبينهما درجات متفاوتة تفاوتًا لا ينحصر.
ولها آثار توجبها وعلامات تدل عليها، فكل أدرك بعض [آثارها أو بعض] علاماتها فعبر بحسب ما أدركه وهى وراءَ ذلك كله: ليس اسمها كمسماها، ولا لفظها مبين لمعناها. وكذلك اسم المصيبة والبلية والشدة والألم إنما تدل أسماؤها عليها نوع دلالة لا تكشف حقيقتها، ولا تعلم حقيقتها إلا بذوقها ووجودها. وفرق بين الذوق والوجود وبين التصور والعلم. فالحدود والرسوم التى قيلت فى المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها بل هى إشارات وعلامات وتنبيهات.
فصل
قال: "وهى- على الإجمال قبل أن ننتهى إلى التفصيل- وجود تعظيم فى القلب يمنع الانقياد لغير [المحبوب] ". فيقال: هذا التعظيم المانع من الانقياد لغير المحبوب هو أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها، لا أنه نفس المحبة. فإن المحبة إذا كانت صادقة أَوجبت للمحب تعظيمًا لمحبوبه يمنعه من انقياده إلى غيره.
وليس مجرد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره بل التعظيم المقارن للحب هو الذى يمنع من الانقياد إلى غير [المحبوب فإن التعظيم إذا كان مجرد عن الحب لم يمنع انقياد القلب إلى غير] المعظم. وكذلك إذا كان الحب خاليًا عن التعظيم [لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه فإذا اقترن الحب بالتعظيم] وامتلأَ القلب بهما امتنع انقياده إلى غير المحبوب.
والمحبة المشتركة ثلاثة أنواع:
أحدها: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام والظمآن للماء وغير ذلك، وهذه لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثانى: محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل ونحوها، وهذه أيضًا لا تستلزم التعظيم.
والنوع الثالث: محبة أُنس وإلف، وهى محبة المشتركين- فى صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر- بعضهم بعضًا وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا.
فهذه الأنواع الثلاثة هى المحبة التى تصلح
[ ٢٩٥ ]
للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركًا فى محبة الله سبحانه.
ولهذا "كان رسول الله ﷺ يحب الحلواءَ [و] العسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب نساءه، وكانت عائشة ﵂ أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق [﵁] .
وأما المحبة الخاصة التى لا تصلح إلا لله وحده ومتى أحب العبد بها غيره كان شركًا لا يغفره الله، فهى محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة وإيثاره على غيره.
فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا، وهى التى سوَّى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأصح القولين أن المعنى يحبونهم كما يحبون الله. وسوُّوا بين الله وبين أندادهم فى الحب. ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشدُّ حُبًّا لله﴾ [البقرة: ١٦٥] فإن الذين آمنوا وأَخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما المشركون فلم يخلصوا لله.
والمقصود من الخلق والأَمر إنما هو هذه المحبة وهى أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن الذى إذا مات عليه دخل الجنة اعترافه وإقراره بهذه المحبة وإفراد الرب [تعالى] بها، فهو أول ما يدخل به فى الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله؛ وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها من الشوائب والعلل؛ فهى قطب رحى السعادة، وروح الإيمان وساق شجرة الإسلام، ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد.
فالكتاب هاد إليها ودال عليها ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها وأشرك فيها مع الله غيره، ولأجلها خلقت الجنة النار، فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده فأخلصهم لها، والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره وسوى بينه وبين الله فيها، كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون فى النار لآلهتهم: ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِى ضَلالِ مُبِين إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧-٩٨]، وهذه التسوية لم تكن منهم فى الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله سبحانه فى أفعاله وصفاته، وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها فى المحبة والعبودية [فقط] مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها، فتصحيح هذه [المسألة] هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله، فحقيق لمن نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة
[ ٢٩٦ ]
علمًا وعملًا وحالًا وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله.
فإن الشأن كله فيها والمدار عليها والسؤال يوم القيامة عنها، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢- ٩٣]، قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله"، وهذا حق.
فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها، قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالسؤال عمّاذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عمَّاذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها، فعاد الأمر كله إليها.
وأمر هذا شأْنه حقيق بأن تنعقد عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر ولا يؤخذ بأطراف الأنامل، ولا يطلب على فضله، بل يجعل هو المطلب الأعظم وما سواه إنما يطلب على الفضلة. والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه.
فصل
قال: "وقيل: المحبة إيثار المحبوب على غيره" وهذا الحد أيضًا من جنس ما قبله، فإن إيثار المحبوب على غيره موجب المحبة ومقتضاها، فإذا استقرت المحبة فى القلب استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها وصحتها، فإذا آثر غير المحبوب عليه لم يكن محبًا له، وإن زعم أنه محب فإنما هو محب لنفسه ولحظه ممن يحبه، فإذا رأى حظًا آخر هو أحب إليه من حظه الذى يريده من محبوبه آثر ذلك الحظ المحبوب إليه.
فهذا موضع يغلط فيه الناس كثيرًا إذ أكثرهم إنما هو يحب لحظِّه ومراده، فإذا علم أنه عند غيره أحب ذلك الغير حب الوسائل لا حبًا له لذاته، ويظهر هذا عند حالتين:
إحداهما: أنه يرى حظًا له آخر عند غيره فيؤثر ذلك الحظ ويترك محبوبه.
الثانية: أنه إذا نال ذلك الحظ من محبوبه فترت محبته وسكن قلبه وترحل قاطن المحبة من قلبه، كما قيل: من ودَّك لأمر ولَّى عند انقضائه. فهذه محبة مشوبة بالعلل.
بل المحبة الخالصة أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته. وأن الذى يوجب هذه المحبة فناءُ العبد عن إرادته لمراد محبوبه، فيكون عاملًا على مراد محبوبه منه لا على مراده هو من محبوبه. فهذه هى المحبة الخالصة من
[ ٢٩٧ ]
..
درن العلل وشوائب النفس، وهى التى [تستلزم إيثار المحبوب على غيره ولا بد وكلما كان سلطان هذه المحبة أقوى كان هذا الإيثار أتم] تتزايد، وفى مثل هذا قيل:
تعصى الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمرك فى القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته إِن المحب لمن يحب مطيع
وهاهنا دقيقة ينبغى التفطن لها، وهى أن إيثار المحبوب نوعان: إيثار معاوضة ومتاجرة، وإيثار حب وإرادة.
فالأول: يؤثر محبوبه على غيره طلبًا لحظه منه، فهو يبذل ما يؤثره ليعاوضه بخير منه.
والثانى: يؤثره إجابة لداعى محبته، فإن المحبة الصادقة تدعوه دائمًا إلى إيثار محبوبه، فإيثاره هو أجلّ حظوظه، فحظه فى نفس الإيثار لا فى العوض المطلوب بالإيثار، وهذا لا تفهمه إلا النفس اللطيفة الورعة المشرقة، وأما النفس الكثيفة فلا خبر عندها من هذا، وما هو بعشها فتلدرج.
والدين كله والمعاملة فى الإيثار، فإنه تقديم وتخصيص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، حتى [قيل] أن من شرطه الاحتياج من جهة المؤثر، إذ لو لم يكن محتاجًا إليه لكان بذله سخاءً وكرمًا.
وهذا إنما يصح فى إيثار المخلوق، والله سبحانه يؤثر عبده على غيره من غير احتياج منه سبحانه فإنه الغنى الحميد، وفى الدعاء المرفوع: "اللَّهم زدنا ولا تنقصنا، وأعطنا ولا تحرمنا وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنا".
وقيل: من آثره الله على غيره آثره الله على غيره. والفرق بين الإيثار والأثرة أن الإيثار تخصيص الغير بما تريده لنفسك والأثرة اختصاصك به على الغير، وفى الحديث: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا".
فإذا عرف هذا، فالإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق. وإن تعلق بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضم لك دينًا ولا يسد عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا.
فإن كان فى إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحدًا كائنًا من كان.
وهذا فى غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه. فإن الإيثار المحمود الذى أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفَسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
[ ٢٩٨ ]
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .
فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذى إذا وقى الرجل الشح به كان من المفلحين، وهذا إنما هو فضول الدنيا لا الأوقات المصروفة فى الطاعات.
فإن الفلاح كل الفلاح فى الشح بها فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض [عيانًا] مفلسًا، فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأْس ماله.
ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة فى أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] [المائدة: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]، وقال النبى ﷺ: "لو يعلم الناس ما فى النداءِ والصف الأول لكانت قرعة". والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًا للإيثار، بل محلًا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاءُ: لا يستحب الإيثار بالقربات والسر فيه- والله أعلم- أن الإيثار إنما يكون بالشيء الذى يضيق عن الاشتراك فيه، فلا يسع المؤثر والمؤثر، بل لا يسع إلا أحدهما، وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلفة فى الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم، وإن قدِّر التزاحم فى عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع- بحيث إذا فعله واحد فات على غيره، فإن فى العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله كما ثبت عن النبى ﷺ فى غير حديث، فإذا قدر فوت مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله.
وأيضًا فإنه إذا فات عليه كان فى غيره من الطاعات والقربات عوض منه: إما مساوٍ له، وإما أَزيد، وإما دونه. فمتى أتى بالعوض وعلم الله من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ثوابه وثواب ما تعوض [به عنه فجمع له الأمرين. وذلك فضلا الله يؤتيه] من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم.
وأَيضًا فإن المقصود رغبة العبد فى التقرب إلى الله، وابتغاء الوسيلة إليه والمنافسة فى محابه، والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه وتركه له، وعدم المنافسة فيه، وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه إذا كان أخوه محتاجًا إليه، فإذا اختص به أحدهما فات الآخر، فندب الله [سبحانه] عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرًا
[ ٢٩٩ ]
على الإيثار به ما لم يخرم عليه دينًا، أو يجلب له مفسدة، أو يقطع عليه طريقًا عزم على سلوكه إلى ربه، أو شوش عليه قلبه، بحيث يجعله متعلقًا بالخلق، فمفسدة إيثار هذا أرجح من مصلحته، فإذا ترجحت مصلحة الإيثار، بحيث تتضمن إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ضرورة- وليس للمؤثر نظيرها- تعين عليه الإيثار، فإن كان به نظيرها لم يتعين عليه الإيثار، ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاءِ والإحسان، فإنه من آثر حياة غيره على حياته وضرورته على ضرورته فقد استولى على أَمد الكرم والسخاء وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ.
وفى هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ذكرها. فإن قيل: فما الذى يسهل على النفس هذا الإيثار، فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟ قيل: يسهله أُمور:
أحدها: رغبة العبد فى مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله. والأخلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خلق الفضل. وخلق القسمة والتسوية، وهو خلق العدل. وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم. فصاحب الإيثار محبوب مطاع مهيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه ولكنها لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها، وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه أسرع من السيل فى حدوره. وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار؟ فإن النفوس لا صبر لها عليه. ولهذا أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأْثروا عليهم، لما فى طاعة المستأْثر من المشقة [والكره] .
الثانى: النفرة من أخلاق اللئام، ومقت الشح وكراهته له.
الثالث: تعظيم الحقوق التى جعلها الله ﷾ للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه
[ ٣٠٠ ]
الوقوف مع حده، فإن ذلك عسر جدًا، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو [لخوفه] من تضييع الحق والدخول فى الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره ويكتسب به جميل الذكر فى الدنيا وجزيل الأجر فى الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عليه، فيعود عليه من إيثاره أفضل مما بذله. ومن جرب هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقر أحوال العالم. والموفق من وفقة الله ﷾
فصل
والإيثار المتعلق بالخالق أجل من هذا وأفضل، وهو إيثار [رضاه على] رضى غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له [و] الخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره. وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوب له، وهذا آثر الله على غيره ونفسه من أعظم الأغيار. فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله.
وعلامة هذا الإيثار شيئان، أحدهما: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه، الثانى: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه، فبهذين الأَمرين يصح مقام الإيثار، ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعى العادة والطبع، فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة، ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى، وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المنحة، ويحمل فيه خطرًا يسيرًا لملك عظيم وفوز كبير، فإن ثمرة هذا فى العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال، ويسير منه يرقى العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه فى المدد المتطاولة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ، ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار.
والذى يسهله على العبد أُمور: أحدها: أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية، بل تنقاد معه بسهولة. الثانى: أن يكون إيمانه راسخًا ويقينه قويًا، فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته. الثالث: قوة صبره وثباته.
فبهذه الأمور الثلاثة الأُمور ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه. والنقص والتخلف فى النفس عن هذا يكون من أمرين: أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك، بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر، وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات، فلا
[ ٣٠١ ]
يتخلص له رؤيتها وعيانها، الثانى أن تكون القريحة وقادة دراكة، لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره، فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض، كلما ساقه خطوة وقف خطوة، أو كسوق الطفل الصغير الذى تعلقت نفسه بشهواته ومأْلوفاته، فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرهًا. فإذا رزق العبد قريحة وقادة، وطبيعة منقادة: إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين، [وأُيد] مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ، أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب.
ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة ﵃، وكملها الله لهم بنور الإسلام وقوة اليقين ومباشرة الإيمان لقلوبهم، كانوا أفضل العالمين بعد الأنبياء والمرسلين وكان من بعدهم لو أنفق مثل جبل أُحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه.
ومن تصور هذا الموضع حق تصوره علم من أين يلزمه النقص والتأخر، ومن أين يتقدم [ويتأخر] ويترقى فى درجات السعادة وبالله التوفيق. والله أعلم.
فصل
[عود لمعرفة حدود المحبة]
قال: "وقيل: المحبة موافقة المحبوب فيما ساءَ وسر، ونفع وضر، كما قيل:
وأَهنتنى فأَهنتُ نفسى صاغرًا ما من يهون عليك ممن أُكرم
فيقال: وهذا الحد أيضًا [من] جنس ما قبله، فإن موافقة المحبوب من موجبات المحبة وثمراتها، وليست نفس المحبة، بل المحبة تستدعى الموافقة، وكلما كانت المحبة أقوى كانت الموافقة أتم، قال الله تعالى: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، قال الحسن: قال قوم على عهد النبى ﷺ: إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال الجنيد: ادَّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: ﴿قُل إِن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١]،
[ ٣٠٢ ]
يعنى أن متابعة الرسول هى موافقة حبيبكم، [فإنه] المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه [وهى قوله] [فمتابعته موافقة لله فى فعل ما يحب وترك ما يكره] .
وقال مالك فى هذه الآية: من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلًا على محبته لأن من أحب حبيبًا فلا بد أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محبًا له محبة صادقة، بل تخلف ذلك عنه وإلا لم يكن [محبًا] له، بل يكون محبًا لمراده [أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد] فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة المدخولة الفاسدة، وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه.
ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة، وهى أن موافقة المحبوب فى مراده ليس المعنى بها مراده الخلقى الكونى، فإن كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته فى هذا المراد هى محبته لم يكن له عدو أصلًا، وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءَه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه، الذين يسوون بين أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفسِدِينَ فِى الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّار﴾ [ص: ٢٨]، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئَاتِ أَنْ نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ، سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلَ المُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥- ٣٦] [فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين]، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكونى والمشيئة العامة.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية [قدس الله روحه] يقول: قال لى بعض شيوخ هؤلاءِ المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، والكون كله مراده، فأى شيء أبغض منه"، قال: فقلت له: فإذا كان المحبوب قد أبغض بعض ما فى الكون، فأبغض قومًا ومقتهم ولعنهم وعاداهم فأحببتهم أنت وواليتهم، تكون مواليًا للمحبوب موافقًا له، أو مخالفًا له معاديًا له؟ قال: فكأنما أُلقم حجرًا. ويبلغ الجهل والكفر ببعض هؤلاءِ إلى حد بحيث إذا فعل محظورًا يزعم أنه مطيع لله ﷾، ويقول
[ ٣٠٣ ]
أَنا مطيع لإرادته، وينشد فى ذلك:
أصبحتُ منفعلًا لما يختاره منى ففعلى كله طاعات
ويقول أحدهم: إبليس وإن عصى الأمر، لكنه أطاع الإرادة، يعنى أن فعله طاعة لله من حيث موافقة إرادته، وهذا انسلاخ من ربقة العقل والدين، وخروج عن الشرائع كلها، فإن طاعة الله إنما هى موافقة الأمر الدينى الذى يحبه الله ويرضاه، وأما دخوله تحت القدر الكونى الذى يبغضه ويسخطه ويكفر فاعله ويعاقبه، فهى المعصية والكفر ومعاداته ومعاداة دينه. ولا ريب أن المسرفين على أنفسهم المنهمكين فى الذنوب والمعاصى المعترفين بأنهم عصاة مذنبون أقرب إلى الله من هؤلاءِ العارفين المنسلخين عن دين الأنبياءِ كلهم، والذين لا عقل لهم ولا دين فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه:
أما البيت الذى استشهد به فهو من أبيات لأبى الشيص من قصيدة يقول فيها:
وقف الهوى بى حيث أنت فليس لى متأخر عنه ولا متقدم
وأهنتنى فأَهنت نفسى جاهدًا ما من يهون عليك ممن يكرم
أشبهت أعدائى فصرت أحبهم إذ كان حظى منك حظى منهم
أجد الملامة فى هواك لذيذة حبًا لذكرك فلْيلُمنى اللوم
وقد ناقض فيها فى دعواه مناقضة بينه، فإنه أخبر أن هواه قد صار وقفًا عليها لا يزول ولا يتحول بتقدم ولا تأخر، ثم أخبر أنه قد بلغ به حبها وهواها إلى أن صار مرادها من نفسه غير مراده هو، فلما أرادت إهانته بالصد والهجران والبعد سعى هو فى إهانة نفسه بجهده موافقة لها فى إرادتها، فصارت إهانته لنفسه مرادة محبوبة له من حيث هى مرادة محبوبة لها، وزعم أنه لو أكرم نفسه لكان مخالفًا لمحبوبته مكرمًا لمن أهانته.
ثم نقض هذا الغرض من حيث شبهها بأعدائه الذين هم أبغض شيء إليه. ووجه هذا التشبيه أنه لم يحصل منها من حظه ومراده على شيء، بل الذى يحصل له منها مثل ما يحصل له من أعدائه [من إهانتهم له وأذاه فصار حظه منها ومن أعدائه] واحدًا، فصارت شبيهة [بهم]، فأين هذا من الموافقة التامة لها فى مرادها، بحيث يهين نفسه لمحبتها فى إهانته؟ ثم أخبر أن له منها حظًا مرادًا وأن ذلك الحظ الذى يريده لم يحصل له،
[ ٣٠٤ ]
وإنما حصل له منه نظير ما يحصل له من أعدائه.
وهذه شكاية فى الحقيقة وإخبار عن [محبه معلول] بالحظ، وشكاية للحبيب بتفويته عليه [ثم إنه أخبر عن جناية أخرى وهى أنه شرك بينها وبين أعدائه] فى حبه لها، فصار حبه منقسمًا بعضه له وبعضه لأعدائه لشبههم إياها، ثم إن فى الشعر جناية أُخرى عليها وهو أنه شبهها بمن جبلت القلوب على بغضه وهو العدو، واللائق تشبيه الحبيب بما هو أحب الأشياء إلى النفس كالسمع والبصر والحياة والروح والعافية، كما هو عادة الشعراءِ والناس فى نظمهم ونثرهم كما هو معروف بينهم وهو جادة كلاهم.
ثم أخبر بمحبته لأعدائه لشبههم بها، فتضمن كلامه معاداة من يحبه ومحبة من يعاديه، فإنها إذا أشبهت أعداءه لزم أن يحصل لها نصيب من معاداته وإذا أشبهها أعداؤه لزم أن يحصل لهم نصيب من محبته كما صرح به فى جانبهم وترك التصريح فى جانبها، وهو مفهوم من كلامه، ثم أخبر أنه يلتذ بملامة اللوام فى هواها لما يتضمن من ذكراها، وهذا يدل على قوة محبتها وسماع ذكرها، وهذا غرض صحيح مع أنه مدخول أيضًا، فإن محبوبته قد تكره ذلك لما يتضمن من فضيحتها به وجعلها مضغة للماضغين، فيكون محبًا لنفس ما تكرهه، وهذه محبة فاسدة معلولة ناقضة [لدعواه] موافقتها فى محابها.
فصل
قال: "وقيل: المحبة القيام بين يديه وأنت قاعد، ومفارقة المضجع وأنت راقد، والسكوت وأنت ناطق، ومفارقة المأْلوف والوطن وأنت مستوطن".
فيقال: وهذا أيضًا أثر من آثار المحبة وموجب من موجباتها وحكم من أحكامها. وهو صحيح، فإن المحبة توجب سفر القلب نحو المحبوب دائمًا، والمحبة وطنه وتوجب مثوله وقيامه بين يدى محبوبه وهو قاعد، وتجافيه عن مضجعه ومفارقته إياه وهو فيه راقد، وفراغه لمحبوبه كله وهو مشغول فى الظاهر بغيره. كما قال بعضهم:
وأُديم نحو محدثى ليرى أن قد عقلت وعندكم عقلي
وقال بعض المريدين لشيخه: أيسجد القلب بين يدى الله؟ فقال: نعم سجدة لا يرفع رأْسه منها إلى يوم القيامة. فهذه سجدة متصلة بقيامه وقعوده وذهابه ومجيئه وحركته وسكونه.
وكذلك يكون جسده فى مضجعه وقلبه قد قطع المراحل مسافرًا إلى حبيبه، فإذا أخذ مضجعه اجتمع عليه حبه وشوقه، فيهزه المضجع إلى مسكنه. كما
[ ٣٠٥ ]
قال الله تعالى فى حق المحبين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَعَمًا﴾ [السجدة: ١٦]، فلما تجافت جنوبهم عن المضاجع جافت الجنوب عنها واستخدمتها وأمرتها فأطاعتها. وقال القائل:
نهارى نهار الناس، حتى إذا بدا لى الليل هزتنى إليك المضاجع
ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأَى الشيطان واقفًا ببابه لا يستطيع دخوله فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلى. فقال له: أيمنعك هذا المصلى من دخوله؟ فقال: كلا، إنما يمنعنى ذلك الأسد الرابض، ولولا مكانه لدخلت.
وبالجملة فقلب المحب دائمًا فى سفر لا ينقضى نحو محبوبه، كلما قطع مرحلة له ومنزلة تبدّت له أُخرى كما قيل: "إذا قطعت علمًا بدا علم"، فهو مسافر بين أهله، وظاعن وهو فى داره، وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته، ويرى كل أحد عنده ولا يرى نفسه عند أحد. فقوة تعلق المحب [بمحبوبه] توجب له أن لا يستقر قلبه دون الوصول إليه، وكلما هدأَت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شئون قلبه، بل قوى سيره إلى محبوبه.
ومحك هذا الحال يظهر فى مواطن أربعة:
أحدها: عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه الشواغل، واجتماع قلبه على ما يحبه. فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به.
الموطن الثانى: عند انتباهه من النوم، فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه. [فإنه] إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذى كان قد غاب عنه فى النوم. ولكن كان قد خالط روحه وقلبه، فلما ردت إليه الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلًا بها، مصاحبًا لها.
فورد عليه قبل كل وارد، وهجم عليه قبل كل طارق. فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتليء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها، فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما فى قلبه من الحب.
فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غرامًا، وهو الحب اللازم الذى لا يفارق: فسمع بمحبوه وأبصر به وبطش به ومشى به، فصار [محبوبه فى وجوده فى] محل سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها،
[ ٣٠٦ ]
ورجله التى يمشى بها. هذا مثل محبوبه فى وجوده وهو غير متحد به، بل هو قائم بذاته مباين له.
وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب، أو قليل العلم، ضعيف العقل، يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره، فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت فيه، فينشأُ من قسوة الأول وكثافته غلظ حجاب، ومن قله علم الثانى ومعرفته وضعف تمييزه ضلال الحلول والاتحاد وضلال الإنكار والتعطيل والحرمان، ويخرج [للبصير] من بين فرث هذا ودم هذا لبن الفطرة الأُولى خالصًا سائغًا للشاربين.
الموطن الثالث: عند دخوله فى الصلاة، فإنها محك الأحوال وميزان الإيمان، بها يوزن إيمان الرجل [و] يتحقق حاله ومقامه ومقدار قربه من الله ونصيبه منه، فإنها محل المناجاة والقربة ولا واسطة فيها بين العبد وبين ربه، فلا شيء أقر لعين المحب ولا ألذ لقلبه ولا أنعم لعيشه منها [إن] كان محبًا فإنه لا شيء آثر عند المحب ولا أطيب له من خلوته بمحبوبه ومناجاته له ومثوله بين يديه، وقد أقبل [بقلبه على محبوبه]، وكان قبل ذلك معذبًا بمقاساة الأغيار ومواصلة الخلق والاشتغال بهم فإذا قام إلى الصلاة هرب من سوى الله إليه وآوى عنده واطمأن بذكره وقرت عينه بالمثول بين يديه ومناجاته، فلا شيء أهم إليه من الصلاة، كأنه فى سجن وضيق وغم حتى تحضر الصلاة فيجد قلبه قد انفسخ وانشرح واستراح، كما قال النبى ﷺ لبلال: "يا بلال، أرحنا بالصلاة"، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المبطلون الغافلون.
وقال بعض السلف: ليس بمستكمل الإيمان من لم يزل فى هم وغم حتى تحضر الصلاة فيزول همه وغمه، أو كما قال. فالصلاة قرة عيون المحبين وسرور أرواحهم، ولذة قلوبهم، وبهجة نفوسهم، يحملون هم الفراغ منها إذا دخلوا فيها كما يحمل الفارغ البطال همها حتى يقضيها بسرعة، فَلَهُمْ فيها شأْن وللنفَّارين شأْن، يشكون إلى الله سوءَ صنيعهم بها إذا ائتموا بهم، كما يشكوا الغافل [وللنقارين شأن يشكون إلى الله سوء صنيعهم بها إذا ائتموا بهم كما يشكوا] المعرض تطويل إمامه، فسبحان من فاضل بين النفوس وفاوت بينها هذا التفاوت العظيم. وبالجملة فمن كان قرة عينه فى الصلاة فلا شيء أحب إليه ولا أنعم عنده منها، ويودّ أَن لو قطع عمره بها غير مشتغل بغيرها، وإنما يسلى نفسه إذا فارقها بأنه سيعود إليها عن قرب فهو دائمًا يثوب إليها ولا يقضى منها وطرًا،
[ ٣٠٧ ]
..
فلا يزنُ العبد إيمانه ومحبته لله بمثل ميزان الصلاة، فإنها الميزان العادل، الذى وزنه غير عائل.
الموطن الرابع: عند الشدائد والأهوال، فإن القلب فى هذا الموطن لا يذكر إلا أحب الأشياء إليه، ولا يهرب إلا إلى محبوبه الأعظم عنده. ولهذا كانوا يفتخرون بذكرهم من يحبونهم عند الحرب واللقاءِ، وهو كثير فى أشعارهم كما قال:
ذكرتك والخطى يخطر بيننا وقد نهلت منى المثقفة السمر
وقال غيره:
ولقد ذكرتك والرماح كأنها أَشطان بئر فى لبان الأَدهم
وقد جاءَ فى بعض الآثار: يقول ﵎: "إن عبدى كل عبدى الذى يذكرنى وهو ملاق قرنه"، والسر فى هذا- والله أعلم- أن عند مصائب الشدائد والأهوال يشتد خوف القلب من فوات أحب الأشياءِ إليه، وهى حياته التى لم يكن يؤثرها إلا لقربه من محبوبه، فهو إنما يحب حياته لتنعمه بمحبوبه، فإذا خاف فوتها بدر إلى قلبه ذكر المحبوب الذى يفوت بفوات حياته.
ولهذا- والله أعلم- كثيرًا ما يعرض للعبد عند موته لهجه بما يحبه وكثرة ذكره له، وربما خرجت روحه وهو يلهج به. وذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب "المحتضرين" عن زفر [﵀] أنه جعل يقول عند موته: لها ثلاثة أخماس الصداق، لها ربع الصداق، لها كذا ومات، لامتلاءِ قلبه من محبة الفقه والعلم، وأيضًا فإنه عند الموت تنقطع شواغله وتبطل حواسه فيظهر ما فى القلب ويقوى سلطانه، فيبدو ما فيه من غير حاجب ولا مدافع. وكثيرًا ما سمع من بعض المحتضرين عند الموت: شاه مات، وسمع من آخر بيت شعر لم يزل يغنى به حتى مات وكان مغنيًا، وأخبرنى رجل عن قرابة له أنه حضره عند الموت- وكان تاجرًا يبيع القماش- قال: فجعل يقول: هذه قطعة جيدة هذه على قدرك، هذه مشتراها رخيص يساوى كذا وكذا حتى مات.
والحكاية فى هذا كثيرة جدًا، فمن كان مشغولًا بالله وبذكره ومحبته فى حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عند خروج روحه إلى الله، ومن
[ ٣٠٨ ]
كان مشغولًا بغيره فى حال حياته وصحته فيعسر عليه اشتغاله بالله وحضوره معه عند الموت ما لم تدركه عناية من ربه، ولأجل هذا كان جديرًا بالعاقل أن يلزم قلبه ولسانه ذكر الله حيثما كان لأَجل تلك اللحظة التى إن فاتت شقى شقاوة الأبد. فنسأَل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
فصل
وقد قيل فى المحبة حدود كثيرة غير ما ذكره أبو العباس، فقيل: المحبة ميل القلب إلى محبوبه. وهذا الحد لا يعطى تصور حقيقة المحبة. فإن المحبة أَعرف عند القلب من الميل. وأيضًا فإن الميل لا يدل على حقيقة المحبة.
فإنها أخص من مجرد ميل القلب، إذ قد يميل قلب العبد إلى الشيء ولا يكون محبًا له لمعرفته بمضرته له، فإن سمى هذا الميل محبة فهو اختلاف عبارة. وقيل: المحبة علم المحب بجمال المحبوب ومحاسنه. وهذا حد قاصر، فإن العلم بجماله ومحاسنه هو السبب الداعى إلى محبته، فعبر عن المحبة بسببها. وقيل: المحبة تعلق القلب بالمحبوب. وقيل: انصباب القلب إلى المحبوب. وقيل: سكون القلب إليه. وقيل: اشتغال القلب بالمحبوب، بحيث لا يتفرغ قلبه لغيره. وقيل: المحبة بذل المجهود فى معرفة محبوبك، وبذل المجهود فى مرضاته. وقيل: هيجان القلب عند ذكر المحبوب، وقيل: شجرة تنبت فى القلب تسقى بماء [الموافقة]، وإيثار رضى المحبوب. وقيل: المحبة حفظ الحدود، فليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده. وقيل: المحبة إرادة لا تنقص بالجفاءِ ولا تزيد بالبر [وقيل: فطام والجوارح عن إستعمالها فى غير مرضاة المحبوب] وقيل: المحبة هى السخاءُ بالنفس للمحبوب وقيل: المحبة أن لا يزال عليك رقيب من المحبوب لا يمكنك من الانصراف عنه أبدًا. وأنشد فى ذلك:
أبت غلبات الشوق إلا تقربًا إِليك، ويأْبى العذل إلا تجنبًا
وما كان صدى عنك صد ملامة ولا ذلك الإعراض إلا تقربا
وما كان ذاك العذل إلا نصيحة ولا ذلك الإغضاءُ إلا تهيبًا
على رقيب منك حل بمهجتى إذا رمت تسهيلًا على تصعبًا
وقيل: المحبة سقوط كل محبة من القلب سوى محبة حبيبك، وقيل: المحبة صدق المجاهدة فى أوامر الله، وتجريد المتابعة لسنة رسول الله؟ ﷺ. وقيل: المحبة أن
[ ٣٠٩ ]
يفتر من ذكره، [ولا يمل من حقه] ولا يأْنس بغيره.
وقال أبو يزيد: المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك. وقيل: المحبة أن يميتك حبيبك وتحيا به. وقال أبو عبد الله القرشى: المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء. وقيل: أن تمحو من قلبك ما سوى المحبوب، وقيل: المحبة نسيان حظك من محبوبك وفقرك بكلك إليه.
وقال النصر أباذى: المحبة مجانبة السلوّ على كل حال. وقال الحارث بن أسد: المحبة ميلك إلى المحبوب بكليتك، ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرًا وجهرًا، ثم علمك بتقصيرك فى حبه.
وقيل: المحبة سكر لا يصحو إلا بمشاهدة المحبوب. وقيل: المحبة إقامتك بالباب على الدوام. وقيل: المحبة حرفان: حاءٌ، وباءٌ. فالحاءُ الخروج عن الروح، وبذلها للمحبوب، والباءُ الخروج عن البدن وصرفه فى طاعة المحبوب.
وقال أبو عمر الزجاجى: سألت الجنيد عن المحبة فقال: تريد الإشارة؟ قلت: لا. قال: تريد الدعوى؟ قلت: لا. قال: فإيش تريد؟ قلت: عين المحبة، فقال: أن تحب ما يحب الله فى عباده، وتكره ما يكرهه الله فى عباده. وقيل: المحبة معية القلب والروح مع المحبوب معيةً لا تفارقه، فإن المرءَ مع من أحب، وقد قيل فى المحبة حدود أكثر من هذا وكل هذا تعن، ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة، ولا أقرب إلى الفهم من لفظها.
وأما ذكر الحدود والتعريفات فإنما يكون عند حصول الإشكال والاستعجام على الفهم، فإذا زال الإشكال وعدم الاستعجام، فلا حاجة إلى ذكر الحدود والتعريفات، كما قال بعض العارفين: إن كل لفظ يعبر به عن الشيء فلا بد أن يكون ألطف وأرق منه. والمحبة ألطف وأرق من كل ما يعبر به عنها.
فصل
قال أبو العباس: "وقال قوم: ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها.
فإن الغيرة من أوصاف المحبة، والغيرة تأْبى إلا التستر والاختفاءَ، وكل من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها فليس له منها ذوق، وإنما حركه وجدان الرائحة، ولو ذاق منها شيئًا لغاب عن الشرح والوصف. فإن المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من القلوب، كما قيل:
[ ٣١٠ ]
تشير فأَدرى ما تقول بطرفها وأُطرق طرفى عند ذاك فتعلم
تكلم منا فى الوجوه عيوننا فنحن سكوت والهوى يتكلم
قلت: كل معنى فله صيغة تعبر به عنه، ولا سيما إذا كانت من المعانى المعروفة للخاص والعام. ولكن العبارة قد تكون كاشفة للمعنى مطابقة له، كلفظ الدراهم والخبز والماء واللبن ونحوها، وهى أكبر الألفاظ.
وقد يكون المعنى فوق ما يشير إليه اللفظ ويعبر عنه، وهو أجل من أن يدل لفظه على كمال ماهيته وهذا كأسماءِ الرب سبحانه وأسماء كتابه.
وكذلك اسم الحب فإنه لا يكشف اسمه مسماه، بل مسماه فوق لفظه، وكذلك اسم الشوق والعشق والموت والبلاءِ ونحوها. وقد يكون المعنى دون اللفظ بكثير، واللفظ أجل منه وأعظم.
وهذا كلفظ الجوهر الفرد الذى هو عبارة عن أَقل شيء وأصغره وأدقه وأحقره، فليس معناه على قدر لفظه، وإذا عرف هذا فقولهم: "ليس للمحبة صيغة يعبر بها عن حقيقتها" المراد به أن لفظها لا يفهم حقيقة معناها ومعناها فوق ما يفهم من لفظها.
وقوله: "الغيرة من أوصاف المحبة، وهى تأْبى إلا التستر والاختفاءَ" هذا كلام فى حكم المحبة ومقتضاها، لا فى حقيقتها ومعناها، والمحبون متباينون فى هذا الحكم، فمنهم من يجعل الغيرة من لوازم المحبة وعلامة ثبوتها وتمكنها ويجعل نداءَ المرءِ عليها وبسط لسانه بالإخبار بها دليلًا على أنه دعى فيها، وأن ما معه منها رائحتها لا حقيقتها، وحقيقتها تأْبى إلا التستر والكتمان. وهذه طريقة الملاميين، كما قيل:
لا تنكرى جحدى هواك، فإنما ذاك الجحود عليه ستر مسبل
ولهذا قيل: المحبة كتمان الإرادة، وإظهار الموافقة. وهذه الطائفة رأت أن كمال المحبة بكتمانها لأسباب عديدة:
أحدها: أن الحب كلما كان مكتومًا كان أشد وأعظم سريانًا وسكونًا فى أجزاءِ القلب كلها، كما قيل: الحب أَقتله أكتمه فإذا أفشاه المحب وأظهره وباح به ونادى عليه ضعف أثره وصار عرضة للزوال.
الثانى: أن الحب كنز من الكنوز، بل هو أعظم الكنوز المودعة فى سر العبد
[ ٣١١ ]
وقلبه، فلا طريق للصوص إليه، فإذا باح به ونادى عليه فقد دل قطاع الطريق واللصوص على موضع كنزه، وعرضه لسلبه منه، فإن النفوس غيارة مغيرة، تغار على المحبوب أن يشاركها فى حبه أحد. فإذا غارت عليه أغارت على القلوب التى فيها حبه فانتزعته منه.
وهذه الآفة قد ابتلى بها كثير من السالكين الذين هم فى الحقيقة قطاع الطريق على السالكين إلى الله، وسولت لهم أنفسهم أن هذه غيرة منهم على محبوبهم أن يجب مثل هذه النفوس المتلوثة بالدنيا، وغرتهم أنفسهم ومنتهم أنهم يغارون على الله [ويحولون بين تلك النفوس وبين محبته فغاروا وأغاروا ونهبوا واستلبوا وهذه الطريقة عند المحبين المخلصين أولياء الله الداعين إلى الله] عداوة لله فى الحقيقة ومعاونة للشيطان، وقعود على طريق الله المستقيم الذى خلق عباده لأجله وأمرهم به.
فالحذر من هؤلاء القطاع اللصوص حمل أهل المحبة على المبالغة فى كتمانها، وإظهار التخلى منها بأسباب يلامون عليها ظاهرًا وقلوبهم مغمورة بالمحبة مأْهولة بها.
وهذا الذى ظنوه غيرة هو من تلبيس الشيطان وخدعه لهم ومكره بهم، وإنما [هو حسد حملهم على أن يردوه وصالوا به وسموه غيرة]، وإنما غيرة المحبين لله أن يغار أحدهم لمحارم الله إذا انتهكت، فيغار لله لا على الله، كما قال النبى ﷺ: "إن الله يغار، وإن المؤمن يغار وغيرة الله أن يأْتى العبد ما حرم عليه"، فغيرة المحب هى الموافقة لغيرة محبوبه، وهى أن يغار مما يغار منه المحبوب [وأما]، وإذا كان المحبوب ممن يحبه وهذا يغار ممن يحبه الله فهو فى الحقيقة ساع فى خلاف مراد محبوبه، وفى إعدام ما يحبه محبوبه، فأَين هذا من الغيرة المحبوبة لله؟ وإنما هذه غيرة من أخيه المسلم كيف خصه الله بعطائه وألبسه ثوب نعمائه، فهى غيرة منه لا غيرة على الله، فإن الله لا يغار عليه بل يغار له. وسنفرد إن شاءَ الله للغيرة فصلًا نذكر فيه أقسامها وحقيقتها.
الثالث: أن المحبة التامة تستدعى شغل القلب بالمحبوب وعدم تفرغه للشرح والوصف، فلو صدقت محبته لاستغرق فيها عن شرح حاله ووصفه، فهذه طريقة هولاء، ومنهم من يجعل تهتكه وبوحه بها وإعلامه لها من تمامها وقوتها، ومن علامات قهرها له وأنها غلبت على سره حتى لم يطق صبره كتمانها، كما قال النووى: المحبة هتك
[ ٣١٢ ]
الأستار، وكشف الأسرار. فهذا حال النووى وأضرابه.
وعند هؤلاء التكتم ضعف فى المحبة وجور فيها، وحقيقتها أن تخليها ومقتضاها من ظهور آثارها على الجوارح والبدن، فإن أثرت حركة لم يسكنها وإن [أثرت دمعه لم يرسلها وإن أثرت تنفسًا لم يكظمه وإن] أثرت بذلًا وإيثارًا لم يمسكه.
وكمال المحبة عندهم أن تنادى عليه أعضاؤه وألفاظه وألحاظه وحركاته وسكناته بالحب نداء لا يملك إنكاره.
وقال على بن عبيد وكتب يحيى بن معاذ إلى أبى يزيد: سكرت من كثرة ما شربت من كأْس محبته، فكتب إليه أبو يزيد: غيرك شرب بحور السموات والأرض ما روى بعد، ولسانه خارج وهو يقول هل من مزيد. فلم ير هذان العارفان التكتم بها وإخفاءَها وجحدها وهما هما. وكان الأُستاذ أبو على الدقاق ينشد كثيرًا:
لى سكرتان وللندمان واحدة شيء خصصت به من بينهم وحدي
وجاء رجل إلى عبد الله بن المنازل فقال: رأَيت فى المنام كأَنك تموت إلى سنة، فقال عبد الله: لقد أجلتنى إلى أجل بعيد أعيش إلى سنة، لقد كان لى أنس ببيت سمعته من أبى على [الثقفى]:
يا من شكى شوقه من طول فرقته اصبر لعلك تلقى من تحب غدًا
وقال الشبلى: المحب إذا سكت هلك، والعارف إن لم يسكت هلك.
والتحقيق: أن هذا هو حال المتمكن فى حبه، الذى تزول الجبال الراسيات وقلبه على الود لا يلوى ولا يتغير.
والأول حال المريد المبتديء الذى قد علقت نار المحبة فى قلبه، ولم يتمكن اشتعالها، فهو يخاف عليها عواصف الرياح أن تطفئها، فهو يخبئها ويكتمها ويسترها من الرياح جهده، فإذا اشتغلت وتمكن وقودها فى القلب لم تزدها كثرة الرياح إلا وقودًا واشتعالًا.
فهذا يختلف باختلاف الناس وتفاوتهم فى قوة المحبة وضعفها. والمقصود أن من بسط لسانه بالعبارة عنها والكشف عن سرها وأحكامها لن يؤمن أن يكون من أهل العلم بالمحبة لا من المتصفين بها حالًا، فكم بين العلم بالشيء والاتصاف به ذوقًا وحالًا، فعلم المحبة شيء ووجودها فى القلب شيء. وكثير من المحبين الذين
[ ٣١٣ ]
..
امتلأت قلوبهم محبة لو سئل عن حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها، ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها، وأكثر المتكلمين فيها إنما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال.
وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ: أعظم الناس حجابًا عن الله أكثرهم إليه إشارة، فإنه إنما حظه منه الإشارة إليه لا [عكوف] القلب عليه، كالفقير الذى دأْبه وصف الأغنياء وأموالهم، ووصف الدنيا وممالكها، وهو خلو من ذلك.
ولا ريب أن وجود الحب فى القلب وترك الكلام [منه] علمًا، [غير من كثرة الكلام فى هذه المسألة وخلو القلب منها]، وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالًا وذوقًا، وفاضت على لسانه إرشادًا وتعليمًا ونصيحة للأُمة. فهذا حال الكملة من الناس. والله المسئول من فضله وكرمه.
قوله: "المحبة لا تظهر على المحب بلفظه، وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله" هذا حق، فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها، بل الدلالة عليها فى الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال. ففرق بين من يقول لك بلسانه: إنى أحبك، ولا شاهد عليه من حاله، وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ترى شواهد أحواله كلها ناطقة بحبه لك.
قال جعفر: قال الجنيد: دفع السرى إليه رقعة، وقال: هذه خير لك من سبعمائة قصة وكذا [وكذا] فإذا فيها:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتنى فما لى أَرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتبخل حتى [لا] يبقى لك الهوى سوى مقلة تبكى بها وتناجيا
وبالجملة فشاهد [المحبه] الذى لا يكذب هو شاهد الحال، وأما شاهد المقال فصادق وكاذب.
قوله: "ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب، لموضع اقتداح الأسرار من القلوب" يعنى أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا محبوبه. وذلك لشدة الاتصال الذى بينه وبين محبوبه فى الباطن، فروحه أَقرب شيء إليه، [وأما] الغير وإن علم أنه محب بظهور أثر المحبة عليه وقيام شاهدها لكن لا يدرك تلك اللطيفة والحقيقة التى يدركها المحبوب من محبه، لموضع اتصال سره، وقرب ما بين الروحين، ولا سيما إذا
[ ٣١٤ ]
كانت المحبة من الطرفين فهناك العجب والمناجاة والملاطفة والإشارة والعتاب والشكوى، وهما ساكنان لا يدرى جليسهما بشأْنهما [فعجيب شأنهما] .
فصل فى محبة العوام:
قال: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من [مطالعة] المنة وتثبت باتباع السنة، وتنمو على الإجابة للغاية، وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، وتسلى عن المصائب، وهى [فى] طريق العوام عمدة الإيمان". فيقال: لا ريب أن المحبة درجات متفاوتة، بعضها أكمل من بعض. وكل درجة خاصة بالنسبة إلى ما تحتها، عامة بالنسبة إلى ما فوقها، فليس انقسامها إلى خاص وعام انقسامًا حقيقيًا متميزًا بالنسبة بفصل يميز أحد النوعين عن الآخر، وإنما تنقسم باعتبار الباعث عليها وسببها، وتنقسم بذلك إلى قسمين:
أحدهما: محبة تنشأُ من الإحسان، ومطالعة الآلاء والنعم، فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليه، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله سبحانه، فإن إحسانه على عبده فى كل نفس ولحظة، وهو يتقلب فى إحسانه فى جميع أحواله، ولا سبيل له إلى ضبط أجناس هذا الإحسان فضلًا عن أنواعه أو عن أفراده، ويكفى أن من بعض أنواعه نعمة النفس التى لا تكاد تخطر ببال العبد، وله عليه فى كل يوم وليلة فيه أربعة وعشرون ألف نعمة، فإنه يتنفس فى اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس، وكل نفس نعمة منه سبحانه، فإذا كان أدنى نعمة عليه فى كل يوم أربعة وعشرين ألف نعمة فما الظن بما فوق ذلك وأعظم منه: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] [النحل: ١٨]، هذا إلى ما يصرف عنه من المضرات وأنواع الأذى التى تقصده، ولعلها توازن النعم فى الكثرة، والعبد لا شعور به بأكثرها أصلًا، والله سبحانه يكلؤه منها بالليل والنهار كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢]، وسواء كان المعنى من يكلؤكم ويحفظكم منه إذا أراد بكم سوءًا ويكون يكلؤكم مضمنًا معنى يجيركم وينجيكم من بأْسه، أو كانت "من" البدلية أى من يكلؤكم بدل الرحمن [سبحانه] أى هو الذى يكلؤكم وحده لا كاليء لكم غيره، ونظير "من" هذه قوله: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا
[ ٣١٥ ]
مِنكُمْ مَلائِكَةً فِى الأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]، على أحد القولين، أى عوضكم وبدلكم، واستشدوا على ذلك بقول الشاعر:
جارية لم تأْكل المرقَّقا ولم تذق من البقول الفستقا
أى لم تأكل الفستق بدل البقول، وعلى كلا القولين فهو سبحانه منعم عليهم بكلاءَتهم وحفظهم وحراستهم مما يؤذيهم بالليل والنهار وحده، لا حافظ لهم غيره. هذا مع غناه التام عنهم وفقرهم التام إليه من كل وجه، وفى بعض الآثار يقول تعالى: "أنا الجواد، ومن أعظم منى جودًا وكرمًا؟ أبيت أكلأُ عبادى فى مضاجعهم وهم يبارزوننى بالعظائم".
وفى الترمذى أن النبى ﷺ لما رأى السحاب قال: "هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يذكرونه، ولا يعبدونه".
وفى الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم ليجعلون له الولد، وهو يرزقهم ويعافيهم".
وفى بعض الآثار: "يقول الله: ابن آدم، خيرى إليك نازل، وشرك إلى صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غنى عنك، وكم تتبغض إلى بالمعاصى، وأنت فقير إلى، وإلا يزال الملك الكريم يعرج إلى منك بعمل قبيح"
ولو لم يكن من تحببه إلى عباده وإحسانه إليهم وبره بهم إلا أنه [سبحانه] خلق لهم ما فى السموات والأرض وما فى الدنيا والآخرة، ثم أهلهم وكرمهم، وأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وشرع لهم شرائعه، وأذن لهم فى مناجاته كل وقت أرادوا وكتب لهم بكل حسنة يعملونها عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وكتب لهم بالسيئة واحدة، فإن تابوا منها محاها وأَثبت مكانها حسنة، وإذا بلغت ذنوب أحدهم عَنان السماءِ ثم استغفره غفر له، لو لقيه بقراب، الأرض خطايا ثم لقيه بالتوحيد لا يشرك به شيئًا لأَتاه بقرابها، مغفرة وشرع لهم التوبة الهادمة للذنوب فوفقهم لفعلها ثم قبلها منهم وشرع لهم الحج الذى يهدم ما قبله فوفقهم لفعله وكفر عنهم سيئاتهم به، وكذلك ما شرعه لهم من الطاعات والقربات وهو الذى أمرهم بها وخلقها لهم وأعطاهم إياها ورتب عليها جزاءَها، فمنه السبب ومنه الجزاءُ، ومنه التوفيق ومنه العطاءُ أولًا وآخرًا.
وهم محل إحسانه كله منه [ليس منهم شيئًا إنما الفضل كله والنعمة كلها والإحسان كله] أولًا وآخرًا: أعطى عبده [ماله] وقال: تقرّب بهذا إلى أقبله منك،
[ ٣١٦ ]
فالعبد له والمال له والثواب منه، فهو المعطى أولًا وآخرًا فكيف لا يحب من هذا شأْنه؟ وكيف لا يستحى العبد أن يصرف شيئًا من محبته إلى غيره؟ ومن أولى بالحمد والثناءِ والمحبة منه؟ ومن أولى بالكرم والجود والإحسان منه؟ فسبحانه وبحمده لا إله إلا هو العزيز الحكيم ويفرح ﷾ بتوبة أحدهم إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله، ويكفر عنه ذنوبه، ويوجب له محبته بالتوبة، وهو الذى ألهمه إياها ووفقه لها وأعانه عليها، وملأ ﷾ سماواته من ملائكته، واستعملهم فى الاستغفار لأهل الأرض واستعمل حملة العرش منهم فى الدعاءِ لعباده المؤمنين والاستغفار لذنوبهم ووقايتهم عذاب الجحيم، والشفاعة إليه بإذنه أن يدخلهم جناته.
فانظر إلى هذه العناية وهذا الإحسان وهذا التحنن والعطف والتحبب إلى العباد واللطف التام بهم، ومع هذا كله بعد أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وتعرف إليهم بأسمائه وصفاته وآلائه، ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يسأل عنهم ويستعرض حوائجهم بنفسه ويدعوهم إلى سؤاله، فيدعو مسيئهم إلى التوبة ومريضهم إلى أن يسأله أن يشفيه وفقيرهم إلى أن يسأله غناه وذا حاجتهم يسأله قضاءَها كل ليلة، ويدعوهم إلى التوبة وقد حاربوه وعذبوا أولياءَه وأحرقوهم بالنار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] .
وقال بعض السلف: انظروا إلى كرمه كيف عذبوا أولياءه وحرقوهم بالنار، ثم هو يدعوهم إلى التوبة. فهذا الباب يدخل منه كل أحد إلى محبته ﷾، فإن نعمته على عباده مشهودة لهم، يتقلبون فيها على عدد الأنفاس واللحظات.
وقد روى فى بعض الأحاديث مرفوعًا: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبونى بحب الله"، فهذه محبة تنشأْ من مطالعة المنن [والإحسان] ورؤية النعم والآلاء، وكلما سافر القلب [بفكره] فيها ازدادت محبته وتأكدت، ولا نهاية لها فيقف سفر القلب عندها، بل كلما ازداد فيها نظرًا ازداد فيها اعتبارًا وعجزًا عن ضبط القليل منها، فيستدل بما عرفه على ما لم يعرفه، والله ﷾ دعا عباده إليه من هذا الباب، حتى إدا دخلوا منه دعوا من الباب الآخر وهو باب الأسماءِ والصفات الذى إنما يدخل منه إليه خواص عباده وأوليائه، وهو باب المحبين حقًا الذى لا يدخل منه غيرهم، ولا يشبع من معرفته أحد منهم، بل كلما بدا له منه علم ازداد شوقًا ومحبة
[ ٣١٧ ]
..
[وظمأ] .فإذا انضم داعى الإحسان والإنعام إلى داعى الكمال والجمال لم يتخلف عن محبة من هذا شأنه إلا أردأ القلوب وأخبثها وأشدها نقصًا وأبعدها من كل خير، فإن الله فطر القلوب على محبة المحسن الكامل فى أوصافه وأخلاقه، وإذا كانت هذه فطرة الله التى فطر عليها قلوب عباده، فمن المعلوم أنه لا أحد أعظم إحسانًا منه ﷾ ولا شيء أكمل منه ولا أجمل، فكل كمال وجمال فى المخلوق من آثار صنعه ﷾، وهو الذى لا يجد كماله، ولا يوصف جلاله وجماله، ولا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه بجميل صفاته وعظيم إحسانه وبديع أفعاله، بل هو كما أثنى على نفسه.
وإذا كان الكمال محبوبًا لذاته ونفسه وجب أن يكون الله هو المحبوب لذاته وصفاته، إذ لا شيء أكمل منه، وكل اسم من أسمائه وصفة من صفاته [تستدعى محبه خاصة فإن اسمائه كلها حسنى وهى مشتقة من صفاته]، وأفعاله دالة عليها [فهو المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه] .
فهو المحبوب المحمود على كل ما فعل وعلى كل أمر، إذ ليس فى أفعاله عبث ولا فى أوامره سفه، بل أفعاله كلها لا تخرج عن الحكمة والمصلحة والعدل والفضل والرحمة، وكل واحد من ذلك يستوجب الحمد والثناءَ والمحبة عليه، وكلامه كله صدق وعدل، وجزاؤه كله فضل وعدل: فإنه إن أعطى فبفضله ورحمته ونعمته، وإن منع أو عاقب فبعدله وحكمته:
ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعى لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع
فصل
ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلًا عن أن يوفاه حقه، فأعرف خلقه به وأحبهم له ﷺ يقول: "لا أُحصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها، وهل مع المحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه فى هذه الدار، وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه، فاستدلوا بما علموه على ما غاب، فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله ﷾ لكان لهم فى حبه شأْن آخر، وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم فى محبته على حسب تفاوت مراتبهم فى معرفته والعلم به. فأعرفهم بالله أشدهم حبًا له، ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبًا له [من غيره] والخليلان من بينهم أعظمهم حبًا، وأعرف الأُمة به أشدهم له حبًا، ولهذا كان المنكرون لحبه من أجهل الخلق به، فإنهم
[ ٣١٨ ]
منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين [ﷺ] ولفطرة الله التى فطر الله عباده عليها، ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه فيها، ووجدوا معتقدهم [وبحثهم] يكذب فطرهم، وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه الفطرة وإعادة ما فسد منها إلى الحالة الأوُلى التى فطرت عليها، وإنما دعوا إلى القيام بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له.
وهل الأوامر والنواهى إلا خدم وتوابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة؟ وهل خلق الله ﷾ خلقه إلا لعبادته التى هى غاية محبته والذل له؟ وهل هييء الإنسان إلا لها؟ كما قيل:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فاربأْ بنفسك أَن ترعى مع الهمل
وهل فى الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه؟ فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها، وأما محبته سبحانه فهو الحق الذى لا يزول ولا يبطل، كما لا يزول متعلقها ولا يفنى. وكل ما سوى الله باطل، ومحبة الباطل باطل.
فسبحان الله كيف ينكر المحبة الحق التى لا محبة أحق منها، ويعترف بوجود المحبة الباطلة المتلاشية؟ وهل تعلقت المحبة بوجود محدث إلا الكمال فى وجوده بالنسبة إلى غيره؟ وهل ذلك الكمال إِلا من آثار صنع الله الذى أتقن كل شيء؟ وهل الكمال كله إلا له" فكل من أحب شيئًا لكمال ما يدعوه إلى محبته فهو دليل وعبرة على محبة الله، وأنه أولى بكمال الحب من كل شيء. ولكن إذا كانت النفوس صغارًا كانت محبوباتها على قدرها، وأما النفوس الكبار الشريفة فإنها تبذل حبها لأجلّ الأشياء وأشرفها.
والمقصود أن العبد إذا اعتبر كل كمال فى الوجود وجده من آثار كماله سبحانه، فهو دال على كمال مبدعه، كما أن كل علم فى الوجود فمن آثار علمه، وكل قدرة فمن آثار قدرته، ونسبة الكمالات الموجودة فى العالم العلوى والسفلى إلى كماله كنسبة علوم الخلق وقدرهم وقواهم وحياتهم إلى علمه سبحانه وقدرته وقوته وحياته، فإذن لا نسبة أصلًا بين كمالات العالم وكمال الله [ﷻ]، فيجب أن لا يكون بين محبته ومحبة غيره من الموجودات له، بل يكون حب العبد له أعظم من حبه لكل شيء بما لا نسبة بينهما، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًَّا للهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، فالمؤمنون أشد حبًا لربهم ومعبودهم [تعالى] من كل محب لكل محبوب. هذا مقتضى عقد الإيمان الذى لا يتم
[ ٣١٩ ]
إلا به. وليست هذه المسألة من المسائل التى للعبد عنها غنى أو منها بد، كدقائق العلم والمسائل التى يختص بها بعض الناس دون بعض، بل هذه مسألة تفرض على العبد، وهى أصل عقد الإيمان الذى لا يدخل فيه الداخل إلا بها ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها، فليشتغل بها العبد أو ليعرض عنها، ومن لم يتحقق بها علمًا وحالًا وعملًا لم يتحقق بشهادة أن لا إِله إلا الله، فإنها سرها وحقيقتها ومعناها، وإن أبى ذلك الجاحدون وقصر عن علمه الجاهلون.
فإن الإِله هو المحبوب المعبود الذى تؤلهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه فى شدائدها وتدعوه فى مهماتها وتتوكل عليه فى مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه وليس ذلك إلا الله وحده، ولهذا كانت [لا إله إلا الله] أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداؤه، وأهل غضبه ونقمته.
فهذه المسألة قطب رحى الدين الذى عليه مداره، وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له فى علومه وأعماله، وأحواله وأقواله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلنرجع إلى شرح كلامه فقوله: "وأما محبة العوام فهى محبة تنبت من مطالعة المنة" يعنى أن لهذه المحبة منشأ وثبوتًا ونموًا. [فمنشأها] الإحسان ورؤية فضل الله ومنته على عبده، وثبوتها باتباع أوامره التى شرعها على لسان رسول الله ﷺ، ونموها وزيادتها يكون بإجابة العبد لدواعى فقره وفاقته إلى ربه، فكلما دعاه فقره وفاقته إلى ربه أجاب هذا الداعى وهو فقير بالذات فلا يزال فقره يدعوه إليه، فإن دامت استجابته له بدوام الداعى لم تزل المحبة تنمو وتتزايد، فكلما أخطر الرّب فى قلبه خواطر الفقر والفاقة بادر قلبه بالإجابة والانكسار بين يديه ذلًا وفاقة وحبًا وخضوعًا، وإنما كانت هذه محبة العوام عنده لأن منشأها من الأفعال، لا من الصفات والجمال، ولو قطع الإحسان عن هذه القلوب لتغيرت وذهبت محبتها أو ضعفت، فإن باعثها إنما هو الإحسان، ومن ودَّك لأمر ولى عند انقضائه، فهو برؤية الإحسان مشغول، وبتوالى النعم عليه محمول.
قوله: "وهى محبة تقطع الوسواس، وتلذذ الخدمة، وتسلى على المصائب، وهى فى طريق العوام عمدة للإيمان". إنما كانت هذه المحبة قاطعة للوسواس لإحضار المحب
[ ٣٢٠ ]
قلبه بين يدى محبوبه. والوسواس إنما ينشأُ من الغيبة والبعد، وأما الحاضر المشاهد فماله وللوسواس؟ فالموسوس يجاهد نفسه وقلبه ليحضر بين يدى معبوده، والمحب لم يغب قلبه عن محبوبه فيجاهده على إحضاره، فالوسواس والمحبة متنافيان، ومن وجه آخر أن [المحب قد انقطعت عن قلبه وساوس الأطماع لامتلأ قلبه من] محبة حبيبه فلا تتوارد على قلبه جواذب الأطماع والأمانى لاشتغاله بما هو فيه.
وأيضًا فإن الوسواس والأمانى إنما تنشأُ من حاجته وفاقته إلى ما تعلق طمعه به. وهذا عبد قد جنى من الإحسان، وأُعطى من النعم ما سد حاجته وأغنى فاقته، فلم يبق له طمع ولا وسواس، بل بقى حبه للمنعم عليه وشكره له وذكره إياه فى محل وساوسه وخواطره لمطالعة نعم الله عليه، وشهوده منها ما لم يشهد غيره.
وقوله: "وتلذذ الخدمة" هو صحيح، فإن المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وتصرفه فى طاعته، وكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة الطاعة والخدمة أكمل، فليزن العبد إيمانه ومحبته لله بهذا الميزان، ولينظر هل هو ملتذ [بخدمته كالمد والمحب بخدمة محبوبه]، أو متكره لها يأْتى بها على السآمة والملل [واللوامة]؟ فهذا [محل] إيمان العبد ومحبته لله.
قال بعض السلف: إنى أدخل الصلاة فأحمل هم خروجى منها ويضيق صدرى إذا [عرفت] أنى خارج منها، ولهذا قال النبى ﷺ "جعلت قرة عينى فى الصلاة"، ومن كانت قرة عينه فى شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه فإن قرة عين العبد نعيمه وطيب حياته به.
وقال بعض السلف: إنى لأفرح بالليل حين يقبل، لما يلتذ به عيشى وتقر به عينى من مناجاة من أُحب، "وخلوتى بخدمته والتذلل بين يديه، وأغتم للفجر إذا طلع، لما اشتغل به بالنهار عن ذلك، فلا شيء ألذ للمحب من خدمة محبوبه وطاعته.
وقال بعضهم: تعذبت بالصلاة عشرين سنة، ثم تنعمت بها عشرين سنة. وهذه اللذة والتنعم بالخدمة إنما تحصل بالمصابرة [على النكرة] والتعب أولًا، فإذا صبر عليه وصدق فى صبره أفضى به إلى هذه اللذة.
قال أبو زيد: سقت نفسى إلى الله وهى تبكى، فما زلت أسوقها حتى انساقت إليه وهى تضحك، ولا يزال السالك عرضة للآفات والفتور والانتكاس حتى يصل إلى هذه الحالة، فحينئذ يصير نعيمه فى سيره ولذته فى اجتهاده وعذابه فى فتوره ووقوفه، فترى أشد الأشياء عليه ضياع شيء من وقته ووقوفه عن سيره، ولا سبيل إلى هذا إلا بالحب المزعج.
[ ٣٢١ ]
وقوله: " [تسلى] عن المصائب" صحيح، فإن المحب يتسلى [بمحبوبه] عن كل مصيبة يصاب بها دونه، فإذا سلم له محبوبه لم يبال لما فاته فلا يجزع على ما ناله، فإنه يرى فى محبوبه عوضًا عن كل شيء، ولا يرى فى شيء غيره عوضًا منه أصلًا، فكل مصيبة عنده هينة إذا أبقت عليه محبوبه.
ولهذا لما خرجت تلك المرأة الأنصارية يوم أُحد تنظر ما فعل برسول الله ﷺ مرت بأبيها وأخيها مقتولين، فلم تقف عندهما، وجاوزتهما تقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: ها هو ذا حى، فلما نظرت إليه قالت: ما أُبالى إذا سلمتَ هلك من هلك.
ولو لم يكن فى المحبة من الفوائد إلا هذه الفائدة وحدها لكفى بها شرفًا، فإن المصائب لازمة للعبد لا محيد له عنها، ولا يمكن دفعها بمثل المحبة وهكذا مصائب الموت وما بعدها إنما تسهل وتهون بالمحبة، وكذلك مصائب القيامة، وأعظم المصائب مصيبة النار ولا يدفعها إلا محبة الله وحده ومتابعة رسوله ﷺ.
فالمحبة أصل كل خير فى الدنيا والآخرة كما قال سمنون: ذهب المحبون لله بشرف الدنيا والآخرة، فإن النبى ﷺ قال: "المرءُ مع من أحب" فهم مع الله تعالى.
وقوله: "وهى فى طريق العوام عمدة الإيمان" كلام قاصر، فإنها عمود الإيمان وعمدته وساقه الذى لا يقوم إلا عليه، فلا إيمان بدونها البتة.
وإنما [أن] مراده هذه المحبة الخاصة التى تنشأُ من رؤية النعم هى عمدة إيمان العوام، وأما الخواص فعمدة إيمانهم محبة تنشأُ من معرفة الكمال ومطالعة الأسماءِ والصفات. والله أعلم.
قال أبو العباس: "وأما محبة الخواص فهى محبة خاطفة: تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت، ولا تعرف إلا بالحيرة والسكوت."
وقال بعضهم:
يقول وقد أُلبست وجدا وحيرة وقد ضمَّنا بعد التفرق محضر
ألست الذى كنا نحدث أنه ولوع بذكراها، فأَين التذكر؟
فرد عليها الوجد:
أفنيت ذكره فلم يبق إلا زفرة وتحسر
فيقال: [ها هنا] مرتبتان من المحبة مختلف فى أيتهما أكمل من الأُخرى: إحداهما هذه المرتبة التى أشار إليها المصنف، وهى الدرجة الثالثة التى ذكرها شيخ الإسلام
[ ٣٢٢ ]
فى منازله: فقال: "والدرجة الثالثة محبة خاطفة تقطع العبارة، وتدقق الإشارة، ولا تنتهى بالنعوت وهذه المحبة قطب هذا الشأْن، وما دونها مجال تنادى عليها الأَلسن، وادعتها الخليقة، وأوجبتها العقول".
والمرتبة الثانية عند صاحب المنازل ومن تبعه دون هذه المرتبة، وهى المحبة التى تنشأُ من مطالعة الصفات، فقال فى منزله: "والدرجة الثانية محبة تبعث على إيثار الحق على غيره، ويلهج اللسان بذكره، ويعلق القلب بشهوده، وهى محبة تظهر من مطالعة الصفات والنظر فى الآيات والارتياض بالمقامات"، وإنما جعل هؤلاء هذه المحبة أنقص من المحبة الثالثة بناءً على أُصولهم، فإن الفناءَ هو غاية السالك التى لا غاية له وراءَها، فهذه المحبة لما أفنت المحب واستغرقت روحه، بحيث غيبته عن شهوده وفنى فيها المحب وانمحت رسومه بالكلية ولم يبق هناك إلا محبوبه وحده، فكأَنه هو المحب لنفسه بنفسه، إذ فنى من لم يكن وبقى من لم يزل.
ولما ضاق نطاق النطق بهم عن التعبير عنها عدلوا إلى التعبير عنها بكونها "قاطعة للعبارة، مدققة للإشارة" يعنى تدق عنها الإشارة، ولأن الإشارة تتناول محبًا ومحبوبًا، وفى هذه المحبة قد فنى المحب فانقطع تعلق الإشارة به إذ الإشارة لا تتعلق بمعدوم.
وسر هذا المقام عندهم هو الفناءُ فى الحب بحيث لا يشاهد له رسمًا ولا محبة ولا سببًا، ولهذا كانت الدرجتان اللتان قبله عنه معلولتين، لأنهما [مصحوبان] بالبقاءِ وشهود الأسباب، بخلاف الثالثة، ولهذا قال: "ولا تنتهى بالنعوت" يعنى أن النعت لا يصل إليها ولا يدركها.
وهذا بناء على قاعدته فى كل باب من أبواب كتابه، يجعل الدرجة [الثالثة] التى تتضمن الفناءَ أكمل مما قبلها والصواب أن الدرجة الثانية أكمل من هذه وأتم، وهى درجة الكملة من المحبين، ولهذا كان إمامهم وسيدهم وأعظمهم حبا ًصلى الله عليه وسلم فى الذروة العليا من المحبة، وهو مراع لجريان الأُمور ولجريان الأُمة، مثل سماعه بكاءَ الصبى فى الصلاة فيخففها لأجله، ومثل التفاتة فى صلاته إلى الشِّعب الذى بعث منه العين يتعرف له أَمر العدو، وهذا هو فى أعلى درجة المحبة.
ولهذا رأى ما رأى فى ليلة الإسراءِ وهو ثابت الجأْش حاضر القلب لم يفن عن تلقى خطاب ربه وأوامره، ومراجعته فى أمر الصلاة مرارًا ولا ريب أن هذا الحال أكمل من حال موسى الكليم [صلوات الله وسلامه عليهما] فإن موسى خرَّ صعقًا وهو فى مقامه فى الأرض لما تجلى ربه للجبل، والنبى
[ ٣٢٣ ]
ﷺ قطع تلك المسافات وخرق تلك الحجب ورأى ما رأى وما زاغ بصره وما طغى، ولا [اضطرب] فؤاده ولا صعق [صلوات الله وسلامه عليه] .
ولا ريب أن الوراثة المحمدية أكمل من الوراثة الموسوية وتأَمل شأْن النسوة اللاتى رأَين يوسف كيف [أدهشهن] حسنه وتعلقت [قلوبهن]، به، وأفناهن عن أنفسهن حتى قطعن أيديهن وامرأة العزيز أكمل حبًا منهن له وأشد ولم يعرض لها ذلك، مع أن حبها أقوى وأتم، لأن حبها كان مع البقاءِ وحبهن كان مع الفناءِ، فالنسوة غيبهن حسنه وحبه عن أنفسهن، فبلغن من تقطيع أيديهن ما بلغن، امرأة العزيز لم [يغيبها حبها له] عن نفسها، بل كانت حاضرة القلب متمكنة فى حبها، فحالها حال الأقوياءِ من المحبين، وحال النسوة حال أصحاب الفناءِ.
ومما يدل على أن حال البقاء فى الحب أكمل من حال الفناءِ أن الفناءَ إنما يعرض لضعف النفس عن وارد المحبة، فتمتليء به وتضعف عن حمله فيفنيها ويغيبها عن تمييزها وشهودها فيورثها الحيرة والسكوت، وأما حال البقاءِ فيدل على ثبات النفس وتمكنها، وأنها حملت من الحب ما لم يطق حمله صاحب الفناءِ، فتصرفت فى حبها ولم يتصرف فيها، والكمال من إذا ورد عليه الحال تصرف هو فيه ولا يدع حاله يتصرف فيه.
وأيضًا فإن البقاءَ متضمن لشهود كمال المحبوب، ولشهود ذل عبوديته ومحبته، ولشهود مراضيه وأوامره، والتمييز بين ما يحبه ويكرهه، والتمييز بين المحبوب إليه والأحب، والعزم على إيثار الأحب إليه، فكيف يكون [الفانى عن شهوة هذا يتعيب الحب له أكمل وأقوى؟ وأى عبودية للمحبوب فى فناءِ المحب فى محبته؟] .
وهل العبودية كل العبودية إلا فى البقاءِ والصحو وكمال التمييز وشهود عزة محبوبه وذله وهو فى حبه واستكانته فيه، واجتماع إرادته كلها فى تنفيذ مراد محبوبه؟ فهذا وأمثاله مما يدل على أن الدرجة الثانية التى أشار إليها أكمل من الثالثة وأتم وهكذا فى جميع أبواب الكتاب والله أعلم.
وكأَنى بك تقول لا يقبل فى هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالًا وذوقًا، وأما الكلام فيها بلسان [العلم] المجرد فغير مقبول، والمحبون أصحاب الحال والذوق فى المحبة لهم شأْن وراءَ الأدلة والحجج.
فاعلم أولًا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل فهو من عبث النفس وحظوظها، فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حال
[ ٣٢٤ ]
يخالف العلم والعلم يخالفه.
وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين فى تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة فى الأرض وفساد كبير. وكم قد ضل وأضل محكم الحال على العلم، بل الواجب تحكيم العلم على الحال ورد الحال إليه، فما زكاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود، وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق [﵁] يوصون بذلك ويخبرون أن كل ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل، ويقال ثانيًا: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقًا له، أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممن قد مرض بها وتداوى بها؟ أفيقول هذا عاقل؟ ويقال ثالثًا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى فى هذه المرتبة فلا يقبل إلا ممن هذا شأْنه، أو تريد أنه لا بد أن يكون له أذواق أهله من حيث [الحملة]؟ فإن أردت الأول لزمك أن لا يقبل أحد من أحد، إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه، وإن أردت الثانى فمن أين لك نفيه عن صاحب العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف، والظن يخطيء تارة ويصيب، والله أعلم.
فصل
قال أبو العباس: "فعند القوم كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته، وإنما عين الحقيقة عندهم أن يكون قائمًا بإقامته له، محبًا بمحبته له، ناظرًا بنظره، لا من غر أن يبقى معه بقية تناط باسم أو تقف على رسم أو تتعلق بنظر أو تنعت بنعت أو توصف بوصف أو تنسب إلى وقت، صم بكم عمى لدينا محضرون".
فيقال: هذا هو مقام الفناءِ الذى يشير إليه كثير من المتأخرين، ويجعلونه غاية الغايات ونهاية النهايات وكل ما دونه فمرقاة إليه وعيلة عليه. ولهذا كانت المحبة عندهم آخر منازل الطريق، وأول أودية الفناءِ، والعقبة التى ينحدر منها على منازل المحو، وهى آخر منزل يلقى فيه مقدمة العامة ساقة الخاصة، وما دونها إعراض الإعراض.
فجعلوا المحبة منزلًا من المنازل ليست غاية، وجعلوها أول الأودية التى يسلك فيها أصحاب الفناءِ، فهى أول أوديتهم والعقبة التى ينحدرون منها إلى منازل الفناءِ والمحو.
فليست هى الغاية عندهم، وأصحابها عندهم مقدمة العامة، وساقة أصحاب الفناءِ عندهم مقدمون عليهم
[ ٣٢٥ ]
سابقون لهم، فإنهم ساقة الخاصة وهؤلاءِ مقدمة العامة، فهذا كله بناء على أن الفناءَ هو الغاية التى لا غاية للعبد وراءَها ولا كمال له يطلبه فوقها. وقد تبين ما فى ذلك، وما هو الصواب بحمد الله، فقوله [﵀]: "كل ما هو من العبد فهو علة تليق بعجز العبد وفاقته" يقال له: إذا كان إنما [منه] العبودية التى يحبها الله كسبًا ومباشرة فهو قائم بها شاهد لمقيمه فيها مطالع [لمنه]، وفضله، فأى علة هنا سوى وقوفه مع شهودها منه، وغيبته عن شهود إقامة الله وتحريكه إياه، وتوفيقه له؟ فالعلة هى بهذا الشهود وهذه الغيبة المنفاية لكمال الافتقار والفاقة إلى الله، وأما شهود فقره وفاقته ومجموع حالاته وحركاته وسكناته إلى وليه [وبارئه] مستعينًا به أن يقيمه فى عبودية خالصة له، فلا علة هناك.
قوله: "وإنما عين الحقيقة أَن يكون قائمًا بإقامته له" إلى آخر كلامه، يقال: إن أردت أنه يشهد إقامة الله له حتى قام ومحبته له حتى أحبه ونظره إلى عبده حتى أقبل عبده عليه ناظرًا إليه بقلبه فهذا حق، فإن ما من الله سبق ما من العبد، فهو الذى أحب عبده أولًا فأحبه العبد، وأقام العبد فى طاعته فقام بإقامته، ونظر إليه فأقبل العبد عليه، وتاب عليه أولًا فتاب إليه [عبده] .
وإن أردت أنه لا يشهد فعله البتة بل يفنى عنه جملة ويشهد أن الله وحده هو الذاكر لنفسه الموحد لنفسه المحب لنفسه، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا [حرمًا] فى شهوده، وإن لم تفن وتعدم فى الخارج- وهذا هو مراد القوم- فدعوى [أن هذا هو الكمال الذى لا كمال فوقه ولا غاية وراءه دعوى] مجردة لا يستدل عليها مدعيها بأكثر من الذوق والوجد، وقد تقدم أن هذا ليس بغاية، وإنما غايته أن يكون من عوارض الطريق، وأن شهود الأشياء فى مراتبها ومنازلها التى أنزلها سبحانه إياها أكمل وأتم.
ويكفى فى بعض هذا الاحتجاج عليه بصفات الكفار، فإن الله ذمهم بأنهم صم بكم عمى، فهذه صفات نقص وذم لا صفات كمال ومدحة، وهل الكمال إلا فى حضور السمع والبصر والعقل وكمال التمييز وتنزيل الخلق والأمر منازلهما والتفريق بين ما فرق الله بينه؟ فالأَمر كله فرقان وتمييز وتبيين، فكلما كان تمييز العبد وفوقانه أتم كان حاله أكمل وسيره أصح وطريقه أقوم وأقرب. والحمد لله رب العالمين.
فصل
قال أبو العباس: وأما الشوق فهو هبوب القلب إلى غائب، وإعواز الصبر عن فقده، وارتياح السر إلى طلبه. وهو من مقامات العوام، وأما الخواص
[ ٣٢٦ ]
فهو عندهم مخلة عظيمة لأن الشوق إنما يكون إلى غائب. ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة والطريق عندهم أن يكون العبد غائبًا والحق ظاهرًا. ولهذا المعنى لم ينطق بالشوق كتاب ولا سنة صحيحة.
[لأن] الشوق مخبر عن بعد ومشير [إلى] غائب، وهو يطلع إلى إدراك: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقيل:
ولا معنى لشكوى الشوق يومًا إلى من لا يزول عن العيان
اختلف الناس فى الشوق والمحبة أيهما أعلى؟ فقالت طائفة: المحبة أعلى من الشوق هذا قول ابن عطاء وغيره، واحتجوا بأن الشوق غايته أن يكون أثرًا من آثار المحبة، ومتولدًا عنها: فهى أصله وهو فرعها. قالوا: والمحبة توجب آثارًا كثيرة فمن آثارها الشوق. وقالت طائفة منهم سرى السقطى وغيره: الشوق أعلى. قال الجنيد: سمعت السرى يقول: الشوق أجل مقامات العارف، إذا تحقق فى الشوق لها عن كل شيء يشغله عمن يشتاق إليه. وإنما يظهر سر المسألة بذكر فصلين: الأول فى حقيقة الشوق، والثانى فى الفرق بينه وبين المحبة.
ويتبع ذلك خمس مسائل:
إحداها: هل يجوز إطلاقه على الله كما يطلق عليه أنه يحب عباده أم لا؟
الثانية: هل يجوز إطلاقه على العبد فيقال: يشتاق إلى الله كما يقال يحبه؟
الثالثة: أنه هل يقوى بالوصول والقرب، أم يضعف بهما؟ فأى الشوقين أعلى: شوق القريب الدانى، أم شوق البعيد الطالب؟
الرابعة: ما الفرق بينه وبين الاشتياق، فهل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟
الخامسة: فى بيان مراتبه وأقسامها ومنازل أهله فيه.
الفصل الأول - فى حقيقة الشوق:
هو سفر القلب فى طلب محبوبه، بحيث لا يقر قراره حتى يظفر به ويحصل له. وقيل: هو لهيب ينشأ بين أثناء الحشا، سببه الفرقة، فإذا وقع اللقاء أطفأ ذلك اللهيب. وقيل: الشوق هبوب القلب إلى محبوب غائب.
وقال ابن خفيف [الشوق ارتياح القلوب ومحبه اللقاء بالقرب: وقيل] الشوق [تروح] القلوب نحو المحبوب من غير منازع. ويقال: الشوق انتظار اللقاء بعد البعاد. فهذه الحدود ونحوها مشتركة فى أن الشوق إنما يكون مع الغيبة من المحبوب وأما مع حضوره ولقائه فلا شوق.
وهذه حجة من جعل المحبة أعلى منه، فإن المحبة لا تزول باللقاءِ، وبهذا يتبين الكلام فى الفصل الثانى وهو الفرق بينه وبين المحبة.
[ ٣٢٧ ]
الفصل الثانى - الفرق بينهما:
فرق ما بين الشيء وأثره. فإن الحامل على الشوق هو المحبة، ولهذا يقال: لمحبتى له اشتقت إليه وأحببته فاشتقت إلى لقائه، ولا يقال: لشوقى إليه أحببته، ولا اشتقت إلى لقائه فأحببته.
فالمحبة بذر فى القلب، والشوق بعض ثمرات ذلك البذر، وكذلك من ثمراتها حمد المحبوب والرضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتنعيم بذكره والسكون إليه والأُنس به والوحشية بغيره، وكل هذه من أحكام المحبة وثمراتها، وهو حياتها، فمنزلة الشوق من المحبة منزلة الهرب من البغضاءِ والكراهة: فإن القلب إذا أبغض الشيء وكرهه جد فى الهرب منه، وإذا أحبه جد فى الهرب إليه وطلبه، فهو حركة القلب فى الظفر بمحبوبه ولشدة ارتباط الشوق بالمحبة يقع كل واحد منهما موقع صاحبه ويفهم منه ويعبر عنه.
فصل
وأما المسائل [الخمس] فإحداها: هل يجوز إطلاقه على الله؟ فهذا مما لم يرد به القرآن ولا السُّنَّة بصريح لفظه. قال صاحب "منازل السائرين" وغيره: وسبب ذلك أن الشوق إنما يكون لغائب.
ومذهب هذه الطائفة إنما قام على المشاهدة، ولهذا السبب عندهم لم يجيء فى حق الله ولا فى حق العبد.. وجوزت طائفة إطلاقه كما يطلق عليه سبحانه، ورووا فى أثر أنه يقول: "طال شوق الأبرار إلى لقائى، وأنا إلى لقائهم أشوق". قالوا: وهذا الذى تقتضيه الحقيقة، وإن لم يرد به لفظ صريح، فالمعنى حق، فإن كل محب فهو مشتاق إلى لقاء محبوبه.
قالوا: وأما قولكم إن الشوق إنما يكون إلى الغائب وهو سبحانه لا يغيب عن عبده ولا يغيب العبد عنه، فهذا حضور العلم، وأما اللقاءُ والقرب فأمر آخر، فالشوق يقع بالاعتبار الثانى وهو قرب الحبيب ولقاؤه والدنو منه، وهذا له أجل مضروب لا ينال قبله.
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، قال أبو عثمان الحيرى: هذا تعزية للمشتاقين، معناه: إنى أعلم أن اشتياقكم إلى غالب، وأنا أجلت للقائكم أجلًا، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه. والصواب أن يقال: إطلاقه [اللفظ] متوقف على السمع، ولم يرد به، فلا ينبغى إطلاقه. وهذا كلفظ العشق أيضًا، فإنه لما لم يرد به سمع فإنه يمتنع إطلاقه عليه سبحانه.
واللفظ الذى أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به عنها أتم من هذا وأجل شأْنًا هو لفظ المحبة، فإنه سبحانه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها
[ ٣٢٨ ]
وأعلاها، فيوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته كما قال تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] [البروج: ١٦]، وبإرادة اليسر لا العسر كما قال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبإرادة الإحسان وإتمام النعمة على عباده كقوله: ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتَ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، [فإرادة] التوبة [له] وإرادة الميل لمبتغى الشهوات.
وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيجْعَلَ عَلَيْكُمْ مَّنْ حَرَجٍ وَلَكِنُ يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]، وكذلك الكلام يصف نفسه منه بأعلى أنواعه كالصدق والعدل والحق، وكذلك الفعل [يصنف] نفسه منه بأكمله وهو العدل والحكمة والمصلحة والنعمة.
وهكذا المحبة وصف نفسه منها بأعلاها وأشرفها فقال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهَ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥] [آل عمران: ١٣٤] [آل عمران: ١٤٨] [المائدة: ١٣] [المائدة: ٩٣]، و﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
ولم يصف نفسه بغيرها من العلاقة والميل والصبابة والعشق والغرام ونحوها، فإن مسمى المحبة أشرف وأكمل من هذه [المسميات]، فجاء فى حقه إطلاقه دونها. وهذه [المسميات] لا تنفك عن لوازم ومعان تنزه تعالى عن الاتصاف بها، وهكذا جميع ما أطلقه على نفسه من صفاته العلى أكمل معنى ولفظًا مما لم يطلقه.
فالعليم الخبير أكمل من الفقيه والعارف، والكريم الجواد أكمل من السخى، والخالق الباريء المصور أكمل من الصانع الفاعل، ولهذا لم تجيء هذه فى أسمائه الحسنى، والرحيم والرؤوف أكمل من الشفيق [والمشفق] فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماءِ والصفات والوقوف معها، وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه ما لم يكن مطابقًا لمعنى أسمائه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته له دون اللفظ ولا سيما إذا كان مجملًا أو منقسمًا إلى ما [يمدح] به، وغيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدًا، وهذا كلفظ الفاعل والصانع، فإنه لا يطلق عليه فى أسمائه الحسنى إلا إطلاقًا مقيدًا أطلقه على نفسه كقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]، ﴿وَيَفعلُ الله مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقوله: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، فإن اسم الفاعل والصانع
[ ٣٢٩ ]
منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم.
ولهذا المعنى- والله أعلم- لم يجئ فى الأسماء الحسنى المريد كما جاءَ فيها السميع البصير، ولا المتكلم ولا الآمر الناهى لانقسام مسمى هذه الأسماء بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها.
ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقة الفاحش فى اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا فأدخله فى أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها من قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، ومن قوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، ومن قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١]، ومن قوله: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٧] [النحل: ٩٣] [فاطر: ٨]، وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَ﴾ [المجادلة: ٢١]، وهذا خطأ من وجوه:
أحدها: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه السماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.
الثانى: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق.
الثالث: أن مسمى هذه الأسماءِ منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن فى موضع، ويقبح فى موضع، فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل.
الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه [فلا يجوز أن يسمى بها فإن أسماء الرب تعالى كلها حسنى]، كما قال تعالى: ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وهى التي يحب سحبانه أن يثنى عليه ويحمد بها دون غيرها.
الخامس: أن هذا القائل لو سُمي بهذه الأسماء، وقيل له هذه مدحتك وثناءٌ عليك، فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علوًا كبيرًا.
السادس: أن هذا القائل يلزمه أن يجعل من أسمائه اللاعن والجائي والآتي والذاهب والتارك والمقاتل والصادق والمنزل والنازل [والمذموم] والمدمر وأضعاف أضعاف ذلك، فيشتق له اسمًا من كل فعل أخبر به عن نفسه، وإلا تناقض تناقضًا بينًا، ولا أحد من العقلاءِ طرد ذلك، فعلم بطلان قوله والحمد لله رب العالمين.
فصل
وأَما المسأَلة الثانية وهى: هل يطلق على العبد أنه يشتاق إلى الله وإلى لقائه؟ فهذا غير ممتنع، فقد روى الإمام أحمد فى مسنده والنسائى وغيرهما من حديث
[ ٣٣٠ ]
حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقلت: خففت يا أَبا اليقظان، فقال: وما على من ذلك ولقد دعوت الله بدعوات سمعتها من رسول الله ﷺ، فلما قام تبعه رجل من القوم فسأله عن الدعوات فقال: "اللَّهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيرًا لى وتوفنى إذا علمت الوفاة خيرًا لى، اللَّهم إنى أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت وأسألك لذة النظر فى وجهك والشوق إلى لقائك، فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين".
فهذا فيه إثبات لذة النظر إلى وجهه الكريم، وشوق أحبابه إلى لقائه، فإن حقيقة الشوق إليه هو الشوق إلى لقائه، قال أبو القاسم القشيرى: سمعت الأستاذ أبا على يقول فى [قوله]، ﷺ: " أسألك الشوق إلى لقائك" قال: كان الشوق مائة جزءٍ فتسعة وتسعون له، وجزءٌ متفرق فى الناس فأراد أن يكون ذلك الجزءُ له أيضًا، فغار أن تكون شظية من الشوق فى لغيره. قال: وسمعته يقول فى قول موسى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، قال: معناه شوقًا إليك، فستره بلفظ [الرضا]، وهذا أكثر مشايخ الطريق يطلقونه ولا يمتنعون منه.
وقيل: إن شعيبًا بكى حتى عمى بصره، فأوحى الله إليه: إن كان هذا لأجل الجنة فقد أبحتها لك، وإن كان لأجل النار فقد أجرتك منها. فقال: لا بل شوقًا إليك، وقال بعض العارفين: من اشتاق إلى الله اشتاق إليه كل شيء.
وقال بعضهم: قلوب [المشتاقين] منوّرة بنور الله [﷿] فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض، فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إلّى، أشهدكم أنى إليهم أشوق، وإذا كان الشوق هو سفر القلب فى طلب محبوبه ونزوعه إليه فهو من أشرف مقامات العبيد وأجلها وأعلاها، ومن أنكر شوق العبد إلى ربه فقد أنكر محبته له، لأن المحبة [تستلذم] الشوق [فالمحب] دائمًا مشتاق إلى لقاء [حبيبه]: لا يهدأُ قلبه ولا يقر قراره إلا بالوصول إليه.
[وأما] قوله:"إن الشوق عند الخواص علة عظيمة، لأن الشوق إنما يكون إلى غائب، ومذهب [هذه] الطائفة إنما قام على المشاهدة" فيقال: المشاهدة نوعان: مشاهدة عرفان،
[ ٣٣١ ]
ومشاهدة عيان، وبينهما من التفاوت ما بين اليقين والعيان، ولا ريب أن مشاهدة العرفان متفاوتة بحسب تفاوت الناس بالمعرفة ورسوخهم فيها، وليس للمعرفة نهاية تنتهى إليها بحيث إذا وصل إليها العارف سكن قلبه عن الطلب، بل كلما وصل منها إلى معلم ومنزلة اشتد شوقه إلى ما وراءَه، وكلما ازداد معرفة ازداد شوقًا، فشوق العارف أعظم الشوق فلا يزال فى مزيد من الشوق ما دام فى مزيد من المعرفة، فكيف يكون الشوق عنده علة عظيمة؟ هذا من المحال البين.
بل من عرف الله اشتاق إليه، وإذا كانت المعرفة لا نهاية لها فشوق العارف لا نهاية له. هذا مع الشوق الناشيء عن طلب اللقاءِ والرؤية والمعرفة العيانية، فإذا كان القلب حاضرًا عند ربه وهو غير غائب عنه لم يوجب له هذا أن لا يكون مشتاقًا إلى لقائه ورؤيته، بل هذا يكون أتم لشوقه وأعظم.
فظهر أن قوله: "وإن الشوق علة عظيمة فى طريق الخواص" كلام باطل على كل تقدير، وإن الشوق بالحقيقة إنما هو شوق الخواص العارفين بالله، والعبد إذا كان له مع الله حال أو مقام وكشف له عما هو أفضل منه وأجل اشتاق إليه بالضرورة، ولم يكن شوقه علة له ونقصًا فى حاله بل زيادة وكمالًا، ويكون ترك الشوق هو العلة.
وقد تقدم أن لا غاية للمعرفة تنتهى إليها فيبطل الشوق بنهايتها، بل لا يزال العارف فى مزيد من معرفته وشوقه والله المستعان.
فصل
وأما المسألة [الثالثة] وهى: هل يزول الشوق باللقاء أم يقوى؟ فقالت طائفة: الشوق يزول باللقاء، لأنه طلب، فإذا حصل المطلوب زال الطلب، لأن تحصيل الحاصل محال، ولا معنى للشوق إلى شيء حاصل، وإنما يكون الشوق إلى شيء مراد الحصول محبوب الإدراك، وقالت طائفة أُخرى: ليس كذلك بل الشوق يزيد بالوصول واللقاء ويتضاعف بالدنوّ، ولهذا قال القائل:
وأعظم ما يكون الشوق يومًا إذ دنت الديار من الديار
ولهذا قال بعضهم: شوق أهل القرب أتم من شوق المحبوبين واحتجت هذه الطائفة بأن الشوق من آثار الحب ولوازمه، [وكما] أن الحب لا يزول باللقاءِ فهكذا الشوق الذى لا يفارقه.
قالوا: ولهذا لا يزول الرضى والحمد والإجلال والمهابة التى هى من آثار المحبة باللقاء، فهكذا الشوق يتضاعف ولا يزوال، والقولان حق.
وفصل
[ ٣٣٢ ]
الخطاب فى المسألة أن المحب إذا اشتاق إلى لقاءِ محبوبه فإذا حصل له اللقاءِ زال ذلك الشوق الذى كان متعلقًا بلقائه وخلفه شوق آخر أَعظم منه وأبلغ إلى ما [مزيد] قربه والخظوة عنده، وأما إذا قدر أنه لقيه ثم احتجب عنه ازداد شوقه إلى لقاءِ آخر ولا يزال يحصل له الشوق كلما احتجب عنه، فهذا لا ينقطع شوقه أبدًا، فهو إذا رآه بلّ شوقه برؤيته. وإذا زال عنه الطرف عاوده الشوق كما قيل:
ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته حتى يعود إليه الطرف مشتاقًا
وإنما الشأْن فى دوام الشوق حال الوصول واللقاءِ، فاعلم أن الشوق نوعان:
شوق إلى اللقاء، فهذا يزول باللقاء. وشوق فى حال اللقاء، وهو تعلق الروح بالمحبوب تعلقًا لا ينقطع [أبدلًا]، فلا تزال الروح مشتاقة إلى مزيد هذا التعلق وقوته اشتياقًا لا يهدأُ. وقد أفصح بعد المحبين للمخلوق عن هذا المعنى بقوله:
أعانقها والنفس بعد مشوقة إليها وهل بعد العناق [تدانى]
وأَلثم فاها كى تزول صبابتى فيشتد ما ألقى من الهيمان
فالشوق فى حال الوصل والقرب إلى مزيد النعيم واللذة لا ينقطع والشوق فى حال السير إلى اللقاءِ ينقطع. ونستغفر الله من الكلام فيما لسنا بأهل له:
فالخوف أولى بالمسي إذا تأله والحزن
والحب يحمل بالتقي و[ب] النقاءِ من الدرن
لكن إذا ما لم يحب كم المسيء إذن فمن
وإذا تخوّن فعلنا فعل المحبة مؤتمن
أيحب شيء غيركم وحياتكم كلا ولن
أيحب من تأْتى محب ته بأَنواع المحن
والسعد فيها ذابح والقلب فيها ممتحن
دون الذى فى حبه نيل السعادة والمنن
ومحل بدر كمالها سعد السعود هو الوطن
والقلب حين يحل فى تلك المنازل والدمن
يمسى ويصبح من رضا هـ ومن مناه فى وطن
أيحبهم قلب ويخ شى أَن يضام؟ فلا إِذن
[ ٣٣٣ ]
فصل
وأما المسألة الرابعة وهى: الفرق بين الشوق والاشتياق، فقال أبو عبد الرحمن السلمى: سمعت النصر أباذى يقول: للخلق كلهم مقام الشوق، وليس لهم مقام الاشتياق. ومن دخل فى حال الاشتياق هام فيه حتى لا يرى له أثر ولا قرار. وهذا يدل على أن الاشتياق عنده غير الشوق.
ولا ريب أن الاشتياق مصدر اشتاق يشتاق اشتياقًا، كما أن التشوق مصدر تشوق تشوقًا، والشوق فى الأصل اسم مصدر شاقه يشوقه شوقًا مثل شاقه شوقًا إذا دعاه إلى الاشتياق، فالاشتياق مطاوع شاقة يقال شاقنى فاشتقت إليه، ثم صار الشوق اسم مصدر الاشتياق وغلب عليه حتى لا يفهم [منه] عند الإطلاق إلا الاشتياق القائم بالمشوق والمشوق هو الصب المشتاق، والشائق هو الذى قام به وادعى الشوق.
[فهاهنا] ألفاظ الشوق والاشتياق والتشوق والشائق والمشوق والشيق. فهذه ستة ألفاظ: أحدها: الشوق، وهو فى الأصل مصدر الفعل المتعدى شاقه يشوقه، ثم صار اسم مصدر الاشتياق. اللفظ الثانى: الاشتياق، وهو مصدر اشتاق اشتياقًا، والفرق بينه وبين الشوق هو الفرق بين المصدر واسم المصدر. اللفظ الثالث: التشوق وهو مصدر تشوق إذا اشتاق مرة بعد مرة كما يقال: تجرع وتعلم وتفهم. وهذا البناءُ مشعر بالتكلف وتناول الشيء على مهلة. اللفظ الرابع: الشائق، وهو الداعى للمشوق إلى الاشتياق. واللفظ الخامس: المشوق، وهو المشتاق الذى قد حصل له الشوق. اللفظ السادس: الشيق، وهو فعل بمنزلة هين ولين، وهو المشتاق.
فهذه فروق ما بين هذه الألفاظ، وأما كون الاشتياق أبلغ من الشوق فهذا قد يقال فيه: إنه الأصل وهو أكثر حروفًا من الشوق، وهو يدل على المصدر الفاعل. وأما المشوق ففرع عليه لأنه اسم مصدر وأقل حروفًا وهو إنما يدل على المصدر المجرد، فهذه ثلاثة فروق [بينهما] . والله أعلم.
فصل
وأما المسألة الخامسة وهى فى مراتب الشوق ومنازله، فقال صاحب "منازل السائرين": "هو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: شوق العابد إلى
[ ٣٣٤ ]
الجنة ليأْمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل.
والدرجة الثانية: شوق إلى الله [﷿] زرعه الحب الذى ينبت على حافات المنن تعلق قلبه بصفاته المقدسة واشتاق إلى معانيه لطائف كرمه وآيات بِرّهِ وعلامة فضله. وهذا شوق تغشاه المبار، وتخالجه المسار ويقارنه الاصطبار. والدرجة الثالثة: نار أضرمها صفو المحبة فنغصت العيش وسلبت السلو، ولم ينهنهها مقر دون اللقاءِ".
قلت: الدرجة الأولى هى شوق إلى فضل الله وثوابه. والثانية: شوق إلى لقائه ورؤيته. والثالثة: شوق إليه لا لعلة ولا لسبب ولا ملاحظة فيه غير ذاته.
فالأول: حظ المشتاق من إفضاله وإنعامه، والثانى: حظه من لقائه ورؤيته، والثالث: قد فنيت فيه الحظوظ واضمحلت فيه الأقسام.
وقوله فى الدرجة الأُولى: "ليأْمن الخائف ويفرح الحزين ويظفر الآمل" هذه ثلاث فوائد ذكرها فى هذا الشوق:
أمن الخائف، وفرح الحزين، والظفر [بالأمل] . فهذه المقاصد لما كانت حاصلة بدخول الجنة كانت مصورة للنفس أشد الشوق لها حصول هذه المطالب وهى الفوز والفرح.
وجماع ذلك أمران: أحدهما: النجاة من كل مكروه، والثانى: الظفر بكل محبوب. فهذان هما المشوقان إلى الجنة.
وقوله فى الثانية: "شوق إلى الله ﷾ زرعه الحب" قد تقدم أن الشوق ثمرة الحب.
وقوله: "الذى ينبت على حافات المنن" أى أنشأه الفكر فى منن الله [تعالي] وأياديه وأنعامه المتواترة، وفيه إشارة إلى أن هذا الحب الذى هو نابت على الحافات والجوانب بعده حب أكمل منه وهو الحب الناشيء من شهود كمال الأسماء والصفات، وذلك ليس من نبات الحافات، ولكن من الحب الأول يدخل فى هذا كما تقدم، ولهذا قال: "تعلق قلبه بصفاته المقدسة".
وقوله: "اشتاق إلى معاينة لطائف كرمه وآيات بره وعلامة فضله" يشير به إلى ما يكرم الله به عبده من أنواع كراماته التى يستدل بها على أنه مقبول عند ربه ملاحظ بعنايته، وأنه قد استخدمه وكتبه فى ديوان أوليائه وخواصه.
ولا ريب أن العبد متى شاهد تلك العلامات والآيات قوى قلبه وفرح بفضل ربه وعلم [أنه] أهل فطاب له السير ودام اشتياقه وزالت عنه العلل، وما لم ينعم عليه بشيء من ذلك لم يزل كئيبًا حزينًا خائفًا أن يكون ممن لا يصلح لذلك الجناب ولم يصل لتلك المنزلة.
وقوله: "وهذا شوق تغشاه المبارّ" هى جمع مبرة وهى البر، أى أن هذا الشوق
[ ٣٣٥ ]
مشحون بالبر مغشى به، وهو إِما بر القلب وهو كثرة خيره، فهذا القلب أكثر القلوب خيرًا، فيفعل البر [تقربًا] إلى من هو مشتاق إليه، فهو يجيش بأَنواع البر، وهذه من فوائد المحبة أن قلب صاحبها ينبع منه عيون الخير وتتفجر منه ينابيع البر، يريد به بأن مبارّ الله ونعمه تغشاه على الدوام.
وقوله: "وتخالجه المسار" [أى مخالطة] السرور فى غضو أشواقه، فإنها أشواق لا وحشة معها ولا ألم، بل هى محشوة بالمسرات.
وقوله: "ويقارنه الاصطبار" أى صاحبه له قوة على اصطباره على مرضاة حبيبه شوقه إليه، وإنما يضعف الصبر لضعف المحبة والمحب من أصبر الخلق كما قيل:
نفس المحب على الآلام صابرة لعل مسقمها يومًا يداويها
وقوله فى الدرجة الثالثة: "إنها نار أضرمها صفو المحبة" يعنى أن هذا الشوق يتوقد من خالص المحبة التى لا تشوبها علة، فهو أشد أنواع الشوق، ولهذا " [نغصت] العيش" أى كدرته ونغصت المشتاق فيه لأنه لا يصل إلى محبوبه ما دام فيه، فهو يترقب مفارقته.
وقوله: "وسلبت السلوّ" يعنى أن صاحبه لم يبق له مطمع فى سلوه أبدًا، وهذا أعظم ما يكون من الحب والشوق، أن المحب أَيس من السلو [وينقطع] طمعه منه كما [ييأس] من الأُمور الممتنعة كرجوع أيام الشباب عليه وعوده طفلًا ونحو ذلك.
وقوله: "ولم ينهنهها مقرّ دون اللقاءِ" أى أن هذه النار لا يبردها ولا يفتر حرها مقصود ولا مطلب ولا مراد دون لقاءِ محبوبه، فليس لا سبيل إلى تبريدها وتسكينها إلا بلقاءِ محبوبه.
فصل
قال أبو العباس: "فهذه كلها علل أنف الخواص منها وأسباب انفطموا عنها، فلم يبق لهم مع الحق إرادة، ولا فى عطائه تشوق إلى استزادة.
فهو منتهى زادهم وغاية رغبتهم فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه: ﴿قُلْ أَى شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ﴾ [الأنعام: ١٩]، وإنما زهدهم جمع الهمة عن تعريفات الكون لأَن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأَحوال: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الأَخْيَارِ﴾ [سورة ص: ٤٦- ٤٧] .
قلت: يشير بذلك إلى المحو ومقام الفناءِ الذى هو غاية الغايات عنده، وقد تقدم الكلام عليه وأن مقام الصحو والبقاءِ أفضل منه وأتم عبودية. وينبغى أن يعرف أن مراعاة مقام الفناءِ الذى جعلوه غاية آلَ
[ ٣٣٦ ]
بكثير من طالبيه إلى ترك القيام بالأعمال جملة ورأَوا أنها علل قاطعة عنه، واشتد نكير الشيوخ والأئمة عليهم حتى قال شيخ الطائفة الجنيد [﵀] إن الذى يزنى ويسرق خير من هؤلاء.
وهم نوعان: نوع جردوا الفناءَ فى شهود الحكم: وهو الحكم القدرى ورأوا أنه نهاية التوحيد، فآل بهم استغراقهم فيه إلى اطراح الأسباب حتى قال قائلهم: العارف لا يعرّف معروفًا ولا ينكر منكرًا لاستبصاره بشر الله فى القدر.
والنوع الثانى: أصحاب تجريد الفناءِ والإرادة فجردوا الفناءَ والإرادة تجريدًا آل بهم إلى ترك الأسباب جملة، والطائفتان منحرفتان ضالتان خارجتان عن العلم والدين، ولهذا قال لهم شيخ القوم الجنيد: عليكم بالفرق الثانى. يعنى أن الفرق فرقان: فرق بالطبع والهوى، وهو الفرق الذى شهدوه وفروا منه إلى معنى الجمع.
ولكن بعد الجمع فرق ثان وهو الفرق بالأمر والمحبة، لا بالشهوة والطبع، وهو دين الرسل [صلوات الله عليهم وسلم] فإن دينهم مبناه على الفرق الأَمرى الشرعى بين محبوب الرب ومأْموره وبين مسخوطه ومنهيه، فمن لم يشهد هذا الفرق ولم يكن من أهله لم يكن من أَتباع الرسل، فإن الكمال شهود الجمع فى هذا الفرق فيشهد انفراد الله وحده بالخلق والأمر، ويشهد الفرق بين ما يحبه فيؤثره ويقدمه وبين ما يبغضه فيتركه ويتجنبه فيصير له هذا الفرق فى محل فرقه الطبعى الحسى بين ما يلائمه وينافره.
ومن المعلوم أن صاحب الجمع لا بد أن يفرق بطبعه وحسه، وإن ادعى عدم التفريق طبعًا فإنه كاذب مفتر، إذا كان لا بد من الفرق فالفرق الشرعى الإيمانى الذى بعث الله به رسله أدلى به من الفرق الطبعى الحيوانى الذى شاركه فيه سائر البهائم.
وأبطل من هذا الجمع الجمع فى الوجود، وهو أن يرى الوجود كله واحدًا لا فرق فيه أصلًا، وإنما التفريق بالعادة والوهم فقط ما يقوله زنادقة القائلين بوحدة الوجود الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق بل يجعلون وجود أحدهما وجود الآخر بل ليس عندهم فرق بين أحدهما والآخر إذ ما ثم غير.
فهذا جمع فى الوجود وجمع أُولئك جمع فى الشهود: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] [فكانوا أصحاب الجمع فى الفرق ففرقوا بين ما فرق الله بينه بإذنه وجمعوا الأشياء كلها فى خلقه وأمره وجمعوا إراداتهم ومحبتهم وشهودهم فيه]، فكانوا أصحاب جمع فى فرق وفرق فى جمع. فهؤلاء خواص الخلق، فنسأل الله العظيم من فضله وكرمه أن يجعلنا منهم. فهؤلاء هم
[ ٣٣٧ ]
الذين لم يبق لهم مع الحق إرادة، بل صارت إرادتهم تابعة لإرادته، فحصل الاتحاد فى المراد فقط لا فى الإرادة ولا فى المريد، فأصحاب الوحدة ظنوا الاتحاد فى المريد وأصحاب الحلول توهموا الاتحاد فى الإرادة: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، فعلموا أن المراد واحد فالاتحاد وقع فى المراد فقط، لا فى الإرادة ولا فى المريد.
وقوله "فيعتقدون أن ما دونه قاطع عنه" إنما يكون ما دونه قاطعًا عنه إذا وقف العبد معه وتعلقت إرادته به وانصرف طلبه إليه، وأما إذا جعله وسيلة إلى الله وطريقًا يصل بها إليه لم يكن قاطعًا ولا حجابًا، بل يكون حاجبًا موصلًا إليه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَى شَيءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، المراد بالآية شهادته سبحانه لرسوله بتصديقه على رسالته، فإن المشركين قالوا لرسول الله ﷺ: من يشهد لك على ما تقول؟ فأنزل الله [تعالى] آيات شهادته له وشهادة ملائكته وشهادة علماءِ أهل الكتاب [له]، فقال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣]، أى ومن عنده علم الكتاب يشهد لى وشهادته مقبولة لأنها شهادة بعلم، قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ، وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال تعالى ﴿قُلْ أَى شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً، قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩]، فأخبر سبحانه فى هذه المواضع بشهادته لرسوله وكفى بشهادته إثباتًا لصدقه وكفى به شهيدًا.
فإن قيل: وما شهادته [سبحانه] لرسوله؟ قيل: هى ما أقام على صدقه من الدلالات والآيات المستلزمة لصدقه بعد العلم بها ضرورة، فدلالتها على صدقه أعظم من دلالة كل بينة وشاهد على حق، فشهادته سبحانه لرسوله أصدق شهادة وأعظمها وأدلها على ثبوت المشهود به، فهذا وجه.
ووجه آخر: أنه صدقه بقوله وأقام الأدلة القاطعة على صدقه فيما يخبر به عنه، فإذا أخبر عنه أنه شهد له قولًا لزم ضرورة صدقه فى ذلك الخبر وصحت الشهادة له به قطعًا، فهذا معنى الآية وكان أجنبيًا عما [استشهد] به المصنف.
ونظير هذا استشهادهم بقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ، قُلِ اللهُ، ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] حتى رتب على ذلك بعضهم أن الذكر بالاسم المفرد
[ ٣٣٨ ]
وهو "الله، الله" أفضل من الذكر بالجملة المركبة كقوله: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، وهذا فاسد مبنى على فاسد. فإن الذكر بالاسم المفرد غير مشروع أصلًا، ولا مفيد شيئًا، ولا هو كلام أصلًا، ولا يدل على مدح ولا تعظيم، ولا يتعلق به إيمان، ولا ثواب ولا يدخل به الذاكر فى عقد الإسلام جملة.
فلو قال الكافر: "الله، الله" من أول عمره إلى آخره لم يصر بذلك مسلمًا فضلًا عن أن يكون من جملة الذكر [أو يكون أفضل الأذكار وبالغ بعضهم فى ذلك حتى قال الذكر] بالاسم المضمر أفضل من الذكر [بالاسم الظاهر، يذكر بقوله [هو، هو أفضل من الذكر] بقولهم: "الله، الله"، وكل هذا من أنواع الهوس والخيالات الباطلة المفضية بأهلها إلى أنواع من الضلالات، فهذا فساد هذا البناءِ الهائر، وأما فساد المبنى عليه فإنهم ظنوا أن قوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ﴾ [الأنعام: ١٩]، أى قل هذا الاسم، فقل: الله الله، وهذا من عدم فهم القوم لكتاب الله، فإن اسم الله هنا جواب لقوله: ﴿قُلِ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِى جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَه قَرَاطِيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]، إلى أن قال: ﴿قُلِ اللهُ﴾، أى قل: الله أنزله: فإن السؤال معاد فى الجواب فيتضمنه فيحذف اختصارًا كما يقول: من خلق السموات والأرض؟ فيقال: الله. أى الله خلقهما، فيحذف الفعل لدلالة السؤال عليه، فهذا معنى الآية الذى لا تحتمل غيره.
قوله: "وإنما زهدهم جمع [الهمة] عن تعريفات الكون لأَن الحق عافاهم بنور الكشف عن التعلق بالأَحوال" فيقال: الكشف الذى أوجب لهم هذا الجمع وقطع هذا التعلق هو الكشف الإيمانى القرآنى فهو فى الحقيقة الكشف النافع الجاذب لصاحبه إلى سلوك منازل الأبرار والوصول إلى مقامات القرب، ولا سيما إذا قارنه الكشف عن عيوب النفس وعلى الأعمال، فناهيك به من كشف.
والكرامة المرتبة عليه هى لزوم الاستقامة ودوام العبودية، فهذا أفضل كشف يعطاه العبد، وهذه أفضل كرامة يكرم بها الولى. رزقنا الله من فضله وبره.
وأما استشهاده بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ [ص: ٦٤] فهذه الآية يخبر فيها سبحانه عما أخلص له أنبياؤه ورسله من اختصاصهم بالآخرة، وفيها قولان: أحدهما أن المعنى نزعنا من قلوبهم
[ ٣٣٩ ]
حب الدنيا وذكرها وإيثارها والعمل بها. والقول الثانى: إنا أخلصناهم بأفضل ما في الدار الآخرة واختصصناهم به عن العالمين.
قوله: وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق، وتخلصهم من تدبيرهم، وفراغ [همهم] من احتيالها في إصلاح شئونها، بوقوفهم على فراغ المدبر منها، ومرها على علمه بمصالحهم فيها، ونفوسهم مطمئنة بذلك: ﴿يَأَيتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] الآية.
وقد تقدم الكلام على التوكل وبيان أنه من مقامات العارفين، وأنه لا انفكاك للمؤمن منه، وذكر العلة فيه ما هى. وقوله: "وتوكلهم رضاهم بتدبير الحق" الرضا بالتدبير ثمرة التوكل وموجبه لا أنه نفس التوكل والمقدور، يكشفه أمران: التوكل قبل وقوعه، والرضا به بعد وقوعه.
ومن هنا قال بعضهم: حقيقة التوكل الرضا لأنه لما كان ثمرته وموجبه استدل له عليه استدلالًا بالأثر على المؤثر وبالمعلول على العلة، ولهذا قال فى الحديث الذى رواه الإمام أحمد والنسائى: وغيرهما عن النبى ﷺ أنه قال فى دعائه: "اللهم إنى أسألك بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيرًا لى، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا، وأسألك القصد فى الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاءِ، وأسألك برد العيش بعد الموت" الحديث. وقد تقدم، فقال: "وأسألك الرضا بعد القضاء".
وأما التوكل فإنما يكون قبله، وقوله: "وتخلصهم من تدبيرهم" هذا مقام كثيرًا ما يشير إليه السالكون، وهو ترك التدبير، وينبغى أن لا يؤخذ على إطلاقه بل لا بد فيه من التفصيل فيقال: العبد دائر بين مأمور يفعله، ومحظور يتركه. وقد يجري عليه بلا إرادة منها ولا كسب فوظيفته فى المأْمور كمال التدبير والجد والتشمير، وأن يدبر الحيلة فى [تنفيذه] بكل ما يمكنه، فترك التدبير هنا تعطيل للأمر. بل يدبر فعله ناظرًا إلى تدبير الحق له، وأن تدبيره إنما يتم بتدبير الله له، فلا يكون هنا قدريًا مجوسيًا ناظرًا إلى فعله جاحدًا لتدبير الله وتقديره ومعونته، ولا قدريًا مجبرًا ولا واقفًا مع القدر جاحدًا لفعله وتدبيره ومجلي أمر الله ونهيه.
فإن فعله الاختيارى هو محل الأمر والنهى، فمن جحد فعل نفسه فقد عطل الأمر والنهي وجحد محلهما، ووظيفته فى المحظور الفناءُ عن إرادته وفعله،
[ ٣٤٠ ]
فإن عارضته أسباب الفعل، فالواجب عليه الجد فى الهرب والتشمير فى الكف والبعد، وهذا تدبير للنهى.
وأما القدر الذى يصيبه بغير إرادته، فهذا الذى يحسن فيه إسقاط التدبير جملة، وصبره ورضاه بما قسم له من محبوب ومكروه.
فعلى هذا التفصل ينبغى أن يوضع إسقاط التدبير، وجماع ذلك أنك تسقط التدبير فى حظك وتكون قائمًا بالتدبير فى حق ربك، وهكذا ينبغى أن تفرغ الهمة من إجالتها فى إصلاح شأْنك، فإن إصلاح شأنك بحصول حظوظك يحصل فيه فراغ الهمة وترك التدبير، وأما إصلاح شأْنك بأداءِ حق الله فالواجب شغل الهمة وإجالتها فى القيام به.
وقوله: "بوقوفهم على الفراغ المدبر منها، ومرها على علمه بمصالحهم فيها" فلا ريب أن الله ﷾ قضى القضية وفرغ من تدبير أُمور الخلائق، ولكن قدرها بأسبابها المفضية إليها، فلا يكون وقوف العبد على فراغه ﷾ من أقضيته فى خلقه وتدبيره مانعًا له من قيامه بالأسباب التى جعلها طرقًا لحصول ما قضاه منها. وكذلك يباشر العبد الأسباب التى بها حفظ حياته من الطعام والشراب واللباس والمسكن، ولا يكون وقوفه مع فراغ المدبر منها مانعًا له من تعاطيها.
وكذلك يباشر الأسباب الموجبة لبقاءِ النوع من النكاح والتسرى، ولا يكون وقوفه مع فراغ الله من خلقه مانعًا له [من ذلك] وهكذا جميع مصالح الدنيا والآخرة وإن كانت مفروغًا منها قضاءً وقدرًا، فهى منوطة بأسبابها التى يتوقف حصولها عليها شرًا وخلقًا.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿يأَيتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِى إِلَى رَبِّكَ﴾ [الفجر: ٢٧-٢٨]، فالنفس المطمئنة هى التى اطمأنت إلى ربها وسكنت إلى حبه واطمأنت بذكره وأيقنت بوعده ورضيت بقضائه، وهى ضد النفس الأمارة بالسوءِ، فلم تكن طمأنينتها بمجرد إسقاط تدبيرها، بل القيام بحقه والطمأّنينة بحبه وبذكره.
فصل
قال: وصبرهم صونهم قلوبهم عن خاطر السوءِ أن الله قضى قضاءً عاريًا عن المرافقة خارجًا عن الخيرة، قال الله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، قد تقدم الكلام فى الصبر وأقسامه وبيان مرتبته من الإيمان.
وما ذكره فى تفسيره [هاهنا] غير مطابق لمعناه، وهو تفسير بعيد جدًا، فإن الصبر من أعمال القلوب، وهو حبس النفس وكفها عن السخط، وأما صون القلب عن اعتقاد ما لا يليق بالله فلا يقال له صبر بل هذا من لوازم الإيمان، وهو كاعتقاد أنه ﷾ حكيم رحيم
[ ٣٤١ ]
عليم سميع بصير إلى غير ذلك من صفات كماله.
فلا يقال: الصبر صون القلب عن اعتقاد أضدادها، هذا بعيد جدًا وتكلف زائد لتفسير الصبر، وهل فهم أحد قط هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الطور: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللهِ﴾ [النمل: ١٢٧]، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠، وسورة ق: ٣٩] [وقوله تعالى:] ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]، وسائر نصوص الصبر.
ومن العجب جعل الصبر الذى هو نصف الإيمان من منازل العوام، وتفسيره بهذا التفسير، نعم يجب على كل مسلم أن ينزه الله ﷾ عن أن يقضى قضاءً ينافى حكمته وعدله وفضله وبره وإحسانه، بل كل أقضيته لا تخرج عن الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة، وإن كان كثير من المتكلمين ينازع فى هذا الأصل ويقول: الذى ينزه الله عنه من الأقضية هو المستحيل الممتنع، وأما الممكن فلا يقبح منه شيء، وهؤلاء لا [معنى] صون القلب عن خواطر السوءِ المتعلقة بما يقضيه الله عندهم إلا صونها عن خواطر الممتنعات والمستحيلات فقط.
وبالجملة هذا مقام آخر غير مقام الصبر، بل هذا باب من أبواب المعرفة والعلم، ولكل مقام مقال. وأما استشهاده بقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِى الْمُوْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧]، فالبلاءُ الحسن هنا هو النعمة بالظفر والغنيمة والنصر على الأعداءِ، وليس من الابتلاءِ الذى هو الامتحان بالمكروه، بل من أَبلاه بلاءً حسنًا إذا أنعم عليه، يقال: أبلاك الله ولا ابتلاك، فأبلاه بالخير، وابتلاه بالمكاره غالبًا كما فى الحديث: "إنى مبتليك ومبتل لك".
فصل
قال: وحزنهم يأْسهم عن أنفُسهم الأمارة بالسوءِ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانِ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ [العاديات: ٦]، وقد تقدم أيضًا الكلام على ما ذكره فى الحزن، وأما تفسيره إياه أنه "يأْسهم عن أنفسهم الأمارة بالسوء" فليس بالبين، فإن الحزن هو الأسف على فوت محبوب أو حصول مكروه، وإن تعلق ذلك بالماضى كان حزنًا وإن تعلق بالمستقبل كان خوفًا وهمًّا.
وأما "اليأْس عن النفس الأَمارة بالسوءِ" فليس بحزن، ويمكن أن يكون مراده أن حزنهم ينشأُ عن النفس الأمارة بالسوءِ"لا عن المطمئنة، فإن [النفس] المطمئنة
[ ٣٤٢ ]
لا تحزن وإنما تحزن الأمارة لفوات محبوبها، وليس هذا كما قال، فإن النفس المطمئنة تحزن على تقصيرها فى أداءِ الحق وعلى تضييعها الوقت وإيثارها غير الله عليه فى الأحيان، وهذا الحزن لا بد منه، إذ التقصير والتضييع لازم، وأما استشهاده على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ [العاديات:٦]، فوجهه أن الكنود هو الكفور، وهو الذى يذكر المصائب، وينسى النعم، ولا ريب أن الحزن ينشأ عن هذين، ولا ريب أن الحزن الناشيء عن الكنود حزن ناشيء عن النفس الأَمارة بالسوءِ، وأما الحزن على تقصيره وتضييع وقته فليس من هذا، وقد تقدم ذلك وذكر أقسام الحزن ومتعلقاته والله أعلم.
فصل
قال: وخوفهم هيبة الجلال لا خوف العذاب، فإن خوفهم مناضلة عن النفس وضن بها، وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النمل: ٥٠]، وقال فى حق العوام: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]، وقد تقدم أيضًا الكلام على ما ذكره فى الحديث وعلته.
وقوله هو: "هيبة الجلال لا خوف العذاب" تقدم بيان بطلانه، وأن الله سبحانه أثنى على خاصة أوليائه من الملائكة والأنبياءِ وغيرهم ممن عبدهم المشركون بأَنهم: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابِهِ﴾ [الإسراء: ٥٧]، [فكيف] يقال: إن خوف العذاب نقص ومناضلة عن النفس؟ هذا من الترهات، والزعومات، ودعاوى الأنفس.
وقوله: "إن الخوف مناضلة عن النفس" فسبحان الله، هل يقال لمن خاف الله وخاف عقوبته إنه مناضل ربه؟ ولو كان مناضلة فهو مناضلة العدو والهوى والشهوة، وهذه المناضلة من أعظم أنواع العبودية، فإن من خاف شيئًا ناضل عنه فهو مناضلة عن العذاب وأسبابه، وما ثمَّ إلا مناضلة وإلقاء باليد إلى التهلكة، ولولا هذه المناضلة لحصل الاستسلام للعقوبة.
والمناضلة المحذورة: المناضلة عن محبوبات الرب وأوامره، وليس الضن بالنفس عن عذاب الله نقصًا، بل الكمال والفوز والنعيم فى ضن العبد بنفسه عن أن يسلمها لعذاب الله، ومن لم يضن بنفسه فليس فيه خير البتة، والضن بالنفس إنما يذم إذا ضن بها عن بذلها فى محبوب الرب وأوامره، وأما إذا ضن بها عن
[ ٣٤٣ ]
عذابه فهل يكون هذا علة؟ وهل العلة كلها إلا فى عدم هذه المناضلة والضن؟ قوله: "وهيبة الجلال تعظيم الحق ونسيان النفس" قد تقدم الكلام فى الهيبة والتعظيم وأنهما غير الخوف والخشية.
ولا تستلزم هذه الهيبة أيضًا نسبان النفس، ولا يكون شعور العبد بنفسه فى هذا المقام نقصًا ولا علة كما تقدم، بل هو أكمل لاستلزامه البقاء الذى هو أقوى وأكمل من الفناءِ، وأما قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النمل:٥٠]، فهو حجة عليه كما تقدم ولا يصح تفسير الخوف هنا بالهيبة لوجهين: أحدهما أنه خروج عن حقيقة اللفظ ووضعه الأصلى بلا موجب، الثانى أن هذا وصف للملائكة وقد وصفهم سبحانه بخوفه وخشيته فالخوف فى هذه الآية والخشية فى قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلَفَهُم وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَن ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] فوصفهم بالخشية والإشفاق. ووصفهم بخوف العذاب فى قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إَلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابِهِ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وهم خواص خلقه، فإياك ورعونات النفس وحماقاتها وجهالاتها، ولا تكن ممن لا يقدر الله حق قدره، وقد قال النبى ﷺ: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم"، فإذا علم المقرب العارف أن الله لو عذبه لم يظلمه، فمن أحق بالخوف منه؟ قوله: وقال فى حق العوام: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧] هذا من الشطحات القبيحة الباطلة، فإن هذا صفة خواص عباده وعارفيهم، وهم الذين قال فيهم:
﴿رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مّن فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:٣٧-٣٨]
فهولاء هم خواص الخلق، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بغحسان، أفلا يشحى من جعل هذا الوصف للعوام؟ لا ريب أن هذا مصدره إما جهل مفرط، وإما تقليد لقائل لا يدرى لازم قوله.
هذا إن أحسن الظن بقائله وإن كان مصدره غير ذلك فأدهى وأمر. ولولا أن هذه الكلمات ونحوها مهاو ومعاطب في الطريق لكان الإعراض عنها إلى ما هو أهم منها أولى. والله المستعان.
فصل
كلام آخر فى مقام الرجاء
قال: ورجاؤهم ظمؤهم إلى الشراب الذي هم فيه غرقى، وبه سكرى،
[ ٣٤٤ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان:٤٥]
هذا أيضًا من ذلك النمط، ورجاء الأنبياء والرسل فمن دونهم إنما هو طمعهم فى رحمته ومغفرته وانظر إلى دعوى هؤلاء وإلى قوم إمام الحنفاء خليل الرحمن ﷺ: ﴿وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ﴾ [الشعراء:٨٢]، كيف علق رجاءه وطمعه بمغفرة الله له، وقال تعالى عن خاصة خلقه وأعلمهم به انهم: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:٥٧]
ومن العجب استدلاله بقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ﴾ [الفرقان:٤٥]، فما لهذه الآية وما للرجاء، ولا سيما ما ذكره المصنف فى تفسيره رجاء القوم والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز ومعنى الآية: التنبيه على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه، والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل، والظل ما قبل الزوال، والفئ بعده، فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدًا أطول ما يكون وجعل الشمس دليلًا عليه فإنها هى التى تظهره وتبينه ثم كلما ارتفعت الشمس شيئًا انقبض من الظل جزء، فلا يزال ينقص يسيرًا [يسيرًا]، حتى ينتهى إلى غايته، فإذا أخذت الشمس فى الجانب الغربى انبسط بعد انقباضه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كهيئته عند طلوعها.
ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاءِ الظل فى قصره، فإذا أخذ فى الزيادة بعد تناهى قصره فقد تحقق الزوال، ولو شاءَ الله لجعله ساكنًا دائمًا على حالة واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان، فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه وأما دلالة هذه الآية على الرجاء فيحتاج إلى إشارة وتكلف غير مقصود بها، وآيات الرجاء فى القرآن أكثر وأظهر وأصرح فى المقصود ظاهرة واستنباطًا، فالظاهرة كقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُوْنَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ الله﴾ [العنكبوت: ٥] .
والمستنبطة كآيات البشارة كلها كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿وَبَشِّرْ الصَابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ﴿فَبَشِّرْ عِبَاد الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٧- ١٨]، ﴿ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّر اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى: ٢٣] .
فصل
قال: وشكرهم وسرورهم بموجودهم واستبشارهم بلقائه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا
[ ٣٤٥ ]
بِبَيْعَكُمْ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] وهذا أيضًا من النمط المتقدم وشكر القوم هو عملهم بطاعة الله واستعانتهم بنعمه على محابه، قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] .
وقال النبى ﷺ لما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا". فسمى الأعمال شكرًا وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها، فحقيقة الشكر هو الثناءُ على النعم ومحبته والعمل بطاعته، كما قال:
أفادتكم النعماءُ عندى ثلاثة يدى ولسانى والضمير المحجبا
فاليد للطاعة، واللسان للثناءِ، والضمير للحب والتعظيم، وأما السرور به وإن كان من أجل المقامات فإن العبد إنما يسرُّ بمن هو أحب الأشياء إليه، وعلى قدر حبه له يكون سروره، وهذا السرور ثمرة الشكر لا أنه نفس الشكر، فكذلك الاستبشار والفرح بلقائه إنما هو ثمرة الشكر وموجبه، وهو كالرضا من التوكل وكالشوق من المحبة، وكالأُنس من الذكر، وكالخشية من العلم وكالطمأننة من اليقين، فإنها ثمرات لها وآثار وموجبات، فعلى قدر شكره بالأعمال الظاهرة والباطنة وتصحيح العبودية يكون سروره واستبشاره بلقائه، وأما قوله ﷾: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] فهذا إنما قاله للشاكرين الذين يقاتلون فى سبيله فيقتلون ويقتلون، ثم وصفهم بعد ذلك بقيامهم بأعمال الشكر فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَائِحُون الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَن المُنكَرِ وَالحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: ١١٢]، فهؤلاء المستبشرون ببيعهم جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
فصل
قال: "ومحبتهم فناؤهم فى محبة الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال"؟ وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه كفاية، وبينا أن البقاءَ فى المحبة أفضل وأكمل من الفناءِ فيها من وجوه متعددة، وأن الفناءَ إنما هو لضعف المحب عما حمل، وأما الأقوياءُ فهم- مع شدة محبتهم- فى مقام البقاء والتمييز.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] فالآية إنما سبقت فى الكلام على من يعبد غير الله ويشرك به، قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَن
[ ٣٤٦ ]
يَمْلِكُ السَّمْعُ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَى مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَى وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرُ؟ فَسَيَقُولُونَ الله، فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣١- ٣٢]، [فمن] عبد غير الله فما عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت، وأما من عبد الله بأَمره وكان فى مقام التمييز بين محابه ومساخطه مفرقًا بينهما يحب هذا ويبغض هذا ناظرًا بقلبه إلى ربه عاكفًا بهمته عليه منفذًا لأوامره فهو مع الحق المحض. والله أعلم.
فصل
قال: وشوقهم هزمهم من رسمهم وسماتهم استعجالًا للوصول إلى غاية المنى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]، قد تقدم الكلام فى الشوق مستوفى وليس الهرب من الغير والضد هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه، فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده، فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسمات.
فصل
قال: "والإرادة والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاءُ، والشكر والمحبة والشوق من منازل أَهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شاهدوا عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال الشاهدين حتى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل".
قلت: الحقائق التى أشار إليها على لسان أهل السلوك ثلاث: "حقيقة إيمانية نبوية"، وهى حقيقة العبودية التى هى كمال الحب وكمال الذل، وسير أهل الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة ومنازل السير التى ينزلون فيها هى منازل الإيمان الموصلة إليها والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة ولا يقفون معها ويرونها منزلة من منازل العامة،
الحقيقة الثانية: "حقيقة كونية قدرية" يشاهدون فيها انفراد الرب [تعالى] بالتكوين والإيجاد وحده، وأن العالم كالميت يقلبه ويصرفه كيف يشاءُ، وهم يعظمون هذا المشهد ويروون الفناءَ فيه غاية ما بعدها شيء.
وهذا من أغلاطهم فى المعرفة والسلوك، فإن هذا المشهد لا يدخل صاحبه فى الإيمان فضلًا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياءِ الله المقربين، فإن عباد الأصنام شهدوا هذا المشهد ولم ينفعهم وحده، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ
[ ٣٤٧ ]
قُلْ مَن رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ العظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يَجِيرُ وَلا يُجَارُ عَليْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ للهِ، قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤- ٨٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠]، ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهذا كثير فى القرآن، فالفناءُ فى هذا المشهد لا يدخل العبد فى دائرة الإسلام، فكيف يجعله هو الحقيقة التى ينتهى إليها سير السالكين، ويجعل حقيقة الإيمان ودعوة الرسل منزل من منازل العامة، وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد عن الصراط المستقيم وقلب للحقائق؟
وكم قد هلك فى هذه الحقيقة من أُمم لا يحصيهم إلا الله، وكم عطل لأجلها الواقفون معها من الشرائع، وخربوا من المنازل وما نجا من معاطبها إلا من شملته العناية الربانية، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية، حقيقة رسل الله وأنبيائه وأتباعهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاءُ.
والحقيقة الثالثة: "حقيقة اتحادية" بل واحدية لا يفرق فيها بين الرب والعبد، ولا بين القديم والمحدث، ولا بين صانع ومصنوع، بل الأمر كله واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق.
وهذه الحقيقة التى يشير إلى عينها طائفة الاتحادية، ويعدون من لم يكن من أهلها محجوبًا، وهذه حقيقة كفرية اتحادية، وهى مع ذلك خيال فاسد، وعقل منكوس، وذوق من عين منتنة، وكفر أهلها أعظم من كفر كل أُمة، فإنهم جحدوا الصانع حقًا وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود، والذين أثبتوا الصانع وعدلوا به غيره وسووا بينه وبين غيره فى العبادة مقالتهم خير من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كل موجود وعين كل شيء تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوًا كبيرًا.
فعليك بالفرق بين السائرين إلى هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية، والسائرين إلى عين الحقيقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التى هى حقيقة جميع الأنبياءِ والمرسلين، وفيها تفاوتت مراتب السالكين ومنازلهم من القرب من رب العالمين.
قال شيخ هذه الحقيقة إبراهيم ﵇ لما تحقق فناءُ تلك الرسوم وأفولها: ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ
[ ٣٤٨ ]
َجْهِى لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وهذا التوجه يتضمن محبته دون غيره، وعبادته وطاعته دون غيره. فهذه هى الحقيقة حقًا وما سواها باطل حقيقة، قال تعالى لأكرم خلقه عليه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ [النحل: ١٢٣]، فأمره تعالى أن يقتدى بأبيه إبراهيم فى هذه الحقيقة، وكان ﷺ يعلم أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين"، فنسأل الله العظيم أن يهب لنا هذه الحقيقة ويثبتنا عليها، ويعيدنا مما سواها، إنه قريب مجيب بمنه وكرمه. والله أعلم.
[ ٣٤٩ ]