الطبقة الأولى: وهى العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة، فأكرم الخلق على الله وأخصهم بالزلفى لديه رسله، وهم المصطفون من عباده الذين سلم عليهم فى العالمين كما قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٨١]، وقال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِى الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيم كذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٩-١١٠]، ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] .
وكلمة "السلام" هنا تحتمل أن تكون داخلة فى حيز القول، فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهى "الحمد لله"، ويكون الأمر بالقول متناولًا للجملتين معًا، وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول، ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب.
وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون السلام من الله عليهم، وهو المطابق لما تقدم من سلامه ﷾ على رسله ﵈.
وعلى التقدير الأول يكون أمرَ بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد، ولا: اخرج وقعد وعمرو، أو يجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت
[ ٣٤٩ ]
بجملة خبرية، ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ انْظرُوا مَاذَا فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾
[يونس: ١٠١]، فقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ ليس معطوفًا على القول وهو انظروا بل معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ، وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]، والمقصود أنه على هذا القول يكون الله ﷾ قد سلم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم، وقد أخبر ﷾ أنه أخلصهم: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لِمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ﴾ [سورة ص: ٤٦-٤٧]، ويكفى فى فضلهم وشرفهم أن الله ﷾ اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناءَ على رسالته وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه.
وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد علي"أيديهم وبهم عرف الله وبهم عبد وأُطيع وبهم حصلت محابه [الله] تعالى فى الأرض، وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم المذكورون فى قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى: ١٣]، وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق وعليهم تدور الشفاعة حتى يردوها إلى خاتمهم وأفضلهم ﷺ.
الطبقة الثانية: من عداهم من الرسل على مراتبهم من [تفضيل الله] بعضهم على بعض.
الطبقة الثالثة: الذين لم يرسلوا إلى أُممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة، فاختصوا عن الأُمة بإيحاء الله إليهم، وإْرساله ملائكته إلَيْهِمْ واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأُمة بدعوتهم إلى الله بشريعته وأمره، واشتركوا فى الوحى ونزول الملائكة عليهم.
[ ٣٥٠ ]
الطبقة الرابعة: ورثة الرسل وخلفاؤهم فى أُممهم، وهم القائمون بما بعثوا به علمًا وعملًا ودعوة للخلق إلى الله، على طرقهم ومنهاجهم، [ولهذا أفضل مراتب الخلق بعد الرسالة والنبوة وهى مرتبة الصديقيه] قرنهم الله فى كتابه بالأنبياء فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِع الله والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحُسْنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩]، فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون فى العلم، وهم الوسائط بين الرسول ﷺ وأُمته، فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأْتى أمر الله وهم على ذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ، وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩]، وقيل: إن الوقف على قوله تعالى: ﴿هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ثم يبتديءُ "وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ"، فيكون الكلام جملتين أخبر فى إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون والإيمان التام يستلزم العلم والعمل والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه، وأخبر فى الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداءِ، ولهذا قدمهم عليهم فى الآيتين، هنا وفى سورة النساء، وهكذا جاءَ ذكرهم مقدمًا على الشهداءِ فى كلام النبى ﷺ فى قوله: "اثبت أُحد فإنما عليك نبى وصديق وشهيد، ولهذا كان نعت الصديقية وصفًا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين [أبو] بكر الصديق [﵁] ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية لكانت نعتًا له ﵁، وقيل: إن الكلام كله جملة واحدة وأخبر عن المؤمنين بأنهم هم الصديقون والشهداءُ عند ربهم، وعلى هذا فالشهداء هم الذين يستشدهم الله على الناس يوم القيامة وهو قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وهم المؤمنون، فوصفهم بأنهم صديقون فى الدنيا وشهداءُ على الناس يوم القيامة، ويكون الشهداء وصفًا لجملة المؤمنين الصديقين، وقيل: الشهداء هم الذين قتلوا فى سبيل الله، وعلى هذا القول يترجح أن يكون الكلام جملتين ويكون قوله: "والشهداءُ" مبتدأ خبره ما بعده، لأنه ليس كل مؤمن صديق شهيدًا فى سبيل الله.
[ ٣٥١ ]
ويرجحه أيضًا أنه لو كان الشهداء داخلًا فى جملة الخبر [عند المؤمنين] لكان قوله تعالى: ﴿لَهُم أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] داخلًا [أيضًا] فى جملة الخبر عنهم ويكون قد أخبر عنهم بثلاثة أشياء: أحدها: أنهم هم الصديقون، والثانى: أنهم هم الشهداءُ، والثالث: أن لهم أجرهم ونورهم، وذلك يتضمن عطف الخبر الثانى على الأول، ثم ذكر الخبر الثالث مجردًا عن العطف، وهذا كما تقول: زيد كريم وعالم له مال والأحسن فى هذا تناسب الأخبار بأن تجردها كلها من العطف أو تعطفها جميعًا فتقول: زيد كريم عالم له مال، أو كريم وعالم وله مال فتأمله.
ويرجحه أيضًا أن الكلام يصير جملًا مستقلة قد ذكر فيها أصناف خلقه السعداء وهم الصديقون [والشهداء والصالحون وهم المذكورون فى الآية وهم المتصدقون] الذين أقرضوا الله قرضًا حسنًا، فهؤلاد ثلاثة أصناف ثم ذكر الرسل فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فيتناول ذلك الأصناف الأربعة المذكورة فى سورة النساء، فهؤلاء هم السعداء، ثم ذكر الأشقياء وهم نوعان: كفار، ومنافقون، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]، وذكر المنافقون فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فهؤلاء أصناف العالم كلهم، وترك ﷾ ذكر المخلط صاحب الشائبتين على طريقة القرآن فى ذكر السعداء والأشقياء دون [المخلصين] غالبًا لسر اقتضته حكمته [﷾] .
فليحذر صاحب التخليط، فإنه لا ضمان له على الله، ولا هو من أهل وعده المطلق، ولا ييأس من روح الله فإنه ليس من الكفار الذين قطع لهم بالعذاب، ولكنه بين الجنة والنار واقف بين الوعد والوعيد كل منهما يدعوه إلى موجبه لأنه أتى بسببه. وهذا هو الذى لحظه القائلون بالمنزلة بين المنزلتين، ولكن غلطوا فى تخليده فى النار، ولو نزلوه منزلة بين المنزلتين ووكلوه إلى المشيئة وقالوا بأنه يخرج من النار بتوحيده وإيمانه لأصابوا، ولكن منزلة بين منزلتين وصاحبهما مخلد فى النار مما لا يقتضيه عقل ولا سمع،
بل النصوص الصريحة المعلومة الصحة تشهد ببطلان قولهم
[ ٣٥٢ ]
والله أعلم، وأيضًا فصاحب الشائبتين يعلم حكمه من نصوص الوعد والوعيد، فإن الله ﷾ رتب على كل عمل جزاءً فى الخير والشر، فإذا أتى العبد بهما كان فيه سبب الجزاءَين، والله لا يضيع عمل مثقال ذرة، فإن كان عمل الشر مما يوجب سقوط أثر الحسنة كالكفر كان التأثير [له] وإن لم يسقطه كالمعصية ترتب فى حقه الأثران ما لم يسقط أحدهما بسبب من الأسباب التى نذكرها إن شاء الله فيما بعد، والمقصود أن درجة الصديقية والربانية ووراثة النبوة وخلافة الرسالة هى أفضل درجات الأُمة، ولو لم يكن من فضلها وشرفها إلا أن كل من علم بتعليمهم وإرشادهم أو علم غيره شيئًا من ذلك كان له مثل أجره ما دام ذلك جاريًا فى الأمة على آباد الدهور، وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال لعلى بن أبى طالب: "والله لأن يهدى الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم".
وصح عنه ﷺ أنه قال: "من سن فى الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أُجورهم شيئًا".
وصح عنه ﷺ أيضًا أنه قال: " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وصح عنه ﷺ أنه قال: "من يرد الله به خيرًا يفقهه فى الدين ".
وفى السنن عنه ﷺ أنه قال: "إن العالم يستغفر له من فى السموات ومن فى الأرض حتى النملة فى جحرها".
وعنه ﷺ أنه قال: "إن الله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير"، وعنه ﷺ أنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ عظيم وافر".
وعنه ﷺ: "العالم والمتعلم شريكان فى الأجر، ولا خير فى سائر الناس بعد"، وعنه ﷺ أنه قال: "نضر الله امرءًا سمع مقالتى فوعاها وأداها كما سمعها".
والأحاديث فى هذا كثيرة، وقد ذكرنا مائتى دليل على فضل العلم وأهله فى كتاب مفرد، فيالها من مرتبة ما أعلاها، ومنقبة ما أجلها وأسناها، أن يكون المرءُ فى حياته مشغولًا ببعض أشغاله، أو فى قبره قد صار أشلاء متمزقًا وأوصالًا متفرقة، وصحف حسناته متزايدة يملى فيها الحسنات كل وقت، وأعمال الخير مهداة إليه من حيث لا يحتسب تلك والله المكارم والغنائم، وفى ذلك فليتنافس المتنافسون، وعليه يحسد الحاسدون، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وحقيق بمرتبة هذا شأنها أن تنفق نفائس الأنفاس عليها، ويسبق السابقون
[ ٣٥٣ ]
إليها، وتوفر عليها الأوقات وتتوجه نحوها الطلبات، فنسأل الله الذى بيده مفاتيح كل خير أن يفتح علينا خزائن رحمته، ويجعلنا من أهل هذه الصفة بمنه وكرمه وأصحاب هذه المرتبة يُدعون عظماءَ فى ملكوت السماءِ كما قال بعض السلف: من علم وعمل وعلَّم، فذلك يدعى عظيمًا فى ملكوت السماء.
وهؤلاء هم العدول حقًا بتعديل رسول الله ﷺ لهم، إذ يقول فيما يروى عنه من وجوه [سند] بعضها بعضًا "يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين".
وما أحسن ما قال فيهم الإمام أحمد فى خطبة كتابه فى "الرد على الجهمية": "الحمد لله الذى جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أجبروه، ومن ضال جاهل قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين". وذكر ابن وضاح هذا الكلام عن عمر بن الخطاب.
الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته الذين تؤمن بهم السبل ويستقيم بهم العالم ويستنصر بهم الضعيف ويذل بهم الظالم ويأْمن بهم الخائف وتقام بهم الحدود ويدفع بهم الفساد ويأْمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقام بهم حكم الكتاب والسنة وتطفأُ بهم نيران البدع والضلالة، وهؤلاء الذين تنصب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن ﷿ يوم القيامة فيكونون عليها- والولاة الظلمة قد صهرهم حر الشمس وقد بلغ منهم العرق مبلغه وهم يحملون أثقال مظالمهم العظيمة على ظهورهم الضعيفة فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيل أحدهم إما إلى الجنة وإما إلى النار.
قال النبى ﷺ: " المقسطون [عند الله] على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن ﵎ وكلتا يديه يمين، الذى يعدلون فى حكمهم وأهلم وما ولوا"، وعنه ﷺ: "إن أحب الخلق إلى الله وأقربهم منه منزلة يوم القيامة إمام عادل، وإن أبغض الخلق إلى الله وأبعدهم منه منزلة يوم القيامة إمام جائر" أو كما قال.
وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلهم الله فى ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وكما كان الناس فى ظل عدلهم فى الدنيا كانوا فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلًا بظل جزاءً وفاقًا، ولو لم يكن من فضلهم
[ ٣٥٤ ]
وشرفهم إلا أن أهل السموات والأرض والطير فى الهواء يصلون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم، وولاة الظلم يلعنهم من بين السموات والأرض حتى الدواب والطير، كما أن معلم الناس الخير يصلى عليه الله وملائكته، وكاتم العلم والهدى الذى أنزله الله وحامل أهله على كتمانه يلعنه الله وملائكته ويلعنه اللاعنون، فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلها وأشرفها أن يكون الوالى والإمام على فراشه و[غيره] يعمل بالخير وتكتب الحسنات فى صحائفه فهى متزايدة ما دام يعمل بعدله، ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره، فأين هذا من [صفه] الغاش لرعيته الظالم لهم [الذى] حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار.
ويكفى فى فضله وشرفه أنه يكف عن الله دعوة المظلوم كما فى الآثار: أيها الملك المسلط المغرور، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لتكف عنى دعوة المظلوم، إنى لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، فإنى لا أحجبها ولو كانت من كافر. فأين من هو نائم وأعين العباد ساهرة تدعو الله له، وآخر أعينهم ساهرة تدعو عليه؟
الطبقة السادسة: المجاهدون فى سبيل الله، وهم جند الله، الذين يقيم بهم دينه ويدفع بهم بأْس أعدائه ويحفظ بهم بيضة الإسلام ويحمى لهم حوزة الدين، وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هى العليا، قد بذلوا أنفسهم فى محبة الله ونصر دينه وإعلاءِ كلمته ودفع أعدائه، وهم شركاءُ لكل من يحمونه بسيوفهم فى أعمالهم التى يعملونها وإن [باتوا] فى ديارهم، ولهم مثل أُجور من عبد الله بسبب جهادهم وفتوحهم فإنهم كانوا هم السبب فيه.
والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام فى الأجر والوزر، ولهذا كان الداعى إلى الهدى والداعى إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من تبعه.
وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب فى الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات، ويكفى فى ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكَمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التى الدال عليها رب [العالمين العليم] الحكيم فقال: ﴿تُؤْمِنُون بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفَسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]، فكأن
[ ٣٥٥ ]
النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعنى أن الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنها قالت: فما لنا فى الجهاد من الحظ؟ فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبِكُمْ﴾، مع المغفرة: ﴿يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]، فكأنها قالت: هذا فى الآخرة فما لنا فى الدنيا؟ فقال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] .
[فلله] ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمِنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ الله لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ، وَاللهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينْ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرجَةً عِندَ اللهِ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ١٩- ٢٢]، فأخبر ﷾ أنه لا يستوى عنده عمار المسجد الحرام، وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هى عمارة مساجده المذكورة فى القرآن، وأهل سقاية الحاج لا يستوون هم وأهل الجهاد فى سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة مع ثنائه على عمارة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاة وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَى إِلا اللهَ، فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨]، فهؤلاءِ هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم. وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّل اللهَ المُجَاهِدِينَ
[ ٣٥٦ ]
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً، وَكُلا وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥- ٩٦]، فنفى ﷾ التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات.
وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات إن كانوا هم [أهل الضرر والقاعدون الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجات هم أولو] الضرر فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا، وعلى هذا فما وجه استثناءِ أُولى الضرر من القاعدين وهم لا يستوون والمجاهدين أصلًا؟
فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدًا، فهذا وجه الإشكال، ونحن نذكر [ما قاله فى الأية ثم نذكر] ما يزيل الإشكال بحمد الله، فاختلف القراءُ فى إعراب "غير"، فقريء رفعًا ونصبًا وهما فى السبعة، وقريء بالجر فى غير السبعة وهى قراءَة أبى حيوة، فأما قراءَة النصب فعلى الاستثناءِ لأن غيرًا يعرب فى الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد إلا وهو النصب، هذا هو الصحيح.
وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أى لا يستوى القاعدون غير مضرورين، أى لا يستوون فى حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن "غير" لا تكاد تقع حالًا فى كلامهم إلا مضافة إلى نكرة كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] [الأنعام: ١٤٥] [النحل: ١١٥]، وقوله ﷿ فى أول المائدة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلا مَا يُتلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]
وقوله ﷺ: "مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى".
فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولو قلت: مرحبًا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى، لجررت غير، هذا هو المعروف من كلامهم والكلام فى عدم تعرف غير بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالًا له مقام آخر. وأما الرفع فعلى النعت للقاعدين، هذا هو الصحيح.
وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدإٍ محذوف تقديره هم غير أولى الضرر، والذى حمله على هذا ظنه أن غيرًا لا تقبل التعريف بالإضافة فلا تجرى صفة للمعرفة، وليس مع من ادعى
[ ٣٥٧ ]
ذلك حجة يعتمد عليها سوى [قولهم] أن غيرًا توغلت فى الإبهام فلا تتعرف بما يضاف إليه.
وجواب هذا أنها إذا دخلت بين [ن] تقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه، وأما قراءة الجر ففيها وجهان أيضًا: أحدهما- وهو الصحيح- أنه نعت للمؤمنين، والثانى- وهو قول المبرد- أنه بدل منه، بناءً على أنه نكرة فلا تنعت به المعرفة.
وعلى الأقوال كلها فهو مفهوم معنى الاستثناء، وإن نفى التسوية غير مسلط على ما أُضيف إليه غيره، وقوله: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرجَةَ﴾ [النساء: ٩٥]، هو مبين لمعنى نفى المساواة. قالوا: والمعنى فضل الله [المجاهدين] على [القاعدين] من أُولى الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه بالجهاد بنفسه وماله. ثم أخبر ﷾ أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: ﴿وَكُلا وَعَدَ الله الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥] أى المجاهد والقاعد المضرور، لاشتراكهما فى الإيمان.
قالوا: وفى هذا دليل على تفضيل الغنى المنفق على الفقير، لأن الله [سبحانه] أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قلت لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج.
قالوا: فهذا حكم القاعد من أولى الضرر والمجاهد، وأما القاعد من غير أولى الضرر فقال [سبحانه]: ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجرًا عَظِيمًا درجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥- ٩٦]، وقوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ قيل: هو نصب على البدل من قوله ﴿أجرًا عظيمًا﴾، وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه، لأنه هو فى المعنى، قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة فى الإسلام درجة والجهاد فى الهجرة درجة، والقتل فى الجهاد درجة.
وقال ابن زيد: الدرجات التى فضل الله [الجهاد] بها المجاهد على القاعد سبع، وهى التى ذكرها الله تعالى إذ يقول تعالي: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدو نَيْلًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ، إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فهذه خمس ثم قال: ﴿وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيْرَةً ولا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١] به عمل صالح، فهاتان اثنتان، وقيل: الدرجات
[ ٣٥٨ ]
سبعون درجة ما بين الدرجتين حُضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.
والصحيح أن الدرجات هى المذكورة فى حديث أبى هريرة الذى رواه البخارى فى صحيحه [عنه] عن النبى ﷺ أنه قال: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فإن حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر فى سبيل الله أو جلس فى أرضه التى ولد فيها" قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: "إن فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله، كل درجتين كما بين السماءِ والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
قالوا: وجعل ﷾ التفضيل الأَول بدرجة فقط، وجعله [ها هنا] بدرجات ومغفرة ورحمة، وهذا يدل على أنه يفضل على غير أُولى الضرر، فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.
ولكن بقى أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقًا لزم أن لا يستوى مجاهد وقاعد مطلقًا، فلا يبقى فى تقييد القاعدين بكونهم من غير أُولى الضرر فائدة، فإنه لا يستوى المجاهدون والقاعدون من أُولى الضرر أيضًا.
وأيضًا فإن القاعدين المذكورين فى الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولى الضرر لا القاعدون الذين هم أولوا الضرر، فإنهم لم يذكر حكمهم فى الآية، بل استثناهم وبين أن التفضيل على غيرهم، فاللام فى "القاعدين" للعهد والمعهود هم غير أولى الضرر لا المضررون وأيضًا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا"، وقال ﷺ: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة حبسهم العذر"، وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أُولى الضرر لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت [عن القاعدين من أولى الضرر فلم يدل على حكمهم بطريق منطوقها] عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين.
بل هذا النوع منقسم إلى معذور من أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذى تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد.
وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفى التسوية، وهذا لأن
[ ٣٥٩ ]
قاعدة الشريعة أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من الفعل أو مقدمات الفعل نزل صاحبه فى الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام كما دل عليه قوله ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار"، قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
وفى الترمذى ومسند الإمام أحمد من حديث أبى كبشة الأنمارى عن النبى ﷺ أنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتقى فى ماله ربه ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا، فهذا بأحسن المنازل [عند الله]، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا، فهو يقول: لو أن لى مالًا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته، وهما فى الأجر سواءٌ، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا، فهو لا يتقى فى ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا، فهذا بأسوإِ المنازل عند الله، وعبد لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا فهو يقول: لو أن لى مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما فى الوزر سواءٌ"، فأخبر ﷺ أن وزر الفاعل والناوى الذى ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواءٌ، لأنه أتى بالنية ومقدوره التام، وكذلك أجر الفاعل والناوى الذى اقترن قوله بنيته. وكذلك المقتول الذى سل السيف وأراد به قتل أخيه المسلم فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التى اقترن بها مقدورها من السعى والحركة.
ومثل هذا قوله ﷺ: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، فإن بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل. ومثله: "من دعا إلى هدى فله مثل أُجور من اتبعه"، ومن دعا إلى ضلالة عليه من الوزر مثل آثام من تبعه لأجل نيته واقتران مقدورها بها من الدعوة، ومثله: "إذ جاءَ المصلى إلى المسجد ليصلى جماعة فأدركهم وقد صلوا فصلى وحده كتب له مثل أجر صلاة الجماعة بنيته وسعيه"، كما قد جاءً مصرحًا به فى حديث مروي.
ومثل هذا من كان له ورد يصليه من الليل فنام ومن نيته أن يقوم إليه فغلب عينه نوم كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة، ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله، فشغل عنه بالمرض والسفر كتب له مثل عمله وهو صحيح مقيم، ومثله: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغة الله، منازل الشهداءِ ولو مات على فراشه"، ونظائر ذلك كثيرة.
والقسم الثانى معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزمًا تامًا، فهذا لا يستوى هو والمجاهد فى سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهدين
[ ٣٦٠ ]
عليه وإن كان معذورًا لأنه لا نية له تلحقه بالفاعل التام كنية أصحاب القسم الأول.
وقد قال النبى ﷺ فى حديث عثمان ابن مظعون: "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته"، فلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوى بالمجاهد مطلقًا، ولا ينفى عنه المساواة مطلقًا، ودلالة المفهوم لا عموم لها، فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض الألفاظ.
والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له عمومًا يجب اعتباره.
فإن أدلة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل.
فأما التخصيص فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا لا يقتضى العموم وسلب حكم المنطوق عن جميع صور المفهوم لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكم عن بعضها ويثبت لبعضها ثبوت تفصيل فيه، فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه، إما بشرط لا تجب مراعاته فى المنطوق، وإما فى وقت دون وقت، بخلاف حكم المنطوق فإنه ثابت أبدًا، ونحو ذلك من فوائد التخصيص.
وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة فإثباته [بمجرد] التحكم، وأما التعليل فإنهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضى نفى الحكم عما عداه وإلا لم يكن الوصف المذكور علة.
وهذا أيضًا لا يستلزم عموم النفى عن كل ما عداه، وإنما غايته اقتضاؤه نفى الحكم المرتب على ذلك الوصف عن الصور المنفى عنها الوصف، وأما نفى الحكم جملة فلا تجوز ثبوته بوصف آخر وعلة أُخرى، فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة، وفى الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه.
ومثال هذا ما نحن فيه [فإن] قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرِ أُولِى الضَرَّرِ وَالُْمُجاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] لا يدل على مساواة المضرورين [للمجاهدين] مطلقًا من حيث الصورة، بل إن ثبتت المساواة فإنها معللة بوصف آخر وهى النية الجازمة والعزم التام، والضرر المانع من الجهاد فى ذلك الحال لا يكون [مانعًا] من المساواة فى الأجر، والله أعلم.
والمقصود الكلام على طبقات الناس فى الآخرة. وأما النصوص والأدلة الدالة على فضل الجهاد وأهله فأكثر من أن تذكر هنا ولعلها أن تفرد فى كتاب على هذا
[ ٣٦١ ]
النمط إن شاء الله.
فهذه الدرجات الثلاث هى درجات السبق، أعنى درجة العلم والعدل والجهاد وبها سبق الصحابة [﵁] وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب فى [بلوغ] الإسلام إلينا وفى تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأُمة فيما ولوه، وأعظمها جهادًا فى سبيل الله.
والأُمة فى آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنًا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب فى [وصوله] إليه، فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف والقلوب بالإيمان وعمروا البلاد بالعدل والقلوب بالعلم والهدى، فلهم من الأجر بقدر أجور الأُمة إلى يوم القيامة مضافًا إلى أجر أعمالهم التى اختصوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاءُ وإنما نالوا هذا بالعلم والجهاد والحكم بالعدل، وهذه مراتب السبق التى يهبها الله لمن يشاءُ من عباده.
الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم ودفع ضروراتهم وكفايتهم فى مهماتهم وهم أحد الصنفين اللذين قال النبى ﷺ فيهم: "لا حسد إلا فى اثنين: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضى بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالًا وسلطه على هلكته فى الحق"، يعنى أنه لا ينبغى لأحد أن يغبط أحدًا على نعمة ويتمنى مثلها، إلا أحد هذين، وذلك لما فيهما من منافع النفع العام والإحسان المتعدى إلى الخلق، فهذا ينفعهم بعلمه وهذا ينفعهم بماله، والخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله.
ولا ريب أن هذين الصنفين من أنفع الناس لعيال الله، ولا يقوم أمر الناس إلا بهذين الصنفين ولا يعمر العالم إلا بهما، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أنفقوا مِنَّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
[ ٣٦٢ ]
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، [وقال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون وقال تعالى: ﴿إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالمصَّدِّقَات وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد:١٨] قال تعالى ﴿من ذا الذى يقرض الله قرضًا حسنًا فَيْضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٥٤٢]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، فصدَّر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن لمعنى الطلب، وهو أبلغ فى الطلب من صيغة الأمر، والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن فيجازى عليه أضعافًا مضاعفة؟ وسمى ذلك الإنفاق قرضًا حسنًا حثًا للنفوس وبعثًا لها على البذل لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه بذله وسهل عليه إخراجه.
فإن علم أن المستقرض ملى وفى محسن كان أبلغ فى طيب قلبه وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمرة حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرًا آخر من غير جنس القرض وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاءٌ كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة فى نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه، ولهذا كانت الصدقة برهانًا لصاحبها.
وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التى تضمنتها الآية، فإنه [سبحانه] سماه قرضًا، وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض [استدعاه] لمعاملته، وليعرف مقدار الربح فهو الذى أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به، ثم أخبر [عن ما] يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة، ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة وهو الأجر الكريم.
وحيث جاءَ هذا القرض فى القرآن قيده بكونه حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة: أحدها أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه. الثانى: أن [يخرجه] طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاءَ مرضاة الله. الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى. فالأول يتعلق بالمال، والثانى يتعلق بالمنفق بينه وبين الله، والثالث بينه وبين الآخذ. وقال تعالى:
[ ٣٦٣ ]
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ كَمَثَل حَبّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سنَابِلَ فِى كُلِّ سُنْبُلَةٍ مَائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وهذه الآية كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التى يضاعفها للمقرض، ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف فى الأذهان بهذه الحبة التى غيبت فى الأرض فأنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التى من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العيانى الشاهد الإيمانى القرآنى فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق.
وتأمل كيف جمع السنبلة فى هذه الآية على سنابل وهى من [مجموع] الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف، وجمعها على سنبلات فى قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، فجاءَ بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]، قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاءُ لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاءُ، وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق فى نفسه، [وفى صفات] المنفق وأحواله [و] فى شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع.
وقيل: والله يضاعف لمن يشاءُ فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز فى المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة.
واختلف فى تفسير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل حبة. وقيل: مثل الذين ينفقون فى سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل للممثل به. [فها هنا] أربعة أُمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر. فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه، فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأْنه، وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها. وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذى حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره.
فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان. وهذا كثير فى أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط، ثم ختم الآية بإسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا [يستبعد] العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه، فإن المضاعف [سبحانه] واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا
[ ٣٦٤ ]
هو أهل لها، فإن كرمه [سبحانه] وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من [أهل] بحكمته وعلمه. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٦٢]، هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون فى سبيله أى فى مرضاته والطريق الموصلة إليه، ومن أنفعها سبيل الجهاد.
[فسبيل] الله خاص وعام، والخاص جزءٌ من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمنّ ولا أذى، فالمن نوعان: أحدهما: منّ [بقلبه] من غير أن يصرح به بلسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من [نقصان] شهود منة الله عليه فى إعطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فللَّه المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منه لغيره؟ والنوع الثانى: أن يمن عليه بلسانه [فيتعدى] على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقًا وطوقه منة فى عنقه فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده.
قال سفيان: يقول أعطيتك فما شكرت. وقال عبد الرحمن بن [زيد]، كان أبى يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه وكانوا يقولون: إذا [اصنعتم] صنيعة فانسوها، وإذا أُسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها. وفى ذلك قيل:
وإن امرءًا أَهدى إلى صنيعة وذكَّرنيها مرة لبخيل
وقيل: صنوان من منح سائله ومنَّ، ومن منع نائله وضنَّ وحظر الله على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه، لأن منَّ العباد تكدير [تعبير]، ومنَّ الله سبحانه إفضال وتذكير، وأيضًا فإنه هو المنعم فى نفس الأَمر والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده فى الحقيقة. وأيضًا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضًا فالمنة أن يشهد المعطى أنه هو رب الفضل والإنعام، وأنه ولى النعمة ومسديها، وليس ذلك فى الحقيقة إلا الله، وأيضًا فالمانُّ بعطائه يشهد نفسه مترفعًا على الآخذ مستعليًا عليه غنيًا عنه عزيزًا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغى ذلك للعبد، وأيضًا فإن المعطى قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقى عوض ما أعطى عند الله.
فأى حق بقى له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد
[ ٣٦٥ ]
ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقه فى قلبه. ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن، فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمنَّ عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له.
فتأمل هذه النصائح من الله لعباده، ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل من نازعه فى شيء من ربوبيته وإلهيته لا إله غيره ولا رب سواه ونبه بقوله: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٢]، على أن المنَّ والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ولم يحصل له مقصود الإنفاق، ولو أتى بالواو وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى، لأوهمت تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن والأذى المتراخى مبطلًا لأثر الإنفاق مانعًا من الثواب فالمقارن أولى وأحرى.
وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاءِ فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٢]، وقرنه بالفاءِ فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَّةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، فإن الفاءَ الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاءِ [وأن الخبر] مستحق بما تضمنه المبتدأُ من الصلة أو الصفة، فلما كان هنا يقتضى بيان حصر المستحق للجزاءِ دون غيره جرد الخبر عن الفاءِ، فإن المعنى أن الذى ينفق ماله لله ولا يمن ولا يؤذى، هو الذى يستحق الأجر المذكور، لا الذى ينفق لغير الله [ولا من] ويمن ويؤذى بنفقته، فليس المقام مقام شرط وجزاءٍ بل مقام بيان للمستحق [من] غيره [وفى الآيه الأخرى للمستحق دون غيره] .
وفى الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرًا وعلانية، فذكر عموم الأوقات وعموم الأحوال، فأتى بالفاءِ فى الخبر ليدل على أن الإنفاق فى أى وقت وجد من ليل أو نهار، وعلى [أية] حالة وجد من سر وعلانية فإنه سبب للجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله، ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر ولا بنفقة السر وقت العلانية، فإن نفقته فى أى وقت وعلى أى حال وجدت سبب لأجره وثوابه، فتدبر هذه الأسرار فى القرآن فلعلك لا تظفر بها تمر بك فى التفاسير، والمنة والفضل لله وحده لا شريك له.
ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صدَقةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى
[ ٣٦٦ ]
وَاللهُ غَنِى حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، فأخبر [سبحانه] أن القول المعروف وهو الذى تعرفه القلوب ولا تنكره، والمغفرة وهى العفو عمن أساءَ إليك خير من الصدقة [المقرون] بالأذى. فالقول المعروف إحسان وصدقة بالقول، والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة، فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها.
ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. [ويدخل فى هذا القول المعروف الرد الجميل على السائل والعدة الحسنة والدعاء والصالح له نحو ذلك] .
ويدخل فى المغفرة مغفرته للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى بسبب رده، فيكون عفوه عنه خيرًا من أن يتصدق عليه ويؤذيه هذا على المشهور من القولين فى الآية، والقول الثانى: أن المغفرة من الله، أى مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى. وفيها قول ثالث: أى مغفرة وعفو من السائل إذا رد وتعذر [المسؤول] خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى.
وأوصح الأقوال هو الأول، ويليه الثانى، والثالث ضعيف جدًا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ والمعنى أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تتصدق عليه وتؤذيه. ثم ختم الآية بصفتين [مناسبتين] لما تضمنته فقال: ﴿وَاللهُ غَنِى حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وفيه معنيان: أحدهما أن الله غنى عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم، وإنما الحظ الأوفر لكم فى الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه ﷾، فكيف يمنُّ بنفقته ويؤذى مع غنى الله التام عنها وعن كل ما سواه، ومع هذا فهو حليم إذ يعاجل المانّ بالعقوبة، وضمن هذا الوعيد [له] والتحذير. والمعنى الثانى: أنه ﷾ مع غناه التام من وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذى أحدكم بمنه وأذاه، مع قلة ما يعطى ونزارته وفقره.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ولا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوًَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كسَبُوا وَاللهُ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، تضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّهُا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صوْتِ النَّبِى وَلا تجهروا لَهُ بِالْقَوْلِ
[ ٣٦٧ ]
َجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة فى أول الرسالة فلا حاجة إلى إعادته.
وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذى يبطلها دون ما يلحقها بعدها، إلا أنه ليس فى اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقًا. وقد يقال: تمثيله بالمرائى الذى لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياءِ وعدم الإيمان، فإن الرياءَ لو تأخر عن العمل لم يبطله.
ويجاب عن هذا بجوابين: أحدهما: أن التشبيه وقع فى الحال التى يحبط بها العمل، وهى حال المرائى والمانّ المؤذى فى أن كل واحد منهما يحبط العمل. الثانى: أن الرياءَ لا يكون إلا مقارنًا للعمل، لأنه "فعال" من الرؤية التى صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيًا، وهذا [خلاف] المن والأذى فإنه يكون مقارنًا ومتراخيًا، وتراخيه أكثر من مقارنته.
وقوله: ﴿كَالَّذِى يُنفِقُ إما أن يكون المعنى كإبطال الذى ينفق فيكون شبه الإبطال بالإبطال، أو المعنى لا تكونوا كالذى ينفق ماله رئاءَ الناس، فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ أى مثل هذا المنفق الذى قد بطل ثواب نفقته: ﴿كَمَثَلَ صَفْوَانٍ﴾ وهو الحجر الأملس، وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد، والثانى: جمع صفوة، " عَلَيْهِ تُرَابٌ فأَصَابَهُ وابِلٌ "وهو المطر الشديد، "فَتَرَكَهُ صَلْدًا" وهو الأملس الذى لا شيء عليه من نبات ولا غيره وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائى- الذى لم يصدر إنفاقه عن [إيمانه] واليوم الآخر- بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به. وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذى علق بذلك الحجر، والوابل الذى أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذى أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذى على الحجر فيتركه صلدًا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله.
وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو فى الظاهر عامل عملًا يرتب عليه الأجر [يزكوا] له كما تزكو الحبة التى إذا بذرت فى التراب الطيب أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراءَ هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرًا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئًا ثم قال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا
[ ٣٦٨ ]
مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَل، وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] .
هذا مثل الذى مصدر نفقته [على] الإخلاص والصدق، فإن ابتغاءَ مرضاته سبحانه هو الإخلاص، والتثبيت من النفس هو الصدق فى البذل، فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره فى هذه الآية، إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناءً أو غرضًا من أغراضه الدنيوية، وهذا حال أكثر المنفقين والآفة الثانية: ضعف نفسه [بالبذل وتقاعسها] وترددها، هل يفعل أم لا؟ فالآفة الأولى تزول بابتغاءِ مرضاة الله، والآفة الثانية تزول بالتثبيت فإن تثبيت النفس تشجيعها وتقويتها والإقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها، وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها، فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة- وهى البستان الكثير الأشجار- فهو مجتنّ بها أى مستتر ليس قاعًا فارغًا. والجنة بربوة- وهو المكان المرتفع-[لأنها] أكمل من الجنة التى بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة [الأهوية] والرياح، وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها، فكانت أنضج ثمرًا وأطيبه وأحسنه وأكثره، فإن الثمار تزداد طيبًا وزكاءَ بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التى تنشأُ فى الظلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة [الشرب] فقال تعالى: ﴿أصابَها وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وهو المطر الشديد العظيم القدر فأدت ثمرتها وأعطت بركتها فأخرجت [ثمرتها] ضعفى ما يثمر غيرها أو ضعفى ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل، فهذا حال السابقين المقربين: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَل﴾ [البقرة: ٢٦٥]، فهو دون الوابل، فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها فتكتفى فى إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار المقتصدين فى النفقة وهم درجات عند الله، فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأصحاب الطل مقتصدوهم.
فمثَّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة [والقليلة] بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاءَ [أو] ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم كثيرة أو قليلة بعد أن صدرت عن ابتغاءِ مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم فهى زاكية عند الله نامية مضاعفة.
[ ٣٦٩ ]
واختلف فى الضعفين، فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدًا عليه وضعفه مثله، وقيل: ضعفه مثلاه [ضعفاء] ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفًا زاد مثلًا. والذى حمل هذا القائل [على] ذلك فراره من استواءِ دلالة المفرد والتثنية، فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه، فإذا [ضم] إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان لم يكن فرق بين المفرد والمثنى، فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه أمثال مضافة إلى الأصل [هكذا ابدًا والصواب أن الضعفين هى المثلان فقط الأصل ومثله] . وعليه يدل قوله تعالى: ﴿فآتَتْ أُكُلهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أى مثلين، وقوله تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، أى مثلين، ولهذا قال فى الحسنات: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، وأما ما توهموه من استواءِ دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم.
واختلف فى رافع قوله: "فَطَل" فقيل: هو مبتدأٌ خبره محذوف أى وطله يكفيها، وقيل: فى "أصَابَهَا" إما أن يرجع إلى الجنة أو إلى الربوة وهما متلازمان. ثم قال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُم أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فأَصَابَها إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، قال الحسن: هذا مثلٌ قلَّ والله من يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
وفى صحيح البخارى عن عبيد بن عمير قال: سأل عمر يومًا أصحاب النبى ﷺ: فيم هم يرون هذه الآيات نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّنْ نَخِيلٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] الآية؟ قالوا: الله أعلم، فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: فى نفسى منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: قم يا ابن أخى ولا تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أى عمل؟ قال ابن عباس: لعمل. قال عمر: لرجل
[ ٣٧٠ ]
عمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصى حتى أغرق أعماله.
فقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ أخرجه مخرج الاستفهام الإنكارى، وهو أبلغ من النفى والنهى وألطف موقعًا، كما ترى غيرك يفعل فعلًا قبيحًا فنقول: لا يفعل هذا عاقل، لا يفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة. وقال تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول يفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ فى الإنكار من أن يقول أيودون. وقوله: "أَيَوَدُّ" أبلغ فى الإنكار من لو قيل: أَيريد، لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها.
وقوله تعالى: ﴿أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار وأكثرها نفعًا، فإن منهما القوت والغذاءَ والدواءَ والشراب والفاكهة والحلو والحامض، ويؤكلان رطبًا ويابسًا، ومنافعهما كثيرة جدًا.
وقد اختلف فى الأنفع والأفضل منهما فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب وذكرت كل طائفة حججًا لقولها، فذكرناها فى غير هذا الموضع وفصل الخطاب أن هذا يختلف باختلاف البلاد، فإن الله ﷾ أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر، فالأرض التى يكون فيها سلطان النخيل لا يكون العنب بها طائلًا ولا كثيرًا، لأنه إنما يخرج فى الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السبخة فينمو فيها فيكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته فى الأرض الحارة السبخة، وهى لا تناسب العنب، فالنخل فى أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها، والعنب فى أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم.
والمقصود أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها، فالجنة المشتملة عليهما من أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجرى تحت هذه الجنة، وذلك أكمل لها وأعظم فى قدرها، ومع ذلك فلم تعدم شيئًا من أنواع الثمار المشتهاة بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب، فلا تنافى بين كونها من نخيل وأعناب، و﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف: ٣٢] إلى قوله تعالى:
[ ٣٧١ ]
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]، وقد قيل: إن الثمار [هنا] وفى آية [البقرة: ٢٦٦] المراد بها المنافع والأموال، والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها، لقوله هنا: ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، ثم قال تعالى: "فأَصَابَهَا "أى الجنة "إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ"، وفى [الكهف]: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِى خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]، وما ذلك إلا ثمار الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه، أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها، الثانى: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه، الثالث: أن له ذرية فهو حريص على بقاءِ جنته لحاجته وحاجة ذريته، الرابع: أنهم ضعفاءُ فهم كل عليه لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم، الخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم، [وهذه] نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة: لخطرها فى نفسها وشدة حاجته وذريته إليها.
فإذا تصورت هذه الحال وهذه الحاجة فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار- وهى الريح التى تستدير فى الأرض ثم ترتفع فى طبقات الجو كالعمود- وفيه نار مرت بتلك الجنة فأحرقتها وصيرتها رمادا ً، فصدق والله الحسن- هذا مثلٌ قلَّ من يعقله من الناس- ولهذا نبه ﷾ على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦]، فلو فكر العاقل فى هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه، فهكذا العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويفرقها من معاصى الله كانت كالإعصار ذى النار المحرق للجنة التى غرسها بطاعته وعمله الصالح، ولولا أن هذه المواضع أهم مما كلامنا بصدده- من ذكر مجرد الطبقات- لم نذكرها، ولكنها من أهم المهم، والله المستعان الموفق لمرضاته.
فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغى لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه [بذلك] عند المعصية، ولهذا استحق اسم الجهل فكل من عصى الله فهو جاهل.
فإن قيل: الواو فى قوله تعالى: "وَأصَابَهُ الْكِبَرُ "واو الحال، أم واو العطف؟
[ ٣٧٢ ]
وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟ قلت فيه وجهان: أحدهما: أنه واو الحال اختاره الزمخشرى، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأْنها كذا وكذا فى حال كبره وضعف ذريته. والثانى: أن تكون للعطف على المعنى، فإن فعل التمنى وهو قوله: "أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ "لطلب الماضى كثيرًا، فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر.
وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائى- الذى لم [يصدد] إنفاقه عن الإيمان- بالصفوان الذى عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئًا أصلا، بل ذهب [بذره] ضائعًا، لعدم إيمانه وإخلاصه.
ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصًا بنيته لله ثم عرض له ما أبطل ثوابه بالجنة التى هى من أحسن الجنان وأطيبها [وأزهارها]، ثم سلط عليها الإعصار النارى [فأحرقها]، فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله ثم احترق، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق.
فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاءً للصدور وهدى ورحمة، ثم قال: ﴿يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسِبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أضاف سبحانه الكسب إليهم وإن كان هو الخالق لأفعالهم، لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلًا لهم، ولا هو مقدور لهم، فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذى لا قدرة لهم عليه إليه، ففى ضمنه الرد على من سوَّى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأْثيره عنها بالكلية.
وخص سبحانه هذين النوعين- وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشى- إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع، فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما، وإما لأنهما أُصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأُ، فإن الكسب تدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض فكان ذكرهما أهم، ثم قال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
[ ٣٧٣ ]
مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء [كما هو عادة أكثر النفوس تمسك الجيد لها وتخرج الرديء] للفقير، ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم بل [إما] عن اتفاق، إذا كان هو الحاضر إذ ذاك أو كان ماله من جنسه، فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما منَّ الله عليه، وموقع قوله: ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ موقع الحال، أى لا تقصدوه منفقين منه.
ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، أى لو كنتم أنتم المستحقين له وبذل لكم لم تأخذوه فى حقوقكم إلا بأن تتسامحوا فى أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه، ويقال للبائع: أغمض- أى لا تستقص- كأَنك لا تبصر وحقيقته من إغماض الجفن فكأَن الرائى لكراهته له لا يملأُ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضًا، ومنه قول الشاعر:
لم يفتنا بالوتر قوم وللضي
م رجال يرضون بالإغماض
وفيه معنيان: أحدهما كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له، والله أحق من يخير له [خيار] الأشياءِ وأنفسها؟ والثانى كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبًا؟ ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِى حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فغناه وحمده يأْبى قبول الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأْباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغنى عنه الشريف القدر الكامل الأَوصاف فإنه لا يقبله.
ثم قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيأْمُرُكُمْ بِالْفَحَشَاءِ وَاللهِ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعانى، فإنها اشتملت على بيان الداعى إلى البخل والداعى إلى البذل والإنفاق، وبيان ما يدعوه إليه داعى البخل وما يدعو إليه داعى الإنفاق وبيان ما يدعو به داعى الأمرين.
فأخبر سبحانه أن الذى يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان، وأخبر أن دعوته هى بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم، وهذا هو الداعى الغالب على الخلق، فإنه يهم بالصدقة والبذل فيجد فى قلبه داعيًا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه وافتقرت إليه بعد
[ ٣٧٤ ]
إخراجه، وإمساكه خير لك حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه.
فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهى البخل الذى هو من أقبح الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين أن الفحشاء هنا البخل، فهذا وعده وهذا أمره، وهو الكاذب فى وعده، الغارّ الفاجر فى أمره. [فالمستجيب] لدعوته مغرور مخدوع مغبون، فإنه يدلى من يدعوه بغروره، ثم يورده شر الموارد. كما قال:
دلاهم بغُرور ثم أوردهم إن الخبيث لمن والاه غرّار
هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه ولا نصيحة له كما ينصح الرجل أخاه، ولا محبة فى بقائه غنيًا، بل لا شيء أحب إليه من فقره وحاجته، وإنما وعده له بالفقر وأَمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه فيستوجب منه الحرمان.
وأما الله سبحانه فإنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلًا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه إما فى الدنيا أو فى الدنيا والآخرة، فهذا وعد الله وذاك وعد الشيطان فلينظر البخيل والمنفق أى الوعدين هو أوثق وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟ والله يوفق من يشاءُ ويخذل من يشاءُ وهو الواسع العليم.
وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين، فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله، فيعطى هذا بفضله ويمنع هذا بعدله وهو بكل شيء عليم. فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها، فإن لها شأْنًا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] .
وتأمل ختم هذه السورة التى هى سنام القرآن بأحكام الأموال وأَقسام الأغنياء وأحوالهم، وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: محسن وهم "المتصدقون"، فذكر جزاءَهم ومضاعفته وما لهم فى قرض أموالهم للمليء الوفى، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداءً من الرياءِ، ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأَطيبها ولا يتيمموا أَردأَها وخبيثها، ثم حذرهم من الاستجابة لداعى البخل والفحش وأخبر أن استجابتهم لدعوته وثقتهم بوعده أولى بهم، وأخبر أن هذا من حكمته التى يؤتيها من يشاءُ من عباده، وأن من أُوتيها فقد أُوتى خيرًا كثيرًا: أُوتى
[ ٣٧٥ ]
ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة فقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، وقال تعالى: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِى خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] .
فدل على أن ما يؤتيه عبده من حكمته خير من الدنيا وما عليها ولا يعقل هذا كل أحد بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكى، فقال تعالى:
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، فلا يضيع لديه، بل يعلم ما كان لوجهه، ويكل جزاءَ من عمل لغيره إلى من عمل له، فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير، ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه فى صدقاتهم، وأنه يثيبهم عليها إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة لوجهه فقال: ﴿إِن تُبْدُوا الصِّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِى﴾ [البقرة: ٢٧١] أى فنعم شيء هى، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أَثره وثوابه فيمنعه ذلك من إخراجها وينتظر بها الإخفاءَ فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه أو بينه وبين إخراجها، فلا يؤخر صدقة العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر، وهذه كانت حال الصحابة.
ثم قال: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، فأخبر أن إعطاءَها للفقير فى خفية خير للمنفق من إظهارها وإعلانها. وتأمل تقييده تعالى الإخفاءَ بإيتاءِ الفقراءِ خاصة ولم يقل: وإن تحفوها فهو خير لكم، فإن من الصدقة ما لا يمكن إخفاؤه كتجهيز جيش وبناءِ قنطرة وإجراءِ نهر أو غير ذلك، وأما إيتاؤها الفقراء ففى إخفائها من الفوائد الستر عليه وعدم تخجيله بين الناس وإقامته مقام الفضيحة، وأن يرى الناس أن يده هى اليد السفلى وأنه [فقير] لا شيء له فيزهدون فى معاملته ومعاوضته، وهذا قدر زائد من الإحسان إليه بمجرد الصدقة مع تضمنه الإخلاص وعدم المراءَاة وطلبهم المحمدة من الناس، وكان إخفاؤها للفقير خيرًا من إِظهارها بين الناس، ومن هذا مدح النبى ﷺ صدقة السر وأثنى على فاعلها وأخبر أنه أحد السبعة الذين هم فى ظل عرش الرحمن يوم القيامة.
ولهذا جعله سبحانه خيرًا للمنفق وأخبر أنه يكفر عنه بذلك الإنفاق من سيئاته، ولا يخفى عليه سبحانه أعمالكم ولا نياتكم، فإنه بما تعملون خبير، ثم أخبر أن هذا الإنفاق إنما
[ ٣٧٦ ]
نفعه لأنفاسهم يعود عليهم أحوج ما كانوا إليه، فكيف يبخل أحدكم عن نفسه بما نفعه مختص بها عائد إليها.
وإن نفقة المؤمنين إنما تكون ابتغاءَ وجهه خالصًا لأنها صادرة عن إيمانهم، وأن نفقتهم ترجع إليهم وافية كاملة، ولا يظلم منها مثال ذرة. وصدر هذا الكلام بأن الله [سبحانه] هو الهادى الموفق لمعاملته وإيثار مرضاته، وأنه ليس على رسوله هداهم، بل عليه إبلاغهم، وهو سبحانه الذى يوفق من يشاءُ لمرضاته.
ثم ذكر [سبحانه] المصرف الذى توضع فيه الصدقة فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينِ أُحْصِرُوا فِى سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فوصفهم بست صفات: إحداها: الفقر، الثانية: حبسهم أنفسهم فى سبيله تعالى وجهاد أعدائه ونصر دينه، وأصل الحصر المنع، فمنعوا أنفسهم من تصرفها فى أشغال الدنيا، وقصروها على بذلها لله فى سبيله، الثالثة: عجزهم عن الأسفار للتكسب، والضرب فى الأرض هو السفر، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الأَرْضِ يَبْتبَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِى الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]،
الرابعة: شدة تعففهم، وهو حسن صبرهم، وإظهارهم الغنى حتى يحسبهم الجاهل أغنياءَ من تعففهم وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم،
الخامسة: أنهم يعرفون بسيماهم، وهى العلامة الدالة على حالتهم التى [وصفهم] الله بها، وهذا لا ينافى حسبان الجاهل أنهم أغنياءُ لأن الجاهل له ظاهر الأمر، والعارف هو المتوسم المتفرس الذى يعرف الناس بسيماهم [ولهذا وصف الجاهل أغنياء وقال يعرفهم بسيماهم]، فالمتوسمون خواص المؤمنين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]،
السادسة: تركهم مسألة الناس فلا يسألونهم [شيئًا] والإلحاف هو الإلحاح والنفى متسلط عليهما معًا، أى لا يسألون ولا يلحفون، فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف. وهذا كقوله: "على لا حبٍ لا يهتدى لمناره" أى ليس فيه منار فيهتدى به، وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال هو سؤال الإلحاف، فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم.
فهذه ستة صفات للمستحقين للصدقة، فألغاها أكثر
[ ٣٧٧ ]
الناس ولحظوا منها ظاهر الفقر وزيه من غير حقيقته، وأما سائر الصفات المذكورة فعزيز أهلها، ومن يعرفهم أعز، والله يختص بتوفيقه من يشاءُ. فهؤلاء هم المحسنون فى أموالهم.
القسم الثانى: "الظالمون"، وهم ضد هؤلاءِ الذين يذبحون المحتاج المضطر، فإذا دعته الحاجة إليهم لم ينفسوا كربته إلا بزيادة على ما يبذلونه له وهم أهل الربا.
فذكرهم تعالى بعد هذا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِى مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فصدَّر الاية بالأمر بتقواه المضادة للربا وأمر بترك ما بقى من الربا بعد نزول الآية وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم والمعلق على شرط منتف عند انتفائه.
ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده، وهى محاربة المرابى لله ورسوله فقال تعالى: ﴿فَإِن لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ففى ضمن هذا الوعيد أن المرابى محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه، ولم يجيء هذا الوعيد فى كبيرة سوى الربا وقطع الطريق والسعى فى الأرض بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد فى الأرض، قاطع الطريق على الناس، هذا بقهره لهم وتسليطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها.
فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله وآذن هؤلاءِ إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله، ثم قال: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] يعنى إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه وقد عاقدتهم عليه، [فإنما] لكم رؤُوس أموالكم، لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها.
فإن كان هذا القابض معسرًا فالواجب إنظاره إلى ميسرة، وإن تصدقتم عليه وأبرأْتموه فهو أفضل لكم وخير لكم، فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل والواجب أو الفضل المندوب فذكروها يومًا ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم فيوفيكم جزاءَ أعمالكم أحوج ما أنتم إليه، فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه [بالظالم] وهو المرابى.
ثم ذكر "العادل" فى آية التداين فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
[ ٣٧٨ ]
آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، ولولا أن هذه الآية تستدعى سفرًا وحدها لذكرت بعض تفسيرها. والغرض إنما هو التنبيه والإشارة، وقد ذكر أيضًا العادل، وهو آخذ رأْس ماله من غريمه لا بزيادة ولا نقصان، ثم ختم السورة بهذه الخاتمة العظيمة التى هى من كنز تحت عرشه، والشيطان يفر من البيت الذى تقرأُ فيه، وفيها من العلوم والمعارف وقواعد الإسلام وأصول الإيمان ومقامات الإحسان ما يستدعى بيانه كتابًا مفردًا.
والمقصود ذكر طبقات الخلائق فى الدر الآخرة، ولنعد إلى المقصود، فإن هذا من سعى القلم، ولعله أهم مما نحن بصدده: فهذه الطبقات الأربع من طبقات الأمة هم أهل الإحسان والنفع المتعدى وهم العلماءُ، وأئمة العدل، وأهل الجهاد، وأهل الصدقة وبذل الأَموال فى مرضاة الله، فهؤلاء ملوك الآخرة، وصحائف حسناتهم متزايدة، تملى فيها الحسنات وهم فى بطون الأرض، ما دامت آثارهم فى الدنيا فيا لها من نعمة ما أجلها، وكرامة ما أعظمها، يختص الله بها من يشاءُ من عباده.
الطبقة الثامنة: طبقة من فتح الله له بابًا من أبواب الخير القاصر على نفسه كالصلاة والحج، والعمرة، وقراءة القرآن، والصوم والاعتكاف، والذكر ونحوها، مضافًا إلى أداءِ فرائض الله عليه فهو جاهد فى تكثير حسناته، وإملاءِ صحيفته، وإذا عمل خطيئته تاب إلى الله منها. فهذا على خير عظيم، وله ثواب أمثاله من أعمال الآخرة. ولكن ليس له إلا علمه، فإذا مات طويت صحيفته [بموته] فهذه طبقة أهل الربح والحظوة أيضًا عند الله.
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة، وهى طبقة من يؤدى فرائض الله ويترك محارم الله، مقتصرًا عل ذلك لا يزيد عليه ولا ينقص منه. فلا يتعدى إلى ما حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض عليه.
هذا من المفلحين بضمان رسول الله ﷺ لمن أخبره بشرائع الإسلام فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه؛ فقال ﷺ: "أفلح إن صدق "، وأصحاب هذه الطبقة مضمون لهم على الله تكفير سيئاتهم، إذا أدوا فرائضه واجتنبوا كبائر ما نهاهم عنه.
قال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تَنْهُونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] .
وصح عنه ﷺ أنه قال:
[ ٣٧٩ ]
"الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما لم تغش كبيرة"، فإن غشى أهل هذه الطبقة كبيرة وتابوا منها توبة نصوحًا لم يخرجوا من طبقتهم [وكانوا] بمنزلة من لا ذنب له.
فتكفير الصغائر يقع بشيئين: أحدهما: الحسنات الماحية، والثانى: اجتناب الكبائر. وقد نص عليها ﷾ فى كتابه فقال تعالى:
﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِى النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهُونَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] .
الطبقة العاشرة: طبقة قوم أسرفوا على أنفسهم، وغشوا كبائر ما نهى الله عنه ولكن رزقهم الله التوبة النصوح قبل الموت، فماتوا على توبة صحيحة. فهؤلاءِ [ناجون من عذاب الله إما قطعا عند قوم وإما ظنا ورجاء عند آخرين وهم] موكولون إلى المشيئة، ولكن نصوص القرآن والسنة تدل على نجاتهم وقبول توبتهم، وهو وعد وعدهم الله إياه، والله لا يخلف الميعاد. فإن قيل: فما الفرق بين أهل هذه الطبقة والتى قبلها؟ فإن الله إذا كفر عنهم سيئاتهم، وأثبت لهم بكل سيئة حسنة كانوا كمن قبلهم أو أرجح؟ قيل: قد تقدم الكلام على هذه المسألة بما فيه كفاية، فعليك بمعاودته هناك. وكيف يستوى عند الله من أنفق عمره فى طاعته ولم يغش كبيرة، ومن لم يدع كبيرة إلا ارتكبها وفرط فى أوامره، ثم تاب؟ فهذا غايته أن تمحى سيئاته ويكون لا له ولا عليه. وأما أن يكون هو ومن قبله سواءً أو أرجح منه فكلا.
الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا: فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا الله مصرّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم، فإذا وزنت بها رجحت كفة الحسنات، فهؤلاءِ أيضًا ناجون فائزون قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَق فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الذِينَ خَسِرُوا أنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُون﴾ [الأعراف: ٨- ٩] .
قال حذيفة وعبد الله بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن
[ ٣٨٠ ]
رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف.
وهذه الموازنة تكون بعد [القصاص]، واستيفاءِ المظلومين حقوقهم من حسناته، فإذا بقى شيء منها وزن هو وسيئاته.
ولكن هنا مسألة، وهى: إذا وزنت السيئات بالحسنات فرجحت الحسنات، هل يلغى المرجوح جملة ويصير الأثر للراجح فيثاب على حسناته كلها، أو يسقط من الحسنات ما قابلها من السيئات المرجوحة ويبقى التأْثير للرجحان فيثاب عليه وحده؟ فيه قولان: هذا عند من يقول بالموازنة والحكمة، وأما من ينفى ذلك فلا عبرة عنده بهذا، وإنما هو موكول إلى محض المشيئة، وعلى القول الأول فيذهب أثر السيئات جملة بالحسنات الراجحة، وعلى القول الثانى يكون تأْثيرها فى نقصان ثوابه لا فى حصول العقاب له، ويترجح هذا القول الثانى بأن السيئات لو لم تحبط ما قبلها من الحسنات، وكان العمل والتأْثير للحسنات كلها لم يكن فرق بين وجودها وعدمها، ولكان لا فرق بين المحسن الذى محض عمله حسنات، وبين من خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.
وقد يجاب عن هذا بأنها أثرت فى نقصان ثوابه ولا بد، فإنه لو اشتغل فى زمن إيقاعها بالحسنات لكان أرفع لدرجته وأعظم لثوابه، وإذا كان كذلك فقد ترجح القول الأول بأن الحسنات لما غلبت السيئات ضعف تأْثير المغلوب المرجوح وصار الحكم للغالب دونه لاستهلاكه فى جنبه كما يستهلك يسير النجاسة فى الماءِ الكثير والماءُ إذا بلغ [قلتين] لم يحمل الخبث"، والله أعلم.
الطبقة الثانية عشر: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما [فتقاوما] فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النار وسيئاتهم المساوية من دخول الجنة.
فهؤلاء هم أهل أهل [الأعراف]، لم يفضل لأحدهم حسنة يستحق بها الرحمة من ربه، ولم يفضل عليه سيئة يستحق بها العذاب.
وقد وصف الله ﷾ أهل هذه الطبقة فى سورة الأعراف- بعد أن ذكر دخول أهل النار وتلاعنهم فيها ومخاطبة أتباعهم لرؤسائهم وردهم عليهم، ثم مناداة أهل الجنة أهل النار- فقال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ، وَنَادوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمَ يَطْمَعُونَ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ
[ ٣٨١ ]
تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٦- ٤٧]، فقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] أى بين أهل الجنة والنار حجاب، قيل: [هو] السور الذى يضرب بينهم له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب: باطنه الذى يلى المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذى يلى الكفار من [جهته] العذاب.
والأعراف جمع عرف وهو المكان المرتفع، وهو سور عال بين الجنة والنار [قيل: هو هذا السور الذى يضرب بينهم وقيل جبال بينم الجنة والنار] عليه أهل الأعراف.
قال حذيفة وعبد الله بن عباس: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضى الله فيهم ما يشاءُ ثم يدخلهم الجنة بفضل رحمته.
قال عبد الله بن المبارك: أخبرنا أبو بكر الهذلى قال: كان سعيد بن جبير يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الله الناس يوم القيامة، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر [من حسناته بواحده] بواحدة دخل النار، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨- ٩]، ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف.
فوقفوا على الصراط ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا: سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ [الأعراف: ٤٧]، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله تعالى نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقى المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، وأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من أيديهم [ومنعتهم سيئاتهم أن يمضوا وبقى فى قلوبهم الطمع إذا لم يزغ النور من أيديهم] فيقول الله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦]، فكان الطمع للنور الذى فى أيديهم ثم أدخلوا الجنة وكانوا آخر أهل الجنة دخولًا. يريد آخر أهل الجنة دخولًا ممن لم يدخل النار.
وقيل: هم قوم خرجوا فى الغزو بغير إذن آبائهم فقتلوا، فأُعتقوا من النار لقتلهم فى سبيل الله وحبسوا عن الجنة لمعصية آبائهم. وهذا من جنس القول الأول، وقيل: هم قوم رضى عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يحبسون على الأعراف حتى يقضى الله بين الناس ثم
[ ٣٨٢ ]
يدخلهم الجنة، وهى من جنس ما قبله فلا تناقض بينهما. وقيل: هم أصحاب الفترة وأطفال المشركين. وقيل: هم أُولو الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف، فيطلعون على أهل النار وأهل الجنة جميعًا. وقيل: هم الملائكة لا من بنى آدم.
والثابت عن الصحابة هو القول الأول، وقد رويت فيه آثار كثيرة مرفوعة لا تكاد تثبت [أسانيدها] . وآثار الصحابة فى ذلك المعتمدة.
وقد اختلف فى تفسير الصحابى هل له حكم المرفوع، أو الموقوف؟ على قولين: الأول اختيار أبى عبد الله الحاكم، والثانى هو الصواب، ولا نقول على رسول الله ﷺ ما لم نعلم أنه قاله. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ [الأعراف: ٤٦] صريح فى أنهم من بنى آدم ليسوا من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، يعنى يعرفون الفريقين بسيماهم، ﴿وَنَادوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، أى نادى أهل الأعراف أهل الجنة بالسلام. قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطمَعُونَ﴾ الضميرات فى الجملتين لأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يطمعون فى دخولها.
قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة يريدها بهم، وقال الحسن: الذى [جعل] الطمع فى قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون، وفى هذا رد على وقول من قال: إنهم أفاضل المؤمنين علوا على الأعراف يطالعون أحوال الفريقين، فعاد الصواب إلى تفسير الصحابة، وهم أعلم الأُمة بكتاب الله، ومراده منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هذا دليل على [أنهم] بمكان مرتفع بين الجنة والنار، فإذا أشرفوا على أهل الجنة نادوهم بالسلام وطمعوا فى الدخول إليها، وإذا أشرفوا على أهل النار سألوا الله أن لا يجعلهم معهم، ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعنى من الكفار الذين فى النار، فقالوا لهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف:٤٨] يعنى ما نفعكم جمعكم وعشيرتكم وتجرؤكم على [أهل] الحق ولا استكباركم، وهذا إما نفى، وإما استفهام وتوبيخ، وهو أبلغ وأفخم.
ثم نظروا إلى الجنة فرأوا من الضعفاء الذين كان الكفار يسترذلونهم فى الدنيا ويزعمون أن الله لا يختصهم دونهم بفضله كما لم يختصهم دونهم فى الدنيا، فيقول لهم أهل الأعراف:
[ ٣٨٣ ]
﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ أيها المشركون أن الله تعالى لا ينالهم برحمة، فها هم فى الجنة يتمتعون ويتنعمون وفى رياضها يحبرون ثم يقال لأهل الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩] .
وقيل: إن أصحاب الأعراف إذا عيروا الكفار وأخبروهم أنهم لم يغن عنهم [جموعهم] واستكبارهم، عيرهم الكفار بتخلفهم عن الجنة، وأقسموا أن الله لا ينالهم برحمة، لما رأوا من تخلفهم عن الجنة، وأنهم يصيرون إلى النار، فتقول لهم الملائكة حينئذ: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمْ اللهُ بِرَحْمَةٍ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٩]، والقولان قويان محتملان، والله أعلم.
فهؤلاء الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار.
الطبقة الثالثة عشرة: طبقة أهل المحنة والبلية، نعوذ بالله. وإن كانت آخرتهم إلى عفو وخير، وهم قوم مسلمون خفت موازينهم ورجحت سيئاتهم على حسناتهم فغلبتها السيئات، فهذه الطبقة التى اختلفت فيها أَقاويل الناس وكثر فيها خوضهم وتشعبت مذاهبهم وتشتَتَتْ آرآوهم، فطائفة كفرتهم، وأوجبت لهم الخلود فى النار، وهذا مذهب أكثر الخوارج، بل يكفرون من هو أحسن حالًا منهم وهو مرتكب الكبيرة الذى لم يتب منها ولو استغرقتها حسناته. وطائفة أوجبت لهم الخلود فى النار ولم تطلق عليهم اسم الكفر، بل سموهم منافقين.
وهذا المذهب ينسب إلى البكرية أتباع بكر ابن أُخت عبد الواحد.
وطائفة نزلتهم منزلة بين منزلة الكفار والمؤمنين، فجعلوا أقسام الخلق ثلاثة: مؤمنين، وكفارًا، وقسمًا لا مؤمنين ولا كفارًا بل بينهما، وأوجبت لهم الخلود فى النار، وهذا هو الرأى الذى عليه أهل الاعتزال، وهو أحد أُصولهم الخمسة التى هى قواعد مذهبهم وهى: التوحيد الذى مضمونه جحد صفات الخالق ونعوت كماله والتعطيل المحض، والعدل الذى مضمونه نفى عموم قدرة الله وأنه لا قدرة له على أفعال الحيوانات بل هى خارجة عن ملكه وخلقه وقدرته، وأنه يريد ما لا يكون ويكون ما لا يريد، فإنه لا يقدر أن يهدى ضالًا ولا أن يضل مهتديًا ولا يجعل المصلى مصليًا ولا الذاكر ذاكرًا ولا الطائف طائقًا، تعالى الله عن إفكهم
[ ٣٨٤ ]
وشركهم علوًا كبيرًا. والمنزلة بين المنزلتين التى مضمونها إيجاب [الخلود فى النار] للمسلم المبالغ فى طاعة ربه الذى أفنى عمره فى عبادته وطاعته ومات مصرًا على كبيرة واحدة، تعالى الله عما نسبوه إليه من ذلك وجل عن هذا الافتراءِ. والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى مضمونه الخروج على أئمة الجور بالسيف، وخلع اليد من طاعتهم، ومفارقة جماعة المسلمين. والأصل
الخامس: النبوة مع أنهم لم يوفوها حقها، بل هضموها غاية الهضم من وجوه كثيرة ليس هذا موضعها.
والمقصود أن مذهبهم تخليد هذه الطبقة فى النار، وإن لم يسموهم كفارًا، فوافقوا الخوارج فى الحكم وخالفوهم فى الاسم.
ولهذا تسمى هذه المسألة من مسائل الأسماء والأحكام. فهذه ثلاث فرق أوجبت لهذه الطائفة الخلود فى النار وقالت المرجئة على اختلاف آرائهم: لا يدرى ما يفعل الله بهم فيجوز أن يعذبهم كلهم، وأن يعفو عنهم كلهم، وأن يعذب بعضهم ويعفو عن بعضهم، غير أنهم لا يخلد أحد منهم فى النار فجوزوا
أن يلحق بعضهم بمن ترجحت حسناته على سيئاته، بل جوزوا أن يرفع عليه فى الدرجة. فهم موكلون عندهم إلى محض المشيئة لا يدرى ما يفعل الله بهم، بل يرجأُ أمرهم إلى الله وحكمه، وهذا قول كثير من المتكلمين والفقهاء والصوفية وغيرهم.
فهذه الأقوال [هى] التى يعرفها أكثر الناس، ولا يحكى أهل الكلام غيرها، وقول الصحابة والتابعين وأئمة الحديث لا [يعرفونه] ولا يحكونه [وهو] الذى ذكرناه عن ابن عباس وحذيفة وابن مسعود [﵃] أن من ترجحت سيئاته بواحدة دخل النار.
وهؤلاء هم القسم الذين جاءَت فيهم الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ، فإنهم يدخلون النار فيكونون فيها على مقدار أعمالهم: فمنهم من تأْخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ويلبثون فيها على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على [أنهار] الجنة: فيفيض عليهم أهل الجنة من الماءِ حتى تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة. وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأْمر الله سيد الشفعاءِ مرارًا أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان.
وإخبار النبى ﷺ أنهم يكونون فيها على قدر أعمالهم مع قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] [النحل:٣٢، الزخرف ٧٢، الطور:١٩ السجدة:١٤، المرسلات:٤٣]،
[ ٣٨٥ ]
و﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٧١] .
وأضعاف ذلك من نصوص القرآن والسنة يدل على ما قاله أفضل الأُمة وأعلمها بالله وكتابه وأحكام الدارين أصحاب محمد ﷺ، والعقل والفطرة تشهد له، وهو مقتضى حكمة العزيز الحكيم الذى بهرت حكمته العقول.
فليس الأمر سببًا خارجًا عن الضبط والحكمة بل مربوط بالأساليب، والحكم مرتب عليها أكمل ترتيب، جار على نظام اقتضاه السبب واستدعته الحكمة. وأى الطريق سلكها سالك غير هذه الطريق من الطرق المتقدمة أفضت به إلى ترك بعض النصوص ولا بد، فإنها تتناقض فى حقه لما أصله من الأصل الذى لا يلتئم عليه جمع النصوص، فلا بد أن يرد بعضها ببعض أو يستشكلها أو يتطلب لها مستنكر التأْويلات [ووجوه] التحريفات. كما رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة [ف] كذبوا بها وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بشفاعة ولا غيرها.
ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا على الخروج من النار، فردوا السنة المتواترة قطعًا وصاروا مضغة فى أفواه الأُمة وعارًا فى فرقها، فإن أمر الشفاعة أظهر عند الأُمة من أن يقبل شكًا أو نزاعًا، وهو عندهم مثل الصراط والحساب ونحوهما مما يعلم إخبار الرسول ﷺ به قطعًا، ولكن إنما أتى القوم لأنهم فى غاية البعد عما جاءَ به الرسول ﷺ، أجانب عنه، ليسوا من الورثة، وأما الخوارج فكذبوا الصحابة صريحًا، وأما المرجئة فإنهم يجوزون أن لا يدخل النار أحد من أهل التوحيد.
وهذا بخلاف المعلوم المتواتر من نصوص السنة بدخول بعض أهل الكبائر النار ثم خروجهم منها بالشفاعة، ومع هذا التواتر الذى لا يمكن دفعه لا يجوز أن يقال بجواز أن لا يدخل أحد منهم النار، بل لا بد من دخول بعضهم، وذلك البعض هو الذى خفت موازينه ورجحت سيئاته كما قال الصحابة [﵃] وحكى أبو محمد بن حزم هذا إجماعًا من أهل السنة.
ولولا أن المقصود ذكر الطبقات لذكرنا ما لهذه المذاهب وما عليها، وبينا تناقض أهلها، وما وافقوا فيه الحق وما خالفوه بالعلم والعدل لا بالجهل والظلم، فإن كل طائفة منها معها حق وباطل،
[ ٣٨٦ ]
فالواجب موافقتهم فيما قالوه من الحق، ورد ما قالوه من الباطل. ومن فتح الله له بهذه الطريق فقد فتح له من العلم والدين كل باب، ويسر عليه فيهما الأسباب. والله المستعان.
الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان.
وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذى لا يعقل شيئًا ولا يميز، ومنهم الأصم الذى لا يسمع شيئًا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئًا.
فاختلفت الأُمة فى حكم هذه الطبقة اختلافًا كثيرًا، والمسألة التى وسعوا فيها الكلام هى مسألة أطفال المشركين. وأما أطفال المسلمين فقال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحد [يعنى] أنهم فى الجنة. وحكى ابن عبد البر عن جماعة: أنهم توقفوا فيهم، وأن جميع الولدان تحت المشيئة قال: وذهب إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق ابن راهويه قالوا: وهو شبه ما رسم مالك فى موطئه فى أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث فى ذلك. وعلى أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين فى الجنة وأطفال المشركين خاصة فى المشيئة.
وأما أطفال المشركين فللناس فيهم ثمانية مذاهب:
أحدها: الوقف فيهم، وترك الشهادة بأنهم فى الجنة أو فى النار، بل يوكل علمهم إلى الله تعالى، ويقال الله أعلم ما كانوا عاملين. واحتج هؤلاء بحجج: منها ما أخرجاه فى الصحيحين من حديث أبى هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، كما تنتج البهيمة من بهيمة جمعاءَ، هل [يحسن] فيها من جدعاءَ"؟ قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، ومنها ما فى الصحيحين أيضًا عن ابن عباس أن النبى ﷺ سئل عن أولاد المشركين فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين ".
وفى صحيح أبى حاتم بن حبان من حديث جرير بن حازم قال: سمعت أبا رجاءَ [العطاردى] يقول وهو على المنبر: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال أمر هذه الأُمة قوامًا- أو مقاربًا- ما لم يتكلموا فى الولدان والقدر". قال أبو حاتم: الولدان أراد به أطفال المشركين.
وفى استدلال هذه الفرقة على ما [ذهبت] إليه من
[ ٣٨٧ ]
الموقف بهذه النصوص نظر. فإن النبى ﷺ لم يجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله ﷾. والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا.
فهو ﷾ يعلم القابل منهم للهدى العامل به لو عاش، والقابل منهم للكفر المؤثر له لو عاش، [و] لكن لا يدل هذا على أنه يجزيهم [بمجرد] علمه فيهم بلا عمل يعملونه، وإنما يدل على أنه [﷾] يعلم منهم ما هم عاملون بتقدير حياتهم.
وهذا الجواب خرج عن النبى ﷺ على وجهين: أحدهما: جواب لهم إذ سألوه عنهم: ما حكمهم؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، وهو فى هذا الوجه يتضمن أن الله ﷾ يعلم من يؤمن منهم ومن يكفر بتقدير الحياة، وأما المجازاة على العلم فلم يتضمنها جوابه ﷺ.
وفى صحيح أبى عوانة الإسفراينى عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس: كان النبى ﷺ فى بعض مغازيه، فسأله رجل: ما [تقول] فى اللاهين؟ فسكت عنه، فلما فرغ من [غزوه وطاف] إذا هو بصبى يبحث فى الأرض، فأمر مناديه فنادى: "أين السائل عن اللاهين"؟ فأقبل الرجل، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الأطفال، وقال: الله أعلم بما كانوا عاملين".
والوجه الثانى: جواب لهم حين أخبرهم أنهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، كما روى أبو داود عن عائشة [﵁] قالت: قلت: يا رسول الله، ذرارى المؤمنين؟ قال: "من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين" [قلت: يا رسول الله، فذرارى المشركين؟ قال: "هم من آبائهم"، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: "الله أعلم بما كانوا عاملين] ". ففى هذا الحديث ما يدل على أن الذين يلحقون بآبائهم منهم هم الذين علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوه به. فهؤلاء مع آبائهم، ولا يقتضى أن كل واحد من الذرية مع أبيه فى النار.
فإن الكلام فى هذا الجنس سؤالًا وجوابًا، والجواب يدل على التفصيل، فإن قوله ﷺ: "الله أعلم بما كانوا عاملين" يدل على أنهم متباينون فى التبعية، بحسب نياتهم [فى] معلوم الله فيهم.
بقى أن يقال: فالحديث يدل على أنهم يلحقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فهمت ذلك منه عائشة فقالت: بلا عمل؟ فأقرها ﵇ فقال: "الله أعلم بما كانوا عاملين"، ويجاب عن هذا بأن الحديث إنما دل على أنهم يلحقون بهم بلا عمل عملوه فى الدنيا، وهو الذى فهمته عائشة.
ولا ينفى هذا أن يلحقوا بهم [بأسباب آخر يمتحنهم بها فى عرصات القيامة كما سيأتى بيانه] إن شاءَ الله. فحينئذ يلحقون بآبائهم ويكونون منهم بلا عمل عملوه فى الدنيا، وعائشة [﵁] إنما
[ ٣٨٨ ]
استشكلت لحاقهم بهم بلا عمل عملوه مع الآباءِ، وأجابها النبى ﷺ بأن الله ﷾ يعلم منهم ما هم عاملوه، ولم يقل لها: إنه يعذبهم بمجرد علمه فيهم. وهذا ظاهر بحمد الله لا إشكال فيه.
وأما حديث أبى رجاء العطاردى عن ابن عباس، ففى القلب من رفعه شيء وإن أخرجه ابن حبان فى صحيحه، وهو يدل على ذم من تكلم فيهم بغير علم، أو ضرب النصوص بعضها ببعض فيهم، كما ذم من تكلم فى القدر بمثل ذلك، وأما من تكلم فيهم بعلم وحق فلا.
المذهب الثانى: أنهم فى النار. وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد، وحكاه القاضى نصًا عن أحمد، واحتج هؤلاءِ بحديث عائشة المتقدم، واحتجوا بما رواه أبو عقيل يحيى بن المتوكل عن بهية عن عائشة: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المسلمين أين هم؟ قال: "فى الجنة"، وسألته عن أولاد المشركين أين هم يوم القيامة؟ قال: "فى النار"، فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجر عليهم الأقلام. قال: "ربك أعلم بما كانوا عاملين"، قلت: يحيى بن المتوكل لا يحتج بحديثه، فإنه فى غاية من الضعف.
وأما حديث عائشة المتقدم فهو من حديث عمر بن ذر، وتفرد به عن يزيد عن أبى أُمية أن البراء بن عازب أرسل إلى عائشة يسألها عن الأطفال، فذكرت الحديث هكذا، قال مسلم بن قتيبة [عنه]، وقال غيره: عن عمر بن ذر عن يزيد عن رجل عن البراء، ورواه الإمام أحمد فى مسنده من حديث عتبة بن ضمرة بن حبيب: حدثنى عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف أنه سأل عائشة، فذكرت الحديث. وعبد الله هذا ينظر فى حاله، وليس بالمشهور.
واحتجوا بما رواه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه عن عثمان بن أبى شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن على قال: سألت خديجة رسول الله ﷺ عن ولدين لها ماتا فى الجاهلية فقال: "هما فى النار" رأى الكراهية فى وجهها قال: "لو رأيت مكانهما لأبغضتهما" قالت: يا رسول الله، فولدى منك؟ قال: "إن المؤمنين وأولادهم فى الجنة، وإن المشركين وأولادهم فى النار"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانِ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] .
وهذا معلول من وجهين، أحدهما: أن محمد بن عثمان مجهول، والثانى: أن زاذان لم يدرك عليًا. وقال جماعة عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعى
[ ٣٨٩ ]
قال: أتيت أنا وأخى النبى ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت فى الجاهلية وكانت تقرى الضيف وتفعل وتفعل، فهل نافعها ذلك شيئًا؟ قال ﷺ: "لا"، قلنا: فإنها كانت وأدت أُختًا لنا فى الجاهلية لم تبلغ الحنث؟ [فقال]: "الوائدة والموؤدة فى النار، إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم"، وهذا إسناد لا بأْس به، وبحديث خديجة أنها سألت رسول الله ﷺ عن أولادها الذين ماتوا فى الشرك؟ فقال: "إن شئت أسمعتك تضاغيهم فى النار"، قال شيخنا: وهذا حديث باطل موضوع.
واحتجوا أيضًا بما روى البخارى فى صحيحه فى حديث احتجاج الجنة والنار عن النبى ﷺ أنه قال: "وأما النار فينشيء الله لها خلقًا يسكنهم إياها" قالوا: فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل، فلأن يدخلها من ولد فى الدنيا بين كافرين أولى. وهذه حجة باطلة، فإن هذه اللفظة وقعت غلطًا من بعض الرواة، وبينها البخارى فى الحديث الآخر وهو الصواب فقال فى صحيحه: حدثنى عبد الله بن محمد انبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال النبى ﷺ: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: مالى لا يدخلنى إلا ضعفاءُ الناس وسقطهم؟ قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتى أرحم بك من أشاءُ من عبادى، وقال تعالى للنار: أنت عذابى أعذب بك من أشاءُ من عبادى، ولكل واحدة منكما ملؤها: فأما النار فلا تمتليء حتى يضع الجبار ﷿ رجله، فتقول: قط، قط، فهناك تمتليء ويزوى بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدًا. وأما الجنة فإن الله ينشيء لها خلقًا"، فهذا هو الذى قاله رسول الله ﷺ بلا ريب، وهو الذى ذكره فى التفسير [وقال] وفى باب ما جاء فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]: حدثنا عبد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبى عن صالح بن كيسان عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال: "اختصمت الجنة والنار إلى ربهما، فقالت الجنة: يا رب مالها لا يدخلها إلا ضعفاءُ الناس وسقطهم، وقالت النار: إنى أُوثرت بالمتكبرين، فقال الله تعالى للجنة: أنت رحمتى، وقال تعالى للنار: أنت عذابى أُصيب بك من أَشاءُ، ولكل واحدة منكما ملؤها قال: فأما الجنة فإن الله تعالى لا يظلم من خلقه أحدًا، وإنه ينشيء للنار من يشاءُ فيلقون فيها، فتقول: هل من مزيد ثلاثًا حتى يضع قدمه فيها فتمتليء ويرد بعضها إلى بعض، فتقول: قط
[ ٣٩٠ ]
قط قط"، فهذا غير محفوظ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعًا كما انقلب على بعضهم قوله ﷺ: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم"، فقال: "إن ابن مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال".
وله نظائر وحديث الأعرج عن أبى هريرة لم يحفظ كما ينبغى وسياقه يدل على أن رواية لم يقم متنه، بخلاف حديث همام عن أبى هريرة، واحتجوا بما رواه أبو داود عن عامر الشعبى قال: قال رسول الله ﷺ: "الوائدة والمؤودة فى النار ".
قال يحيى بن زكريا: فحدثنى أبو إسحاق السبيعى: أن عامرًا حدثه بذلك عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى ﷺ ويأْتى الجواب عن هذا الحديث إن شاءَ الله. والله أعلم.
المذهب الثالث: أنهم فى الجنة، وهذا قول طائفة من المفسرين والمتكلمين وغيرهم. واحتج هؤلاء بما رواه البخارى فى صحيحه عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ [يعنى] مما يكثر أن يقول لأصحابه: "هل رأى أحد منكم رؤيا"؟ قال: فنقصّ عليه ما شاء الله أن نقص، وأنه قال لنا ذات غداة: "إنى أتانى الليلة آتيان- فذكر الحديث، وفيه: فأتينا على روضة [معتمة] فيها من كل لون الربيع وإذا بين ظهرى الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولًا فى السماء وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط- وفيه- وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة"، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال الرسول ﷺ: "وأولاد المشركين"، فهذا الحديث الصحيح صريح فى أنهم فى الجنة، ورؤيا الأنبياءِ وحى.
وفى مستخرج البرقانى على البخارى من حديث عوف الأعرابى عن أبى رجاء العطاردى عن سمرة عن النبى ﷺ قال: "كل مولود يولد على الفطرة"، فقال الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين".
وقال أبو بكر بن حمدان القطيعى: حدثنا بشر بن موسى، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف عن خنساءَ بنت معاوية قالت: حدثتنى عمتى قالت: يا رسول الله، من فى الجنة؟ قال: "النبى فى الجنة والشهيد فى الجنة والمؤودة فى الجنة"؟، وكذلك رواه بندار عن غندر عن عوف.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى آدَمَ مِن ظُهوُرِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وبقوله تعالى: ﴿لا يَصْلاهاَ إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥]، وبقوله تعالى:
[ ٣٩١ ]
﴿أُعِدَّتْ لِلكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثْ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وهؤلاء لم تقم عليهم حجة الله بالرسل فلا يعذبهم [واحتجوا بقوله تعالى ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل﴾ [النساء: ١٦٥]
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثُ فِى أُمّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا، وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٩٥]، فإذا كان سبحانه لا يهلك القرى فى الدنيا ويعذب أهلها إلا بظلمهم، فكيف يعذب فى الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم؟ ولا يقال: كما أهلكه فى الدنيا تبعًا لأبويه وغيرهم، [فكذلك] يدخله النار تبعًا لهم، لأن مصائب الدنيا إذا وردت لا تخص الظالم وحده بل تصيب الظالم وغيره ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةٍ﴾ [الأنفال: ٢٥]، وكالجيش الذى يخسف بهم جميعهم وفيهم المكره والمستبصر وغيره.
فأما عذاب الآخرة فلا يكون إلا للظالمين خاصة، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلًا. وقال تعالى فى النار: ﴿كُلَّمَا أُلْقِى فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك:٨،٩]، وقال [تعالى] لإبليس: ﴿لأَملأَنَ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل: ٨٥]، وإذا امتلأت بإبليس وأتباعه فأين يستقر فيها من لم يتبعه؟ قالوا: وأيضًا فالقرآن مملوءُ من الأخبار بأن دخول النار إنما يكون بالأعمال كقوله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾
[الكهف: ٤٩]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يظلمون﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوَا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] إلى غير ذلك من النصوص. قالوا: وقد أخبر النبى ﷺ أن كل مولود [يولد] على الفطرة، وإنما يهوده وينصره أبواه، فإذا مات قبل التهويد والتنصير مات على الفطرة، فكيف يستحق النار؟ وفى صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار عن النبى ﷺ قال: "يقول الله: إنى خلقت عبادى حنفاءَ، فجاءَتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم"، وقال محمد بن إسحاق عن ثور بن يزيد عن يحيى بن جابر عن عبد الرحمن بن عائذ عن عياض عن
[ ٣٩٢ ]
النبى ﷺ قال: "إن الله خلق آدم وبنيه حنفاءَ مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامًا"، فزاد "مسلمين".
قالوا: وأيضًا فإن النار دار عدله [تعالى] والجنة دار فضله، فلهذا ينشيء للجنة من لم يعمل عملًا قط، وأما النار فإنه لا يعذب بها إلا من عمل بعمل أهلها. وقالوا: وأيضًا فإن النار دار جزاءٍ، فمن لم يعص الله طرفة عين كيف يجازى بالنار خالدًا مخلدًا أبد الآباد؟ قالوا: وأيضًا فلو عذب هؤلاءِ لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون التكليف.
والقسمان ممتنعان: أما الأول فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل أصلًا، وأما الثانى فيمتنع أيضًا بالنصوص التى ذكرناها وأمثالها من أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه. وقالوا: وأيضًا فلو كان تعذيب هؤلاءِ لأجل عدم الإيمان المانع من العذاب لاشتركوا هم وأطفال المسلمين فى ذلك، لاشتراكهم فى عدم الإيمان الفعلى علمًا وعملًا.
فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تبعهم لآبائهم [من] العذاب، بخلاف أطفال المشركين، قلنا: الله [تعالى] لا يعذب أحدًا بذنب غيره، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازرِةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾ [يس: ٥٤]، وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة، ولا سبيل إلى دفعها وسيأْتى إن شاء الله فصل النزاع فى هذه المسألة، والقول بموجب هذه الحجج الصحيحة كلها، على أن عادتنا فى مسائل الدين كلها دقها وجلها أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض ولا نتعصب لطائفة على طائفة بل نوافق كل طائفة على ما معها من الحق ونخالفها فيما معها من خلاف الحق. لا نستثنى من ذلك طائفة ولا مقالة، ونرجو من الله أن نحيا على ذلك، ونموت عليه ونلقى الله به، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المذهب الرابع: أنهم فى منزلة بين المنزلتين بين الجنة والنار فإنهم ليس لهم إيمان يدخلون به الجنة ولا لآبائهم فوز يلحق بهم أطفالهم تكميلًا لثوابهم وزيادة فى نعيمهم، وليس لهم من الأعمال ما يستحقون به دخول النار.
وهذا قول طائفة من المفسرين قالوا: وهم أهل الأعراف. وقال عبد العزيز ابن يحيى الكنانى: "هم الذين ماتوا فى الفترة"، والقائلون بهذا إن أرادوا أن هذا المنزل مستقرهم أبدًا فباطل، فإنه لا دار للقرار إلا الجنة أو النار، وإن أرادوا أنهم يكونون فيه مدة ثم يصيرون إلى دار القرار
[ ٣٩٣ ]
فهذا ليس بممتنع.
المذهب الخامس: أنهم تحت مشيئة الله تعالى، يجوز أن يعمهم بعذابه، وأن يعمهم برحمته، وأن يرحم بعضًا ويعذب بعضًا بمحض الإرادة والمشيئة، ولا سبيل إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلا بخبر يجب المصير إليه، ولا حكم فيهم إلا بمحض المشيئة. وهذا قول الجبرية نفاة الحكمة والتعليل، وقول كثير من مثبتى القدر وغيرهم.
المذهب السادس: أنهم خدم أهل الجنة ومماليكهم، وهم معهم بمنزلة أرقائهم وممالكيهم فى الدنيا. واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القارى عن أبى حازم المدينى عن يزيد الرقاشى عن أنس، قال الدارقطنى: ورواه عبد العزيز الماجشون عن ابن المنكدر عن يزيد الرقاشى عن أنس عن النبى ﷺ قال: "سألت ربى للاهين من ذرية البشر أن لا يعذبهم، فأعطانيهم، فهم خدام أهل الجنة" يعنى الصبيان.
فهذان طريقان، وله طريق ثالث عن فضيل بن سليمان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن أنس، قال ابن قتيبة: اللاهون من لهيت عن الشيء إذ غفلت عنه، وليس هو من لهوت، وهذه الطرق ضعيفة، فإن يزيد الرقاشى واه وفضيل بن سليمان متكلم فيه، وعبد الرحمن بن إسحق ضعيف.
المذهب السابع: أن حكمهم حكم آبائهم فى الدنيا والآخرة فلا يفردون عنهم بحكم فى الدارين، فكما هم منهم فى الدنيا فهم منهم فى الآخرة.
والفرق بين هذا المذهب ومن مذهب من يقول هم فى النار، أن صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعًا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار وصاحب القول الآخر يقول هم فى النار لكونهم ليسوا بمسلمين لم يدخلوها تبعًا.
وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة الذى تقدم ذكره، واحتجوا بما فى الصحيحين عن الصعب بن جثامة قال: سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: "هم منهم"، ومثله من حديث الأسود بن سريع. وقد تقدم حديث أبى وائل عن ابن مسعود يرفعه: "الوائدة والموءودة فى النار"، وهذا يدل على أنها كانت فى النار تبعًا لها. قالوا: ويدل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا واتبعتهم ذُرِّيتُهُمْ بِإِيْمَانٍ
[ ٣٩٤ ]
أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِن شَيءِ كُلُّ امْرِيءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، فهذا يدل على أن إتباع الذرية لآبائهم ونجاتهم إنما كان إكرامًا لآبائهم وزيادة فى ثوابهم وأن الاتباع [إنما يستحق بإيمان الآباء فإذا انتفى إيمان الآباء انتفى اتباع] النجاة، وبقى اتباع العذاب. ويفسره قوله ﷺ: "هم منهم".
وأجيب عن حجج هؤلاءِ: أما حديث عائشة الذى فيه: "إنهم فى النار" فقد تقدم ضعفه. وأما حديثها الآخر: "هم من آبائهم" فمثل حديث الصعب والأسود بن سريع، وليس فيه تعرض للعذاب بنفى ولا إثبات، وإنما فيه أنهم تبع لآبائهم فى الحكم، وأنهم إذا أُصيبوا فى الجهاد والبيات لم يضمنوا بدية ولا كفارة.
وهذا مصرح به فى حديث الصعب والأسود أنه فى الجهاد، أما حديث عائشة الآخر فضعفه غير واحد. قالوا: وعبد الله بن أبى قيس مولى غطيف رواية عنها ليس بالمعروف فيقبل حديثه. وعلى تقدير ثبوته فليس فيه تصريح بأن السؤال وقع عن الثواب والعقاب.
والنبى ﷺ قال: "هم من آبائهم" ولم يقل هم معهم. وفرق بين الحرفين. وكونهم منهم لا يقتضى [أن يكونوا معهم فى أحكام الآخرة بخلاف كونهم منهم فإنه يقتضى] أن تثبت لهم أحكام الآباءِ فى الدنيا من التوارث والحضانة والنسب وغير ذلك من أحكام الإيلاد، والله سبحانه يخرج الطيب من الخبيث والمؤمن من الكافر.
وأما حديث ابن مسعود فليس فيه أن هذا حكم كل واحد من أطفال المشركين وإنما يدل على أن بعض أطفالهم فى النار، وأن من هذا الجنس- وهن المؤودات- من يدخل النار، وكونها موؤودة [لا يمنع من دخولها النار بسبب آخر وليس المراد أن كونها موءودة] هو السبب الموجب لدخول النار، حتى يكون اللفظ عامًا فى كل موؤدة وهذا ظاهر [ولكن كونها موءودة لا يرد عنها النار إذا استحقتها بسبب]، كما سيأْتى بيانه بعد هذا إن شاء الله. وأحسن من هذا أن يقال: هى فى النار ما لم يوجد سبب يمنع من دخولها النار كما سنذكره إن شاء الله. ففرق بين أن تكون جهة كونها موؤدة هى التى استحقت بها دخول النار، وبين كونها غير مانعة من دخول النار بسبب آخر، وإذا كان تعالى يسأَل [الوائدة] عن وأْد ولدها بغير استحقاق ويعذبها على وأْدها كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا المَوءودةُ سُئلَتْ﴾ [التكوير:٨]، فكيف يعذب الموءودة بغير ذنب؟ والله سبحانه لا يعذب من وأَدها بغير ذنب. وأما قوله
[ ٣٩٥ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] فهذه الآية تدل على أن الله سبحانه يلحق ذرية المؤمنين بهم فى الجنة، وإنهم يكونون معهم فى درجتهم.
ومع هذه فلا يتوهم نزول [الأباء إلى درجة الذرية فإن الله لم يلتهم- أى لم ينقصهم من أعمالهم من شيئًا بل رفع ذرياتهم إلى درجاتهم مع توفير أجور] الآباءِ عليهم، [و] لما كان إلحاق الذرية بالآباءِ فى الدرجة إنما هو بحكم التبعية لا بالأَعمال، ربما توهم متوهم أن ذرية الكفار يلحقون بهم فى العذاب تبعًا وإن لم يكن لهم أعمال الآباءِ، فقطع تعالى هذا التوهم بقوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِيءٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيْمَانٍ﴾ [الطور: ٢١]، كيف أتى بالواو العاطفة فى اتباع الذرية وجعل الخبر عن المؤمنين الذين هذا شأْنهم، فجعل الخبر مستحقًا بأمرين: أحدهما إيمان الآباءِ، والثانى إتباع الله ذريتهم إياهم، وذلك لا يقتضى أن كل مؤمن يتبعه كل ذرية له، ولو أُريد هذا المعنى لقيل: [والذين] آمنوا تتبعهم ذرياتهم فعطف الاتباع بالواو يقتضى أن يكون المعطوف بها قيدًا وشرطًا فى ثبوت الخبر، لا حصوله لكل أفراد المبتدأ. وعلى هذا يخرج ما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة قالت أُتى النبى ﷺ بصبى من الأنصار يصلى عليه: فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا لم يعمل شرًا، ولم يدره به. قال: "أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وخلقها لهم وهم فى أصلاب آبائهم"، فهذا الحديث يدل على أنه لا يشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أطلق على أطفال المؤمنين فى الجملة أنهم فى الجنة لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم فى الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك إلا من شهد له النبى ﷺ.
فهذا وجه الحديث الذى يشكل على كثير من الناس ورده الإمام أحمد وقال: لا يصح. ومن يشك أن أولاد المسلمين فى الجنة؟ وتأوله قوم تأويلات بعيدة.
المذهب الثامن: أنهم يمتحنون فى [عرصة] القيامة، ويرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة ومن عصاه أدخله النار. وعلى هذا فيكون بعضهم فى الجنة وبعضهم فى النار. وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها. وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله [﷿] الذى أحال عليه النبى ﷺ حيث يقول: "الله
[ ٣٩٦ ]
أعلم بما كانوا عاملين"، يظهر حينئذ ويقع الثواب والعقاب عليه حال كونه معلومًا علمًا خارجيًا لا علمًا مجردًا، ويكون النبى ﷺ قد رد جوابهم إلى علم الله فيهم، والله [تعالى] يرد ثوابهم وعقابهم إلى معلومه منهم، فالخبر عنهم مردود إلى علمه ومصيرهم مردود إلى معلومه، وقد جاءَت بذلك آثار كثيرة يؤيد بعضها بعضًا: فمنها ما رواه الإمام أحمد [فى مسنده] والبزار أيضًا بإسناد صحيح، فقال الإمام أحمد: حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبى ﷺ قال: "أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل هرم، ورجل أحمق، ورجل مات فى الفترة، أما الأصم فيقول: رب لقد جاءَ الإسلام وأنا ما أسمع شيئًا، وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحدفوننى بالبعر، وأما الهرم [رب لقد جاء الإسلام وما أغفل وأما الذى فى الفترة] فيقول: رب ما أتانى رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه. فيرسل إليم رسولًا أن ادخلوا النار، فوالذى نفسى بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا"، قال معاذ [بن هشام]: وحدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة بمثل هذا الحديث وقال فى آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا ومن لم يدخلها رد إليها".
وهو فى مسند إسحاق عن معاذ بن هشام أيضًا، ورواه البزار ولفظه عن الأسود ابن سريع عن النبى ﷺ قال: "يعرض على الله ﵎ الأصم الذى لا يسمع شيئًا، والأحمق والهرم، ورجل مات فى الفترة، فيقول الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئًا، والأحمق يقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا يقول الذى مات فى الفترة: رب ما أتانى لك رسول، وذكر الهرم وما يقول، قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعنّه، فيرسل إليهم [﵎]: ادخلوا النار، فوالذى نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا"، قال الحافظ عبد الحق فى حديث الأسود: قد جاءَ هذا الحديث، وهو صحيح فيما أعلم، والآخرة ليست دار تكليف ولا عمل، ولكن الله يخص من يشاءُ بما يشاءُ، ويكلف من [يشاء ما شاء] وحيثما شاءَ، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
قلت: وسيأتى الكلام على وقوع التكليف فى الدار الآخرة وامتناعه عن قريب إن شاء الله، ورواه على بن المدينى عن معاذ بنحوه. قال البيهقى: حدثنا على ابن محمد بن بشران، أخبرنا أبو جعفر الرازى، أخبرنا حنبل بن الحسين، أخبرنا
[ ٣٩٧ ]
علي بن عبد الله وقال هذا إسناد صحيح، وأما حديث علي بن زيد بن جدعان عن أبى رافع عن أبى هريرة عن النبى ﷺ نحوه، ورواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة قوله.
وروى محمد بن المبارك الصورى ثقة، حدثنا عمرو بن واقد ضعيف، حدثنا يونس بن ميسرة ثقة عن أبى إدريس الخولانى عن معاذ يرفعه: "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك فى الفترة، وبالهالك صغيرًا. فيقول الممسوخ عقلًا: يا رب لو آتيتنى عقلًا ما كان مَن آتيته عقلًا بأسعد منى، ويقول الهالك فى الفترة: يا رب لو آتانى منك عهد ما كان من آتاه منك عهد بأسعد بعهده منى، منى، فيقول الرب سبحانه: لئن أمرتكم بأمر فتطيعونى؟ فيقولون: نعم وعزتك فيقول: اذهبوا فادخلوا النار، فلو دخلوها ما ضرتهم قال: فيخرج عليهم قوابص يظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك ويقولون: يا ربنا خرجنا وعزتك نريد دخولها، فخرجت علينا قوابص من نار ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأْمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون مثل قولهم، فيقول الله: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وعلى علمى خلقتكم وإلى علمى تصيرون، فتأْخذهم النار"، فهذا وإن كان عمرو بن واقد لا يحتج به، فله أصل وشواهد والأُصول تشهد له.
وفى الباب أحاديث غير هذا. وقد رويت أحاديث الامتحان فى الآخرة من حديث الأسود بن سريع وصححه عبد الحق والبيهقى من حديث أبى هريرة وأنس ومعاذ وأبى سعيد.
فأما حديث الأسود فرواه معاذ [عن] هشام عن أبيه عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن النبى ﷺ قال معاذ: وحدثنى أبى عن قتادة عن الحسن عن أبى رافع عن أبى هريرة، ورواه أحمد وإسحاق عن معاذ [ورواه] حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن رافع عن أبى هريرة، ورواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة موقوفًا عليه، وهذا لا يضر الحديث فإنه إن سلك طريق ترجيح الزائد لزيادته فواضح، وإن سلك طريق المعارضة فغايتها تحقق الوقف، ومثل هذا لا يقدم عليه بالرأْى إذ لا مجال له فيقبل بجزم بأن هذا توقيف لا عن رأْى.
وأما حديث أنس فرواه جرير بن عبد الحميد عن ليث بن أبى سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبى ﷺ: "يؤتى يوم القيامة بأربعة:
[ ٣٩٨ ]
بالمولود وبالمعتوه، وبمن مات فى الفترة، وبالشيخ الفانى كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب سبحانه لعنق من جهنم: ابرزى. ويقول لهم: إنى كنت أبعث إلى عبادى رسولًا من أنفسهم وإنى رسول نفسى إليكم. قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه. ويقول من كتب عليه الشقاءُ: أَنى ندخلها ومنها كنا نفر؟ فيقول الله: فأنتم لرسلى أشد تكذيبًا قال: وأما من كتب عليهم السعادة فيمضى فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء إلى الجنة وهؤلاء إلى النار".
وهذا وإن لم يعتمد عليه بمجرده لمكان ليث بن أبى سليم عن عبد الوارث عن أنس عن النبى ﷺ [وأما حديث معاذ فتقدم الكلام عليه. وأما حديث أبى سعيد فرواه محمد بن يحيى الذهلى: أخبرنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "الهالك فى الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك فى الفترة: لم يأْتنى كتاب، ويقول المعتوه: رب لم تجعل لى عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا. ويقول المولود: رب لم أُدرك العقل فيرفع لهم نارًا فيقول: ردوها، قال: فيردها من كان فى علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان فى علم الله شقيًا لو أدرك العمل، فيقول: إياى عصيتم، فكيف لو رسلى أتتكم"، تابعه الحسن بن موسى عن فضيل. ورواه أبو نعيم عن فضيل بن مرزوق فوقفه. فهذا وإن كان فيه عطية فهو ممن يعتبر بحديثه ويستشهد به، وإن لم يكن حجة. وأما الوقف فقد تقدم نظيره من حديث أبى هريرة. فهذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها هو مذهب السلف والسنة نقله عنهم الأشعرى ﵀ فى المقالات وغيرها.
فإن قيل: قد أنكر ابن عبد البر هذه الأحاديث وقال: أهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب، لأن الآخرة ليست دار عمل ولا ابتلاء وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك فى وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟ [ف] الجواب من وجوه:
أحدها: أن أهل العلم لم يتفقوا على إنكارها بل ولا أكثرهم، وإن أنكرها بعضهم فقد صحح غيره بعضها كما تقدم.
الثانى: أن أبا الحسن الأشعرى حكى هذا المذهب عن أهل السنة والحديث، فدل على أنهم ذهبوا إلى موجب هذه الأحاديث.
الثالث: أن إسناد حديث الأسود أجود من كثير من الأحاديث التى يحتج بها فى الأحكام،
[ ٣٩٩ ]
ولهذا رواه الأئمة أحمد وإسحق وعلى بن المدينى.
الرابع: أنه قد نص جماعة من الأئمة على وقوع الامتحان فى الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار ذكره البيهقى عن غير واحد من السلف.
الخامس: ما ثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة وأبى سعيد فى الرجل الذى هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها أن الله ﷾ يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غير الذى يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيره، فيقول الله تعالى: "ما أغدر كغدرك"، وهذا الغدر منه هو لمخلفته للعهد الذى عاهد ربه عليه.
السادس: قوله: وليس ذلك فى وسع المخلوقين. جوابه من وجهين:
أحدهما: أن ذلك ليس تكليفًا بما ليس فى الوسع، وإنما تكليف بما فيه مشقة شديدة، وهو كتكليف بنى إسرائيل قتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم حين عبدوا العجل، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال ومعه مثال الجنة والنار أن يقعوا فى الذى يرونه نارًا.
والثانى: أنهم لو أطاعوه ودخلوها لم يضرهم، وكانت بردًا وسلامًا، فلم يكلفوا بممتنع ولا بما لم يستطع.
السابع: أنه قد ثبت أنه ﷾ يأْمرهم فى القيامة بالسجود ويحول بين المنافقين وبينه.
وهذا تكليف بما ليس فى الوسع قطعًا، فكيف ينكر التكليف بدخول النار فى رأْى العين إذا كانت سببًا كما قال أبو سعيد الخدرى هو أدق من الشعرة وأحدُّ من السيف" رواه مسلم، فركوب هذا الصراط الذى هو فى غاية المشقة كالنار، ولهذا كلاهما يفضى منه إلى النجاة والله أعلم.
الثامن: أن هذا استبعاد مجرد لا ترد بمثله الأحاديث والناس لهم طريقان: فمن سلك طريق المشيئة المجردة لم يمكنه أن يستبعد هذا التكليف، ومن سلك طريق الحكمة والتعليل لم يكن معه حجة تنفى أن يكون هذا التكليف موافقًا للحكم، بل الأدلة الصحيحة تدل على أن مقتضى الحكمة كما ذكرناه.
التاسع: أن فى أصح هذه الأحاديث وهو حديث الأسود أنهم يعطون ربهم المواثيق ليطيعنه فيما يأْمرهم به، فيأْمرهم أن يدخلوا نار الامتحان فيتركون الدخول معصية لأمره لا لعجزهم عنه. فكيف يقال أنه ليس فى الوسع.
فإن قيل: فالآخرة دار جزاءٍ، وليست دار تكليف، فكيف يمتحنون فى غير دار التكليف؟ فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار، وأما فى
[ ٤٠٠ ]
البرزخ وعرصات القيامة فلا ينقطع وهذا معلوم بالضرورة من الدين من وقوع التكليف بمسألة الملكين فى البرزخ وهى تكليف.
وأما فى عرصة القيامة فقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، [فهذا] صريح فى أن الله يدعو الخلائق إلى السجود يوم القيامة، وأن الكفار يحال بينهم وبين السجود إذ ذاك، ويكون هذا التكليف، بما لا يطاق حينئذ حسًا عقوبة لهم، لأنهم كلفوا به فى الدنيا وهم يطيقونه فلما امتنعوا منه وهو مقدور لهم كلفوا به وهم لا يقدرون عليه حسرة عليهم وعقوبة لهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣] [يعنى أصحابه لا أحد يمنعهم منه فلما تركوه وهم سالمون] دعوا إليه فى وقت حيل بينهم وبينه كما فى الصحيح من حديث زيد ابن أسلم عن عطاء عن أبى سعيد ﵁: "إن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا"- فذكر الحديث بطوله، إلى أن قال- "فيقول تتبع كل أُمه ما كانت تعبد فيقول المؤمنون: فارقنا الناس فى الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا- مرتين أو ثلاثًا- حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها" فيقولون نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره:" [طبقة] واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم" وذكر الحديث.
وهذا التكليف نظير تكليف البرزخ بالمسألة، فمن أجاب فى الدنيا طوعًا واختيارًا أجاب فى البرزخ، [ومن امتنع من الإجابة فى الدنيا منع منها فى البرزخ] ولم يكن تكليفه فى الحال وهو غير قادر قبيحًا، بل هو مقتضى الحكمة الإلهية، لأنه كلف وقت القدرة فأَبى، فإذا كلف وقت العجز وقد حيل بينه وبين الفعل كان عقوبة له وحسرة.
والمقصود أن التكليف لا ينقطع إلا بعد دخول الجنة أو النار، وقد تقدم أن حديث الأسود بن سريع صحيح، وفيه التكليف فى عرصة القيامة. فهو مطابق لما ذكرنا من النصوص الصحيحة الصريحة.
فعلم أن الذى تدل عليه الأدلة الصحيحة وتأْتلف به النصوص ومقتضى الحكمة هذا القول والله أعلم.
وقد حكى بعض أهل المقالات عن عامر بن أشرس أنه ذهب إلى أن الأطفال يصيرون فى يوم القيامة ترابًا، وقد نقل عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية والقاسم بن محمد
[ ٤٠١ ]
وغيرهم أنهم كرهوا الكلام فى هذه المسألة جملة.
الطبقة الخامسة عشرة: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله [ورسوله] . وهؤلاء المنافقون، وهم فى الدرك الأسفل من النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخف، وهم فوقهم فى دركات النار. لأن الطائفتين اشتركتا فى الكفر ومعاداة الله ورسله وزاد المنافقون عليهم بالكذب والنفاق، وبلية المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، ولهذا قال تعالى فى حقهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر، أى لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا [حصر العداوة فيهم وأنهم لا عدو للمسلمين سواهم بل هذا] من إثبات الأولوية والأحقية لهم فى هذا الوصف، وأنه لا يتوهم بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم [لهم] ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم، بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم فى الدار، ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها. فإن ضرر هؤلاءِ المخالطين لهم المعاشرين لهم- وهم فى الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم، لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم ينقضى ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم فى الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر ولا يمكنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْوهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين. ونظير ذلك قول النبى ﷺ: "ليس المسكين الطواف الذى ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه"، فليس هذا نفيًا لاسم المسكين عن الطواف، بل إخبار بأن هذا القانع الذى لا يسمونه مسكينًا أحق بهذا الاسم من الطواف الذى يسمونه مسكينًا.
ونظيره قوله ﷺ: "ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الذى يملك نفسه عند الغضب"،ليس نفيًا للاسم عن الصرعة، ولكن إخبار بأن من يملك نفسه عند الغضب
[ ٤٠٢ ]
أحق منه بهذا الاسم.
ونظيره قوله ﷺ: "ما تعدون المفلس فيكم"؟ قالوا: من لا درهم له ولا متاع. قال: "المفلس من يأتى يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأْتى قد لطم هذا وضرب هذا وأخذ مال هذا، فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أُخذ من سيئاتهم ثم طرح عليه فأُلقى فى النار"، ونظيره قوله ﷺ: "ما تعدون الرقوب فيكم"؟ قالوا: من لا يولد له؟ قال: "الرقوب من لم يقدم من ولده شيئًا"، ومنه عندى قوله ﷺ: "الربا فى النسيئة".
وفى لفظ: "إنما الربا فى النسيئة" هو إثبات لأن هذا النوع هو أحق باسم الربا من ربا الفضل، وليس فيه اسم الربا عن ربا الفضل. فتأمله.
والمقصود أن هذه الطبقة أشقى الأشقياءِ، ولهذا يستهزأُ بهم فى الآخرة، وتعطى نورًا يتوسطون به على الصراط ثم يطفيء الله نورهم ويقال لهم: ﴿ارْجَعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]، ويضرب بينهم وبين المؤمنين: ﴿بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قَبْلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُم وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِى حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغرَّكُمْ بِاللهِ الغرُورِ﴾ [الحديد: ١٣]، وهذا أشد ما يكون من الحسرة والبلاءِ أن يفتح للعبد طريق النجاة والفلاح، حتى إذا ظن أنه ناج ورأى منازل السعداءِ اقتطع عنهم وضربت عليه الشقوة ونعوذ بالله من غضبه وعقابه.
وإنما كانت هذه الطبقة فى الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداءُ، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداءِ عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين.
ولهذا قال تعالى [فى المنافقين]: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُم لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقين: ٣]، وقال تعالى فيهم: ﴿صُم بُكْمُّ عُمِى فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، وقال تعالى فى الكفار: ﴿صُم بُكْم عُمْى فَهُمْ لا يرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم
[ ٤٠٣ ]
عمى وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.
وفيه معنى آخر أيضًا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم، ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضًا.
ومن [هاهنا] دخل عليهم البلاءُ، فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض فى الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وضعوهم وجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم فى أسفل السافلين تحت الكفار، فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاءِ بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم [من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل] من النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق فى أول سورة [البقرة: ٢-٢٠] فقسمهم إلى مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافر ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن فى الظاهر كافر فى الباطن وهم المنافقون، وذكر فى حق المؤمنين ثلاث آيات ٣-٥، وفى حق الكفار آيتين ٦- ٧.
فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية ٨- ٢٠ ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون فى الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون فى اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضًا إلى مرضهم، فلم يدع ذمًا ولا عيبًا إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة فى تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار.
نعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته. ومن تأمل ما وصف [الله به المنافقين فى القرآن من صفات الذم علم أنهم أحق بالدرك الأسلف فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده ووصف] قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك. ووصفهم بالإفساد فى الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وبعباده، وبالطغيان، واشتراءِ الضلالة بالهدى والصمم والبكم والعمى والحيرة والكسل عند عبادته، والزنا وقلة ذكره، والتردد- والتذبذب- بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ، والحلف باسمه تعالى
[ ٤٠٤ ]
كذبًا وباطلًا وبالكذب وبغاية الجبن، وبعدم الفقه فى الدين وبعدم العلم، وبالبخل، وبعدم الإيمان بالله واليوم الآخر وبالرب، وبأنهم مضرة على المؤمنين ولا يحصل كلهم بنصيحتهم إلا الشر من الخبال والإسراع بينهم بالشر وإلقاءِ الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر الله، ومحو الحق، وأنهم يحزنون بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، ويفرحون بما يحصل لهم من المحنة والابتلاءِ، وأنهم يتربصون الدوائر بالمسلمين وبكراهتهم الإنفاق فى مرضاة الله وسبيله، وبعيب [المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم فيلزمون المتصدقين ويعيبون] مزهدهم، ويرمون [مكثرهم] بالرياءِ إرادة الثناء فى الناس، وأنهم عبيد الدنيا إن أُعطوا منها رضوا وإن [منعو] سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول الله ﷺ وينسبونه إلى ما برأه الله منه ويعيبونه بما هو من كماله وفضله وأنهم يقصدون إرضاءَ المخلوقين ولا يطلبون إرضاءَ رب العالمين وأنهم يسخرون من المؤمنين، وأنهم يفرحون إذا تخلفوا عن رسول الله ﷺ، ويكرهون الجهاد فى سبيل الله، وأنهم يتحيلون على تعطيل فرائض الله عليهم بأنواع الحيل، وأنهم يرضون بالتخلف عن طاعة الله ورسوله، [وأنهم] مطبوع على قلوبهم، وأنهم يتركون ما أوجب الله عليهم مع قدرتهم عليه، وأنهم أحلف الناس بالله قد اتخذوا أيمانهم جُنّة تقيهم من إنكار المسلمين عليهم، وهذا شأْن المنافق أحلف الناس بالله كاذبًا قد اتخذ يمينه جنة ووقاية يتقى بها إنكار المسلمين عليه، ووصفهم بأنهم رجس- والرجس من كل جنس أخبثه وأقذره- فهم أخبث بنى آدم وأقذرهم وأرذلهم وبأنهم فاسقون، وبأنهم مضرة على أهل الإيمان يقصدون التفريق بينهم، ويؤوون من حاربهم وحارب الله ورسوله، وأنهم يتشبهون بهم ويضاهونهم فى أعمالهم ليتوصلوا منها إلى الإضرار بهم وتفريق كلمتهم، وهذا شأن المنافقين أبدًا وبأنهم فتنوا أنفسهم بكفرهم بالله ورسوله وتربصوا بالمسلمين دوائر السوء، وهذه عادتهم فى كل زمان، وارتابوا فى الدين فلم يصدقوا به، وغرتهم الأمانى الباطلة وغرهم الشيطان، وأنهم أحسن الناس أجسامًا تعجب الرائى أجسامهم، والسامع منطقهم، فإذا جاوزت أجسامهم وقولهم رأيت خشبًا مسنده، ولا إيمان ولا فقه، ولا علم ولا صدق، بل خشب قد كسيت كسوة تروق الناظر، وليسوا وراءَ ذلك شيئًا، وإذا عرض عليهم التوبة والاستغفار أبوها
[ ٤٠٥ ]
وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها، إما لأن ما عندهم من الزندقة والجهل المركب مغن عنها وعن الطاعات جملة- كحال كثير من الزنادقة-وإما احتقارًا وازدراءً بمن يدعوهم إلى ذلك، ووصفهم سبحانه بالاستهزاءِ به وبآياته وبرسوله وبأنهم مجرمون وبأنهم يأْمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم عن الإنفاق فى مرضاته، ونسيان ذكره، وبأنهم يتولون الكفار ويدعون المؤمنين، وبأن الشيطان قد استحوذ عليهم وغلب عليهم حتى أنساهم ذكر الله فلا يذكرونه إلا قليلًا، وأنهم حزب الشيطان وأنهم يوادون من حاد الله ورسوله وبأنهم يتمنون ما يعنت المؤمنين ويشق عليهم، وأن البغضاءَ تبدو لهم من أفواههم وعلى فلتات ألسنتهم، بأنهم يقولون بأفواههم ما ليس فى قلوبهم.
ومن صفاتهم التى وصفهم بها رسول الله ﷺ الكذب فى الحديث والخيانة فى الأمانة، والغدر عند العهد، والفجور عند الخصام، والخلف عند الوعد، وتأْخير الصلاة إلى آخر وقتها، ونقرها عجلة وإسراعًا، وترك حضورها جماعة وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاءُ.
ومن صفاتهم التى وصفهم الله بها الشح على المؤمنين بالخير، والجبن عند الخوف، فإذا ذهب الخوف وجاءَ الأمن سلقوا المؤمنين بأَلسنة حداد، فهم أحد الناس أَلسنة عليهم كما قيل:
جهلًا علينا وجبنًا عن عدوكم لبئست الخلتان الجهل والجبن
وإنهم عند المخاوف تظهر كمائن صدورهم ومخبآتهم، وأما عند الأمن فيجب ستره، فإذا لحق المسلمين خوف دبت عقارب قلوبهم وظهرت المخبآت وبدت الأسرار.
ومن صفاتهم أنهم أعذب الناس ألسنة، [وأمرهم] قلوبًا وأعظم الناس [مخالفة] بين أعمالهم وأقوالهم ومن صفاتهم أنهم لا يجتمع فيهم حسن صمت وفقه فى دين أبدًا ومن صفاتهم أن أعمالهم تكذب أقوالهم، وباطنهم يكذب ظاهرهم وسرائرهم تناقض علانيتهم.
ومن صفاتهم أن المؤمن لا يثق بهم فى شيء فإنهم قد أعدوا لكل أَمر مخرجًا منه، بحق أو بباطل بصدق أو بكذب، ولهذا سمى منافقًا أخذًا من نافقاءِ اليربوع- وهو بيت يحفره ويجعل له أسرابًا مختلفة- فكلما طلب من سرب خرج من سرب آخر، فلا يتمكن طالبه من حصره فى سرب واحد، قال الشاعر:
[ ٤٠٦ ]
ويستخرج اليربوع من نافقائه ومن جحره بالشيحة اليتقصع
فأنت منه [كقبض] على الماءِ، ليس معك منه شيء. ومن صفاتهم كثرة التلون، وسرعة التقلب، وعدم الثبات على حال واحد: بينا تراه على حال تعجبك من دين أو عبادة أو هدى صالح أو صدق، إذ انقلب إلى ضد ذلك كأنه لم يعرف غيره، فهو أشد الناس تلونًا وتقلبًا وتنقلًا، جيفة بالليل قطرب بالنهار.
ومن صفاتهم أنك إذا دعوتهم عند المنازعة للتحاكم إلى القرآن والسنة أبوا ذلك وأعرضوا عنه، ودعوك إلى التحاكم إلى طواغيتهم، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعَمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزَلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطاغوت وَقَد أمرُوا أَن يَكْفُروا بهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أن يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالُوا إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ المُنَافقِين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا فَكَيْف إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيَهِمْ ثُمَّ جَاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُم فِى أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٠-٦٣] .
ومن صفاتهم: معارضة ما جاءَ به الرسول ﷺ بعقول الرجال وآرائهم، ثم تقديمها على ما جاءَ. فهم معرضون عنه معارضون له، زاعمون أن الهدى فى آراءِ الرجال وعقولهم، دون ما جاءَ به فلو أعرضوا عنه وتعوضوا بغيره لكانوا منافقين، فكيف إذا جمعوا مع ذلك معارضته وزعموا أنه لا يستفاد منه هدى.
ومن صفاتهم: كتمان الحق، والتلبيس على أهله، ورميهم له بأدوائهم: فيرمونهم- إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ودعوا إلى الله ورسوله- بأنهم أهل فتن مفسدون فى الأرض.
وقد علم الله ورسوله والمؤمنون بأنهم أهل الفتن المفسدون فى الأرض، وإذا دعا ورثة الرسول إلى كتاب الله وسنة رسوله خالصة غير [مثوبة] رموهم بالبدع والضلال، وإذا رأوهم زاهدين فى الدنيا راغبين فى الآخرة متمسكين بطاعة الله ورسوله
[ ٤٠٧ ]
رموهم بالزوكرة، والتلبيس والمحال.
وإذا رأوا معهم حقًا ألبسوه لباس الباطل، وأخرجوه لضعفاءِ العقول فى قالبة شنيع لينفروهم عنه، وإذا كان معهم باطل [ألبسوه] لباس الحق وأخرجوه فى قالبه ليقبل منهم.
وجملة أمرهم أنهم فى المسلمين كالزغل فى النقود، يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من الناس، وقليل ما هم، وليس على الأديان أضرَّ من هذا الضرب من الناس، وإنما تفسد الأديان من قبلهم، ولهذا جلا الله أمرهم فى القرآن، وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم، لشدة المؤنة على الأُمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم، فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى: وعدوهم ومنوهم، ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور.
فكم من قتيل، ولكن فى سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان. وأسير لا يرجى له الخلاص وفارّ من الله لا إليه، وهيهات ولات حين مناص. صحبتهم توجب العار والشنار، ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار من [علقت] به كلاليب كلبهم ومخاليب رأْيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاءِ والخذلان، فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالًا، ويمشى على عقبيه القهقرى إدبارًا منه وهو يحسب ذلك إقبالًا.
فهم والله قطاع الطريق، فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء، حذار منهم حذار، هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا. ففرارًا منهم أيها الغنم فرارًا.
ومن البلية أنهم الأعداءُ حقًا وليس لنا بد من مصاحبتهم، وخلطتهم أعظم الداءِ وليس بد من مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدًا للمستجيبين، ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات، فويل للمغترين. نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم: يا شياه الأنعام حى على الهلاك، حى على التباب. فاستبقوا يهرعون إليهم، فأوردوهم حياض العذاب، لا الموارد العذاب.
وساموهم من الخسف والبلاءِ أعظم خطة، وقالوا: ادخلوا باب الهوان صاغرين ولا تقولوا حطة، فليس بيوم حطة. [فواعجبًا] لمن نجا من شراكهم لا من علق، وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق،
[ ٤٠٨ ]
فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلو بالمحل الذى أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا فى أردئ منازل أهل العناد والكفران.
وبحسب إيمان العبد ومعرفته بكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأُمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر بن الخطاب يقول: يا حذيفة، ناشدتك الله، هل سمانى رسول الله ﷺ مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أُزكى بعدك أحدًا.
يعنى لا أفتح على هذا الباب فى تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يبرأْ من النفاق غيرك.
وقال ابن أبى مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله؟ ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل.
الطبقة السادسة عشرة: رؤساء الكفر وأئمته، ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول فى دينه رغبة ورهبة فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول فى الإيمان. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ الله زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨] فأحد العذابين بكفرهم، والعذاب الآخر بصدهم عن سبيل الله. وقد استقرت حكمة الله وعدله أن يجعل على الداعى إلى الضلال مثل آثام من اتبعه واستجاب له، ولا ريب أن عذاب هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه وضل به.
وهذا النوع فى الأشقياء مقابل دعاة الهدى فى السعداءِ، فأُولئك يتضاعف ثوابهم وتعلو درجاتهم بحسب من اتبعهم واهتدى بهم، وهؤلاء عكسهم، ولهذا كان فرعون وقومه فى أشد العذاب، قال تعالى فى حقهم: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخِلُوا آلِ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وهذا تنبيه على أن فرعون نفسه فى الأشد من ذلك، لأنهم إنما دخلوا أشد العذاب تبعًا له، فإنه هو الذى استخفهم فأطاعوه، وغرهم فاتبعوه. ولهذا يكون يوم القيامة إمامهم وفرطهم فى هذا الورد، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ﴾ [هود: ٩٨] .
والمقصود: أنهم استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم، وصدهم عن سبيل الله وعقوبتهم من آمن بالله.
[ ٤٠٩ ]
فليس عذاب الرؤساء فى النار كعذاب أتباعهم، ولهذا كان فى كتاب النبى ﷺ لهرقل: "فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ".
والصحيح فى اللفظ أنهم الأتباع ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذابًا، وهو أول من يكسى حلة من النار، لأنه إمام كل كفر وشرك وشر.
فما عصى الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأَمثل فالأمثل من نوابه فى الأرض ودعاته. ولا ريب أن الكفر يتفاوت، فكفر أغلظ من كفر، كما أن الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من إيمان.
فكما أن المؤمنين ليسوا فى درجة واحدة، بل هم درجات عند الله، فكذلك الكفار ليسوا فى طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات كما أن الجنة درجات. ولا يظلم الله من خلقه أحدًا. وهو الغنى الحميد.
فصل
وغلظ الكفر الموجب لغلظ العذاب يكون من ثلاثة أوجه: أحدها: من حيث العقيدة الكافرة فى نفسها، كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له، فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر. ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماءِ، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقًا لتغلظ كفرهم، وهؤلاءِ هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب ﷾ غير وجود هذا العالم.
[الجهة الثانية]: تغلظه بالعناد والضلال عمدًا على بصيرة، ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه، وكفر عنادًا وبغيًا، كقوم ثمود، وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءَهم، وكفر أبى جهل وأُمية ابن أبى الصلت وأمثال هؤلاء.
الجهة الثالثة: السعى فى إطفاءِ نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم، فهؤلاءِ أشد الكفار عذابًا بحسب تغلظ كفرهم، ومنهم من يجتمع فى حقه الجهات الثلاث، ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس ع
ذاب هؤلاءِ كعذاب من هو دونهم فى الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، والمؤمنون من أذاه فى سلامة لا ينالهم منه أذى، ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاءِ، بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر.
وإن شارك أولئك فى كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعًا من الكفر. وهل يستوى فى النار عذاب أبى طالب وأبى لهب وأبى جهل وعقبة بن أبى معيط وأبى ابن خلف وأضرابهم؟
والمقصود أن
[ ٤١٠ ]
هذه الطبقة وهى طبقة الرؤساءِ الدعاة الصادين عن دين الله ليست كطبقة من دونهم، وقد ثبت عن النبى ﷺ أنه قال: "أهون أهل النار عذابًا أبو طالب"، ومعلوم أن كفر أبى طالب لم يكن مثل كفر أبى جهل وأمثاله.
الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبعًا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءَنا على أُمة، ولنا أُسوة بهم. ومع هذا فهم متاركون لأهل الإسلام غير محاربين لهم، كنساءِ المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لنا نصب له أُولئك أنفسهم من السعى فى إطفاءِ نور الله وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب.
وقد اتفقت الأُمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالًا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاءِ بالنار وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث فى الإسلام.
وقد صح عن النبى ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية، ولم يعتبر فى ذلك غير المربى والمنشإِ على ما عليه الأبوان.
وصح عنه أنه قال ﷺ: "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة"، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف لا يخرج عن الإسلام أو الكفر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف فى تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين.
وقد تقدم الكلام عليهم. والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به، فما لم يأْت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا فإن الكافر من جحد توحيد الله وكذب رسوله إما عنادًا وإما جهلًا وتقليدًا لأهل العناد.
فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله فى القرآن فى غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعيهم وأنهم يتحاجون فى النار وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ، قَالَ لِكُلِّ
[ ٤١١ ]
ضِعْفٌ وَلِكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّار قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلّ فِيهَا إِن اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٧-٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجَعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ القَوْلَ يَقُولُ الذين اسْتُضْعِفُوا لِلِّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ الَّذِينَ استكبروا للذين اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأمُرُونَنَا أن نَكْفُرِ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣١- ٣٣] .
فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا فى العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئًا. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦-١٦٧] .
وصح عن النبى ﷺ أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل أوزار من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئًا"، وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو بمجرد اتباعهم وتقليدهم.
نعم لا بد فى هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان فى الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله، وأما العاجز عن السؤال والعلم الذى لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضًا أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له، غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة. الثانى: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه. فالأول يقول: يا رب لو أعلم لك دينًا خيرًا مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره، فهو غاية جهدى ونهاية معرفتى. والثانى: راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه
[ ٤١٢ ]
سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته، وكلاهما عاجز وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق: فالأَول كمن طلب الدين فى الفترة ولم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع فى طلبه عجزًا وجهلًا، والثانى كمن لم يطلبه، بل مات فى شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع، والله يقضى بين عباده يوم القيامة بحكمه وعدله، ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل، فهذا مقطوع به فى جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو بعينه قامت عليه الحجة أم لا، فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وبين عباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول.
هذا فى الجملة والتعيين موكول إلى علم الله [﷿] وحكمه هذا فى أحكام الثواب والعقاب. وأما فى أحكام الدنيا [فهى جارية مع ظاهر الأمر فأطفال الكفار ومجانينهم كفار فى أحكام الدنيا] لهم حكم أوليائهم. وبهذا التفصيل يزول الإشكال فى المسألة. وهو مبنى على أربعة أُصول:
أحدها: أن الله ﷾ لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نبعث رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَلْقِى فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزْنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فكَذَّبْنَا وَقُلنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨- ٩]، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ يَقُصّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىَ أَنْفُسِنَا وَغَرّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ أَنّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وهذا كثير فى القرآن، يخبر أنه إنما يعذّب من جاءه الرسول وقامت عليه الحجة، وهو المذنب الذى يعترف بذنبه، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، والظالم من عرف ما جاءَ به الرسول أو تمكن من معرفته، وأما من لم [يكن عنده من الرسول خبرًا أصلًا ولا يمكن من معرفته بوجه] وعجز عن ذلك فكيف يقال إنه ظالم؟
[ ٤١٣ ]
الأصل الثانى: أن العذاب يستحق بسببين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم [إرادة العلم] بها وبموجبها. الثانى: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثانى كفر عناد. وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا الذى نفى الله التعذيب عنه حتى تقوم حجة الرسل.
الأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار فى زمان دون زمان وفى بقعة وناحية دون أُخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون وإما لعدم فهمه كالذى لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له. فهذا بمنزلة الأصم الذى لا يسمع شيئًا ولا يتمكن من الفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم فى حديث الأسود وأبى هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله ﷾ تابعة لحكمته التى لا يخل بها [سبحانه]، وأنها مقصودة لغايتها المحمودة وعواقبها الحميدة. وهذا الأصل هو أساس الكلام فى هذه الطبقات [الذى عليه نبنى مع تلقى أحكامها من نصوص التكاب والسنة لا من أراء الرجال وعقولهم ولا يدرى عدد الكلام فى هذه الطبقات]، إلا من عرف ما فى كتب الناس ووقف على أقوال الطوائف فى هذا الباب والنهى إلى غاية مراتبهم ونهاية إقدامهم، والله الموفق للسداد الهادى إلى الرشاد.
وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلًا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التى ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله: ﴿لا يَسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وهو الفعال لما يريد، وصدق الله وهو أصدق القائلين: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] لكمال حكمته وعلمه ووضعه الأشياءَ مواضعها، وأنه ليس فى أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما [هو] خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور ولا خلاف مقتضى حكمته، لكمال أسمائه وصفاته، وهو الغنى الحميد العليم الحكيم.
الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن، وقد اتفق المسلمون على أن منهم المؤمن والكافر والبر والفاجر. قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصّالِحُونَ
[ ٤١٤ ]
وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقِ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] قال مجاهد: يعنون مسلمين وكافرين.
وقال الحسن والسدى: أمثالكم، فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة. وقال سعيد ابن جبير: ألوانا شتى. وقال ابن كيسان: شيعًا وفرقًا. ومعنى الكلام: أصنافًا مختلفة ومذاهب متفرقة، ثم قيل فى إعراب الآية: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [أى ومنا] قوم دون ذلك، فحذف الموصوف وأقام صفته مقامه كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أى إلا من له مقام معلوم، وكقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٤١]، أى فريق سماعون، وكقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلَمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] أى فريق يحرفون وكقوله على أظهر القولين: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ [البقرة: ٩٦] أى فريق يود أحدهم، وقال الشاعر:
فظلوا ومنهم دمعه سابق لهم وآخر يذرى دمعة العين بالمهل
أى ومنهم من دمعه. وقولهم: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] بيان لقولهم: ﴿مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] أى كنا ذوى طرائق- وهى المذاهب- وأحدها طريقة وهى المذهب، والقدد جمع قدة، كقطعة وقطع وزنًا ومعنى. وهى من القد وهو القطع وقيل: كنا فى اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة فى اختلافها، وعلى هذا فالمعنى كنا طرائق قددًا وليس بشيء، وأضعف منه قول من قال: إن طرائق منصوب على الظرف، أى كنا فى طرق مختلفة كقوله: "عسل الطريق الثعلب"، وهذا مما لا يحمل عليه أفصح الكلام.
وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددًا فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّاالْقَاسِطُونَ﴾ [الجن:٤٩] فالمسلمون الذين آمنوا بالله ورسوله منهم، والقاسطون الجائرون العادلون عن الحق، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادًا، يقال أقسط الرجل إذا عدل، فهو مقسط. ومنها: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩]، وقسط إذا جار فهو قاسط، ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، قد تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار. وهذه
[ ٤١٥ ]
الطبقات بإزاءِ طبقات بنى دم فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار. فالصحالون بإزاء والأبرار]، ومن دونهم بإزاءِ المقتصدين والقاسطون بإزاءِ الكفار. وهذا كما قسم سبحانه بنى إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة فى قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِى الأَرْضِ أُمَّمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، فهؤلاءِ الناجون منهم، من ذكر الظالمين، وهم خلف السوءِ الذين خلفوا بعدهم، ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولًا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أُخر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياءُ والمقربون. فليس فى الجن صنف من هؤلاءِ، بل حيلتهم الصلاح: وذهب شذاذ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياءَ محتجين على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنَّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وبقوله: ﴿وَإِذ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، وقد قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]، وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أُمرت الجن باتباعهم [صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم ونظير هذا] أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم؟ فهذا لا يقتضى أن يكون من هؤلاءِ رسل ومن هؤلاء.
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وليس فى كل سماءٍ قمر. وقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، فالإنذار أعم من الرسالة والأعم لا يستلزم الأخص، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مَنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]، فهؤلاءِ نذر وليسوا برسل. قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما الجن ففيهم النذر. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلا رِجَالًا نُوحِى إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَي﴾ [يوسف:١٠٩]، فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيًا ولا امرأة ولا بدويًا، وأما تسميته تعالى الجن رجالًا فى قوله:
﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرَجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن:٦]،
[ ٤١٦ ]
فلم [يطبق] عليهم الرجال، بل هى تسمية مقيدة بقوله: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ فهم رجال من الجن ولا يستلزم ذلك دخولهم
فى الرجال عند الإطلاق كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب ونحوه.
فصل
وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن فى النار وقد دلَّ على ذلك القرآن فى غير موضع كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٥] الآية، فملؤها منه به وبكفار ذريته. وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِى النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] . وقال تعالى فى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأَنّا مِنّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنّا الْقَاسِطُونَ﴾ إلى قوله: ﴿حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤-١٥]، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِن الجن والإنس﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى: ﴿فكبكبِوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُون وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ وجنوده إن لم يختص بالشياطين فهم داخلون فى عمومه.
وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع الأنبياءِ ووجوب اتباعهم لهم. فأما شريعتنا فأجمع المسلمون على أن محمدًا ﷺ بعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته، كما يجب على الإنس، وأما قبل نبينا ﷺ فقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِى أممٍ قَدْ خَلَت مِن قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ فِى النَّارِ﴾ يدل على الأمم الخالية من كفار الجن فى النار، وذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم بالرسالة.
وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول فى إثر كل آية: ﴿فَبِأَى آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فدلَّ ذلك على أن السورة خطاب للثقلين معًا، ولهذا قرأها رسول الله ﷺ على الجن قراءَة تبليغ وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن ردًا منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأَ عليهم: ﴿فَبأْى آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد.
ولما كان أبوهم هو أول من دعا إلى معصية الله، وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو الداعى إلى النار، وكان أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة يسحبها وينادى
[ ٤١٧ ]
"واثبوراه"، فأتباعه من أولاده وغيرهم خلفه ينادون "واثبوراهم" حتى قيل: إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه، ثم يصير إليهم.
فصل
وأما حكم مؤمنيهم فى الدار الآخرة، فجمهور السلف والخلف على أنهم فى الجنة. وترجم على ذلك البخارى فى صحيحه فقال: "باب ثواب الجن وعقابهم" لقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾ [الأنعام: ١٣٠] الآية. بخسًا نقصًا، قال مجاهد: ﴿وَجَعلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنّةِ نَسَبًا﴾ . قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأُمهاتهم بنات سروات الجن. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضِرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] ستحضر للحساب.
ثم ذكر حديث أبى سعيد: "إذا كنت فى غنمك أو باديتك فأَذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداءِ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة"، سمعته من رسول الله ﷺ، هذا ما ذكره فى الباب.
وقد ذهب جمهور الناس إلى أن مؤمنيهم فى الجنة وحكى عن أبى حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم من النار. واحتج لهذا بقوله تعالى حكاية عنهم:
﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِى اللهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] الآية، فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم.
وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم فى الجنة كما أن كافرهم فى النار، ثم اختلفوا فأطلق أكثر الناس دخول الجنة ولم يقيدوه. وقال سهل بن عبد الله: يكونون فى ربض الجنة يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم. فهذه مذاهب الناس فى أحكامهم فى الآخرة، وأما أحكامهم فى الدنيا فاختلف الناس: هل هم مكلفون بالأمر والنهى، أم هم مضطرون على أفعالهم؟ على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعرى فى كتاب "المقالات" له فقال: واختلف الناس فى الجن، هل هم مكلفون، أم مضطرون؟ فقال قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأْمورون منهيون وقد أُمروا ونهوا، وهم مختارون، وزعم زاعمون أنهم مضطرون.
قلت: الصواب الذى عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأْمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية، أدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر. فإضافة هذا
[ ٤١٨ ]
القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى بمعاد الأبدان ونحو ذلك، فما هو من أقوال سائر أهل الإسلام. وقال الله تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ﴾ [الأحقاف: ١٨] فأخبر أن منهم من حق عليه القول أى وجب عليه العذاب وأنه خاسر ولا يكون ذلك إلا فى أهل التكليف المستوجبين العقاب بأعمالهم.
ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأحقاف: ١٩] أى فى الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئًا من أعمالهم، وهذا ظاهر جدًا فى ثوابهم وعقابهم، وأن مسيئتهم كما يستحق العذاب بإساءَته فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه، ولكل درجات مما عملوا فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأْمورين بالشرائع، متعبدين بها فى الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم فى الآخرة فى الخير والشر، وقال الله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لهُمْ قرناء فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيَهِمْ ومَا خَلْفَهُمْ وحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ..﴾ الآية [فصلت:٢٥]، ومعنى الآية: إن الله قيض للمشركين- أى سبب لهم- قرناءَ من الشياطين يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب، وقيل عكس هذا، وأن ما بين أيديهم هو ترغيبهم فى الدنيا وحرصهم عليها، وما خلفهم هو [التكذيب بالآخرة وقال الحسن: ما بين أيديهم هو] حب ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل، وما خلفهم تكذيبهم بالبعث وما بعده.
وفى الآية قول رابع وهو أن التزيين كله راجع إلى أَعمالهم فزينوا لهم ما بين أيديهم: أعمالهم التى عملوها، وما خلفهم: الأعمال التى هم عازمون عليها ولما يعملوها بعد، وكأَن لفظ التزيين بهذا القول أليق. ومن جعل ما خلفهم هو الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار، أى زينوا لهم التكذيب بالآخرة ومع هذا فهو قول مستقيم ظاهر فإنهم زينوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها.
ولهذا كان عليه جمهور أهل التفسير حتى لم يذكر البغوى غيره، وحكاه عن الزجاج، فقال الزجاج: سببنا لهم قرناءَ نظراءَ من الشياطين حتى أضلوهم فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروا على الآخرة، وما خلفهم من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث.
[ ٤١٩ ]
والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهُم الْقَوْلُ فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٥]، أى وجب عليهم العذاب مع أُمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس، ففى هذا أبين دليل على تكليف الثقلين وتعلق الأمر والنهى بهم، وكذلك تعلق الثواب والعقاب بهم، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الجِّنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الإِنْسِ وَقَالَ أُوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِلا مَا شَاء اللهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وهذا صريح فى تكليفهم، فإن هذا القول [يقال] للجن فى القيامة، فيذكر الإنس استمتاع بعضهم ببعض فى الدنيا، وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم فى معصية الله، وعبادتهم لهم دون الله، ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم فإنهم كانوا يستوحونهم ويعوذون بهم ويذبحون لهم وبأَسمائهم ويوالونهم من دون الله كما هو شأْن أكثر المشركين من أَولياءِ الشيطان.
فهذا هو استمتاع بعضهم ببعض، ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة- وقد جمع العابدين والمعبودين-: ﴿أَهُؤَلاءِ إِيّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ؟ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ، بَلْ كَانُوا يَعْبُدُون الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون﴾ [سبأ: ٤٠ -٤١] فهؤلاء عباد الجن وأولياءُ الشياطين.
وأكثرهم يعلم ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده. وكثير منهم ملبوس عليه، فهو يعبد الشيطان ولا يشعر. وقد أشار زيد بن عمرو بن نفيل فى شعره إلى هذا الشرك بالجن فقال:
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم
وأنت إِلهى ربنا ورجاؤنا
ولهذا يقولون فى القيامة: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِى أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨] قال الله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ الله﴾ [الأنعام: ١٢٨] فهذا خطاب للصنفين، وهو صريح فى اشتراكهم فى التكليف، كما هو صريح فى اشتراكهم فى العذاب. وهو كثير فى القرآن.
ومما يدل على تكليفهم أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ
[ ٤٢٠ ]
آيَاتِى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فلما اعترفوا بأنهم كانوا كافرين، وشهدوا على أنفسهم بالكفر دل ذلك على تكليفهم وتوجه الخطاب إليهم.
وقال تعالى: ﴿وإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ فِى ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٢٩-٣٢]، فهذا يدل على تكليفهم من وجوه متعددة:
أحدها: أن الله ﷾ صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن ليؤمنوا به ويأتْمروا بأوامره وينتهوا عن نواهيه.
الثانى: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين والإنذار هو الإعلام بالخوف بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول.
الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن وعقلوه وفهموه وأنه يهدى إلى الحق، وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل عليه، وأن القرآن مصدق له وأنه هاد إلى صراط مستقيم.
وهذا يدل على تمكينهم من العلم الذى تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه والتكليف إنما يستلزم [العقل] والقدرة.
الرابع: إنهم قالوا لقومهم: ﴿يَا قَوْمنَا أَجِيبُوا دَاعِى اللهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف:٣١] وهذا صريح فى أنهم مكلفون مأْمورون بإجابة الرسول، وهى تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر.
الخامس: أنهم قالوا: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب وهو مخالفة الأمر.
السادس: أنهم قالوا: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ والذنب مخالفة الأمر.
السابع: أنهم قالوا: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعى الله لم يجره من العذاب الأليم. وهذا صريح فى تعلق الشريعة الإسلامية بهم.
الثامن: أنهم قالوا: ﴿وَمَن لا يُجِبْ دَاعِى اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأحقاف: ٣٢]، وهذا تهديد لمن تخلف عن إجابة داعى الله منهم. وقد استدل بها على أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى كما هم متعبدون بشريعة محمد، وهذا ممكن والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، الآية تدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد ﷺ، والآيات المتقدمة تدل على ذلك أيضًا.
وعلى هذا فيكون اختصاص النبى ﷺ بالبعثة إلى الثقلين إلى جميعهم لا إلى بعضهم
[ ٤٢١ ]
ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة، وأيضًا فقد قال تعالى عن نبيه سليمان: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ من يعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ، وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: ١٢]، وهذا محض التكليف.
وقد تقدم قوله حكاية عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤-١٥]، وقد صح أن رسول الله ﷺ قرأَ عليهم القرآن وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فجعل لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، وكل بعرة علف لدوابهم ونهانا عن الاستنجاءِ بهم.
ولو لم يكن فى هذا إلا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]- وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن- لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع الرسل. ومما يدل على أنهم مأْمورن منهيون بشريعة الإسلام ما تضمنته سورة الرحمن، فإنه ﷾ ذكر خلق النوعين فى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِن نَارٍ﴾ ثم خاطب النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاءِ الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بالآية، وترغيبهم فى وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديدهم بقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيهَا الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، وتخويفهم من عواقب ذنوبهم، وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يعرف المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ بنواصيهم والأقدام، ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم.
وهذا كله تصريح فى أنهم هم المكلفون المأْمورون المنهيون المثابون المعاقبون.
وفى الترمذى من حديث محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا فقال: "لقد قرأْتها على الجن ليلة الجن وكانوا أحسن مردودًا منكم: كنت كلما أتيت على آية: ﴿فَبِأَى آلاءَ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن] قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد". وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم بمؤنة الخطاب، وعلمهم أنهم مقصودون به.
وقوله فى هذه السورة: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمُ أَيُّهَا الثَّقَلان﴾ [الرحمن: ٣١] وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع، قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها ومجيء الآخرة والجزاءُ فيها، والله سبحانه لا يشغله شيء عن شيء. والفراغ فى اللغة على وجهين: فراغ من
[ ٤٢٢ ]
الشغل، وفراغ بمعنى القصد.
وهو فى هذا الموضع بالمعنى الثانى، وهو قصد لمجازاتهم بأعمالهم يوم الجزاءِ وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] فيها قولان: أحدهما إن استطعتم أن تنفذوا ما فى السموات والأرض علمًا- أى أن تعلموا ما فيها- فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أى إلا ببينة من الله، وعلى هذا فالنفوذ [هاهنا] نفوذ علم الثقلين فى السموات والأرض، والثانى: إن اسطعتم أن تخرجوا عن قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السموات والأرض وخروجكم عن محل حكم الله وسلطانه فافعلوا، ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم، فإنكم تحت سلطانى وفى محل ملكى وقدرتى أين كنتم. وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت فاهربوا فإنه مدرككم. هذه الأقوال على أن يكون الخطاب لهم بهذا القول فى الدنيا.
وفى الآية تقرير آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب فى الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربًا ولا منفذًا، كما قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّى أخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٢-٣٣]، قال مجاهد: فارّين غير معجزين، وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندّوا هربًا، فلا يأْتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذى كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِن اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، وهذا القول أظهر، والله أعلم.
فإذا بده الخلائق ولوا مدبرين يقال لهم: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] أى إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم فافعلوا، وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل على هذا القول، فإن قبلها: ﴿سَنَفْرُغُ﴾ [الرحمن: ٣١] الآية وهذا فى الآخرة، وبعدها: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، وهذا فى الآخرة.
وأيضًا فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، فإنه أَتى فيه بصيغة العموم وهى قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن: ٣٣] فلا بد أن
[ ٤٢٣ ]
يشترك الكل فى سماع هذا الخطاب ومضمونه.
وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله فى صعيد واحد يسمعهم الداعى وينفذهم البصر. وقال تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] ولم يقل إن استطعتما، لإرادة الجماعة كما فى آية أُخرى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وقال تعالى: ﴿يُرْسِلُ عَلَيْكُمَا﴾ [الرحمن: ٣٥]، ولم يقل يرسل عليكم لإرادة الصنفين أى لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معًا.
وهذا وإن كان مرادًا بقوله تعالى: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الرحمن: ٣٣] فخطاب الجماعة فى ذلك بلفظ الجمع أحسن، أى من استطاع منكم.
وحسن الخطاب بالتثنية فى قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمَا﴾ [الرحمن: ٣٥] أَمر آخر. وهو موافقة رؤوس الآى، فاتصلت التثنية بالتثنية. وفيه التسوية بين الصنفين فى العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما والله أعلم.
قال ابن عباس: الشواط اللهب الذى لا دخان فيه والنحاس الدخان الذى لا لهب فيه. وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌ﴾ [الرحمن: ٣٩] فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سويًا فى التكليف.
واختلف فى هذا السؤال المنفى، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف لا يسأَلون حينئذ ويسأَلون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من [مقابلهم] ذلك. وقيل: المنفى سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة، أى قد علم الله ذنوبهم فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.
فصل
فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياءِ ومطالبتهم بها وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب، علم أن محسنهم فى الجنة كما أن مسيئهم فى النار، وقد دل على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنهم: ﴿وَأَنَا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ الآية﴾ [الجن: ١٣]، وبهذه الحجة احتج البخارى.
ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفى هو نقصان الثواب، والرهق الزيادة فى العقوبة على ما عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزداد فى سيئاته. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِن الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أى لا يخاف زيادة سيئاته ولا نقصان حسناته. وأيضًا فقد قال تعالى فى سورة الرحمن: ﴿وَلِمَن خَافَ مَقَام رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَى
[ ٤٢٤ ]
آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وذكر ما فى الجنتين إلى قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَان﴾ [الرحمن: ٥٦]، وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:
أحدها: أن "منْ" صيغ العموم، فتتناول كل خائف.
الثانى: أنه رتب الجزاءَ المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به. وقد اختلف فى إضافة المقام إلى الرب هل هى من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين: أحدهما: أن المعنى ولمن خاف مقامه بين يدى ربه، فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والثانى: أن المعنى ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه، فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله. وكذلك القولان فى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوِى﴾ [النازعات: ٤٠]، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤]، فهذه ثلاثة مواضع.
وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى خاف مقامه بين يدى ربه لوجوه، أحدها: أن طريقة القرآن فى التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به لا بقيامه عليهم كقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُون﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمنْ خَشِى رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبّهُم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾
[الملك: ١٢]، ففى هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته. وقد يذكر الخوف متعلقًا بعذابه كقوله تعالى: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وأما خوف مقامه عليهم فهو وإن كان كذلك فليس طريقة القرآن.
الثانى: أن هذا نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٥١]، فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر وبالبعث بعد الموت. وهذا هو الذى يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذى جاءَت به الرسل.
وأما مقام الله على عبده فى الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر وأكثر
[ ٤٢٥ ]
الكفار يخافون جزاءَ الله لهم فى الدنيا لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه والمحسن بإحسانه، وأما مقام العبد بين يدى ربه فى الآخرة فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل.
فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه فى الآخرة بالجزاءِ فقد استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟ قيل: التخويف بمقام العبد بين يدى ربه أبلغ من التخويف بمقام الرب على العبد، ولهذا خوفنا تعالى فى قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومَ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ [المطففين: ٦]، ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله وذلك فى يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت. وأيضًا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا هذا من المأْلوف إطلاقه على الرب.
وأيضًا فإن المقام فى القرآن والسنة إنما يطلق على المكان كقوله: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمْ ترَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوع ٍوَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٥- ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ ندِيًا﴾ [مريم: ٧٣]، والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَتَانِ﴾ يتناول الصنفين من وجوه تقدم منها وجهان:
الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: ﴿فَبِأَى آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن] .
الرابع: أنه ذكر فى وصف نسائهم أنهن: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] وهذا والله أعلم معناه أنه لم يطمث نساءَ الإنس إنس قبلهم ولا نساءَ الجن جن قبلهم.
ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسنَ عَمَلًا أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الكهف: ٣٠- ٣١]، وأمثال هذه من العمومات.
وقد ثبت أن منهم المؤمنين فيدخلون فى العموم، كما أن كافرهم يدخل فى الكافرين المستحقين للوعيد ودخول مؤمنهم فى آيات الوعد أولى من دخول كافرهم فى آيات الوعيد، فإن الوعد فضله والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهى تغلب غضبه.
وأيضًا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أُدخل الجنة، وأيضًا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، وكل من لم يدخل النار من المكلفين فالجنة مثواه.
وأيضًا فقد ثبت أنهم إذا أجابوا داعى الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر له دخل الجنة ولا بد، وليس
[ ٤٢٦ ]
فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار، وأيضًا فإنه قد ثبت [أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه وأن مطيعهم لله] ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطَعَ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقد أخبر سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبعُوا سبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحِيمَ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِى وَعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٧- ٨]، فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم، فقد وعده الجنة. وقد ثبت فى حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار كما تقدم، فتعين دخولهم الجنة، والله أعلم.
وإذا ثبت تكليفهم بانقسامهم إلى المسلمين والكفار والصالحين ودون ذلك، فهم فى الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول. وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها.
فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار. وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة، ودرجة المقربين، والله أعلم.
فهذا ما وصل إليه الإحصاءُ من طبقات المكلفين فى الدار الآخرة، وهى ثمان عشرة طبقة، وكل طبقة منها لها أَعلى وأدنى ووسط. وهم درجات عند الله، والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره ويقرن بينهما فى الدرجة.
قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ [الصافات: ٢٢]، قال الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب: "أزواجهم" أشباههم ونظراؤهم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: بقرن الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن الرجل السوء مع الرجل السوء فى النار. وقال الحسن وقتادة: يلحق كل بشيعته، اليهودى باليهودى، والنصرانى بالنصرانى. وقال الربيع: يحشر الرجل مع صاحب عمله.
وفى الآية ثلاثة أقوال أُخر، أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها. الثانى: تزويجها اقترانها بأعمالها. الثالث: أنه تزويج المؤمنين الحور العين، وتزويج الكفار بالشياطين.
والقول الأول أظهر الأقوال، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٤٢٧ ]