وقوله: "الدرجة الثانية: الرجوع إِلى السبق بمطالعة الفضل وهو يورث الخلاص من رؤية الأَعمال، ويقطع شهود الأَحوال ويمحص من أَدناس مطالعة المقامات"، فهذه الدرجة أَرفع من الأولى وأَعلى، والأُولى كالوسيلة إِليها، لأَن فى الدرجة الأولى يتخلى بفقره عن أَن يتأَله غير مولاه الحق، وأَن يضيع أَنفاسه فى غير مرضاته، وأَن يفرق همومه فى غير محابه، وأَن يؤثر عليه فى حال من الأَحوال. فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله وخلوص [الوداد والمحبة]، فيصبح ويمسى ولا هم له غير ربه، قد قطع همه بربه عنه جميع الهموم وعطلت إرادته جميع الإِرادات ونسخت محبته له من قلبه كل محبة لسواه، كما قيل:
لقدكان يسبى القلب فى كل ليلة ثمانون بل تسعون نفسًا وأَرجح
يهيم بهذا ثم يأْلف غيره ويسلوهم من فوره حين يصبح
وقد كان قلبى ضائعًا قبل حبكم فكان بحب الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبى هواك أَجابه فلست أَراه عن خبائك يبرح
حرمت الأَمانى منك إِن كنت كاذبًا وإِن كنت فى الدنيا بغيرك أَفرح
وإِن كان شيء فى الوجود سواكم يقرَّ به القلب الجريح ويفرح
إِذا لعبت أَيدى الهوى بمحبكم فليس له عن بابكم متزحزح
فإِن أَدركته غربة عن دياركم فحبكم بين الحشا ليس يبرح
[ ١٧ ]
وكم مشتر فى الخلق قد سام قلبه فلم يره إِلا لحبك يصلح
هوى غيركم نار تلظى ومحبس وحبكم الفردوس أَو هو أَفسح
فيا ضيم قلب قد تعلق غيركم ويا رحمة مما يجول ويكدح
والله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين فى جوفه، فبقدر ما يدخل القلب من هم وإِرادة وحب يخرج منه هم وإِرادة وحب يقابله، فهو إِناءٌ واحد والأَشربة متعددة، فأَى شراب ملأَه لم يبق فيه موضع لغيره، وإِنما يمتليء الإناءُ بأَعلى الأَشربة إِذا صادفه خاليًا، فأَما إِذا صادفه ممتلئًا من غيره لم يساكنه حتى يخرج ما فيه ثم يسكن موضعه، كما قال بعضهم:
أَتانى هواها قبل أَن أَعرف الهوى فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
ففقر صاحب هذه الدرجة تفريغه إِنائه من كل شراب غير شراب المحبة والمعرفة، لأَن كل شراب فمسكر ولا بد، و"ما أَسكر كثيره فقليله حرام"، وأَين سكر الهوى والدنيا من سكر الخمر، وكيف يوضع شراب التسليم-الذى هو أَعلى أَشربة المحبين-فى إِناءٍ ملآن بخمر الدنيا والهوى ولا يفيق من سكره ولا يستفيق، ولو فارق هذا السكر القلب لطار بأَجنحة الشوق إِلى الله والدار الآخرة، ولكن رضى المسكين بالدون، وباع حظه من قرب الله ومعرفته وكرامته بأَخس الثمن صفقة خاسر مغبون، فسيعلم أى حظ أَضاع إِذا فاز المحبون، وخسر المبطلون.
[ ١٨ ]