الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل/ ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف/ ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا في ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾ [يس/ ٤٧].
فهذه أربعة مواضع في القرآن بيّن سبحانه فيها أنَّ الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل.
وقد افترق النَّاسُ في الكلام على هذه الآيات أربعَ (^١) فرق:
الفرقة الأولى: جعلت هذه الحجَّة حجة صحيحة، وأنَّ للمحتجِّ بها الحجَّةَ على اللَّه. ثمَّ افترق هؤلاء فرقتين:
فرقةً كذَّبتْ بالأمرِ والوعد والوعيد، وزعمت أنَّ الأمرَ والنهي والوعد والوعيد بعد هذا يكون ظلمًا، واللَّه لا يظلم من خلقه أحدًا.
وفرقةً صدَّقت بالأمر والنَّهي والوعد والوعيد، وقالت: ليس ذلك بظلم، واللَّه يتصرَّف في ملكه كما (^٢) يشاء، ويعذِّب (^٣) العبدَ على ما لا صنع له فيه، بل يعذِّبه على فعله هو سبحانه لا على فعل عبده، إذ
_________________
(١) في الأصل و"ف": "أربعة"، ولعله سهو. وذلك أنّ المؤلف كتب في الأصل أوّلًا: "فرقًا أربعة"، ثم ضرب على "فرقًا"، وترك العدد على حاله، وكتب بعده: "فرق". والمثبت من "ك، ط".
(٢) "ك، ط": "كيف".
(٣) "ف": "تعذيب"، تحريف.
[ ١ / ١٨٨ ]
العبد لا فعلَ له، والملكُ ملكُه، ولا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون. فإنَّ هؤلاء الكفَّار إنَّما قالوا هذه المقالة التي حكاها اللَّه عنهم استهزاءً منهم، ولو قالوها اعتقادًا للقضاء والقدر وإسنادًا لجميع الكائنات إلى مشيئته وقدرته لم يُنكَر ذلك (^١) عليهم! ومضمون قول هذه الفرقة أنَّ هذه حجة صحيحة إذا قالوها على وجه الاعتقاد لا على جهة الاستهزاء، فيكون للمشركين على اللَّه الحجة. وكفى بهذا القول فسادًا وبطلانًا.
الفرقة الثانية: جعلت هذه الآيات حجَّةً لها في إبطال القضاء والقدر والمشيئة العامة، إذ لو صحَّت المشيئة العامة، وكان اللَّه ﷿ قد شاء منهم الشرك والكفر وعبادة الأوثان، لكانوا قد قالوا الحقَّ، وكان اللَّه ﷿ يصدِّقهم عليه، ولم ينكر عليهم. فحيث وصفهم بالخرص الذي هو الكذب، ونفى عنهم العلم، دلَّ على أنَّ هذا الذي قالوه ليس بصحيح، وأنَّهم كاذبون فيه. إذ لو كان علمًا لكانوا صادقين في الإخبار به، ولم يقل لهم: ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/ ١٤٨].
وجعلت هذه الفرقة هذه الآيات حجَّةً لها على التكذيب بالقضاءِ والقدر، وزعمت بها أنَّه (^٢) يكون في ملكه ما لا يشاء، ويشاءُ ما لا يكون، وأنَّه لا قدرة له على أفعال عباده من الإنس والجن والملائكة، بل (^٣) ولا على أفعال الحيوانات، وأنَّه لا يقدر أن يُضلَّ أحدًا ولا يهديه، ولا يوفقه (^٤) أكثر مما فعل به، ولا يعصمه من الذنوب والكفر،
_________________
(١) "ذلك" ساقط من "ط".
(٢) "ك، ط": "أن".
(٣) "بل" لم يرد في "ك، ط".
(٤) "ف": "يؤتيه". تحريف.
[ ١ / ١٨٩ ]
ولا يُلهِمه رُشْدَه، ولا يجعل في قلبه الإيمان، ولا هو الذي جعل المصلي مصلّيًا، والبر برًّا، والفاجر فاجرًا، والمؤمن مؤمنًا، والكافر كافرًا، بل هم الذين جعلوا أنفسهم كذلك.
فهذه الفرقة شاركت الفرقة التي قبلها في إلقاء الحرب والعداوة بين الشرع والقدر: فالأولى تحيَّزت إلى القدر، وحاربت الشرع. والثانية تحيَّزت إلى الشرع، وكذَّبت بالقدر.
والطائفتان ضالَّتان، وإحداهما أضلّ من الأُخرى.
الفرقة (^١) الثالثة: آمنت بالقضاء والقدر، وأقرَّت بالأمر والنَّهي، ونزَّلوا كلَّ واحدٍ منزلته. فالقضاءُ والقدرُ يؤمَن به ولا يُحْتَجّ به، والأمر والنهي يُمتثل ويُطاع. فالإيمان بالقضاء والقدر عندهم من تمام التوحيد وشهادةِ أن لا إله إلا اللَّه، والقيامُ بالأمر والنهي موجَبُ شهادةِ أن محمدًا رسول اللَّه. وقالوا: من لم يُقِرَّ بالقضاء والقدر ويَقُمْ (^٢) بالأمر والنهي فقد كذَّب بالشهادتين، وإن نطق بهما بلسانه.
ثمَّ افترقوا في وجه هذه الآيات فرقَتين:
فرقة قالت: إنَّما أنكر عليهم استدلالهم بالمشيئة العامة والقضاء والقدر على رضاه ومحبته لذلك. فجعلوا مشيئته له وتقديره له دليلًا على رضاه به ومحبته له، إذ لو كرهه وأبغضه لحال بينهم وبينه (^٣)، فإنَّ الحكيم إذا كان قادرًا على دفع ما يكرهه ويبغضه دفَعه ومنَع من وقوعه.
_________________
(١) "ك، ط": "والفرقة".
(٢) في الأصل: "ويقوم"، وكذا في "ف، ن"، والصواب ما أثبتنا من "ك، ط".
(٣) "ك، ط": "بينه وبينهم".
[ ١ / ١٩٠ ]
وإذا (^١) لم يمنع من وقوعه لزم إمَّا عدم قدرته وإمَّا عدم حكمته، وكلاهما ممتنع في حقِّ اللَّه، فعُلِم محبتُه لما نحن عليه من عبادة غيره ومن الشرك به!
وقد وافق هؤلاء من قال: إنَّ اللَّه يحب الكفر والفسوق والعصيان ويرضى بها، ولكن خالفهم في أنَّه نهى عنها وأمر بأضدادها ويعاقب عليها، فوافقهم في نصف قولهم، وخالفهم في الشطر الآخر.
وهذه الآيات من أكبر الحجج على بطلان قول الطائفتين، وأنَّ مشيئة اللَّه تعالى العامة وقضاءَه وقدره لا تستلزم محبته ورضاه لكل ما شاءَه وقدَّره. وهؤلاء المشركون لما استدلُّوا بمشيئته على محبته ورضاه كذَّبهم، وأنكر عليهم، وأخبر أنَّه لا علم لهم بذلك وأنَّهم خارصون مفترون، فإنَّ محبة اللَّه تعالى للشيء ورضاه به إنَّما يُعلَم بأمره به على لسان رسوله لا بمجرَّد خلقِه له (^٢). فإنَّه خلق إبليسَ وجنودَه، وهم أعداؤه، وهو تعالى يبغضهم ويلعنهم، وهم خَلْقُه. فهكذا في الأفعال خلَق خيرَها وشرَّها، وهو يُحبُّ خيرَها ويأمر به ويثيب عليه، ويبغض شرَّها وينهى عنه ويعاقب عليه، وكلاهما خلقُه. وللَّه تعالى الحكمة البالغة التامة في خلقه ما يبغضه ويكرهه من الذوات والصفات والأفعال، كلٌّ صادرٌ عن حكمته وعلمه، كما هو صادر عن قدرته ومشيئته.
وقالت الفرقة الثانية: إنَّما أنكر عليهم معارضةَ الشرع بالقدر، ودفعَ الأمر بالمشيئة. فلما قامت عليهم حجةُ اللَّه، ولزمهم أمرُه ونهيُه دفعوه
_________________
(١) "ك": "وإذ".
(٢) "له" ساقط من "ك، ط".
[ ١ / ١٩١ ]