فإن أصررتَ (^١) على اتهام القدر، وقلتَ: فالسببُ الذي أُصِبتُ به (^٢)، وأُتيتُ منه، ودُهيتُ منه، قد سبقَ به القدرُ والحكمُ، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بُد منه على الرغم منِّي. وكيف لي أن أنفكَّ منه، وقد أُودع الكتابَ الأوَّل قبل بدءِ الخليقة، والكتابَ الثاني قبل خروجي إلى هذا العالم، وأنا في ظلمات الأحشاءِ، حين أُمر الملَكُ بكَتْب الرزق والأجل والسعادة والشقاوة؛ فلو جريتُ إلى سعادتي ما جريتُ حتَّى بقيَ بيني وبينها شِبْرٌ لغلَب عليَّ الكتابُ، فأدركتني الشقاوة. فما حيلةُ من قلبُه بيدِ غيرِه، يقفبه كيف يشاءُ، ويصرّفه كيف أراد؛ إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه. فهو (^٣) الذي يحول بين المرءِ وقلبه، وهو الذي يثبِّت قلبَ العبد إذا شاءَ، ويُزلزله إذا شاء، فالقلب مربوب مقهور تحت سلطانه لا يتحرك إلا بإذنه ومشيئته.
قال أعلمُ الخلق بربِّه صلوات اللَّه وسلامه عليه: "ما من قلب إلا وهو بين إصبَعين من أصابع الرحمن، إن شاءَ أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه"، ثمَ قال: "اللَّهم مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلوبَنا على دينك" (^٤) وكانت (^٥) أكثر يمينه: "لا، ومقلِّبِ القلوب" (^٦).
_________________
(١) سيأتي جواب هذا الشرط، والرد على الاحتجاج بالقدر في ص (١٧٧).
(٢) "ط": "منه".
(٣) هذه قراءة "ن". وفي "ف" وغيرها: "وهو".
(٤) تقدم تخريجه في ص (١٧).
(٥) "ك، ط": "كان".
(٦) أخرجه البخاري في كتاب القدر (٦٦١٧) من حديث عبد اللَّه بن عمر ﵄.
[ ١ / ١٣٧ ]
وقال بعض السلف: "مثل القلب مثل ريشة في أرض فلاة تقلِّبها الرياح ظهرًا لبطن" (^١).
فما حيلةُ قلب هو بيد مقلبه ومصرفه، وهل له مشيئة بدون مشيئته؟ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير/ ٢٩].
وروى (^٢) عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد قال: تلا رسول اللَّه -ﷺ- قوله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد/ ٢٤] وغلامٌ جالسٌ عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال: بلى، واللَّه يا رسول اللَّه، إنَّ عليها لأقفالها، ولا يفتحُها إلا الذي أقفلها. فلمَّا وُلِّيَ عمرُ بن الخطَّاب طلَبه ليستعمله وقال: "لم يقل ذلك إلا من عقل" (^٣).
وقال طاووس: "أدركتُ ثلاثمائة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: كل شيء بقدر" (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٤٩٩) ومسدّد في مسنده (١/ ٦٠ مصباح الزجاجة). وذكره أحمد في المسند (١٩٧٥٧) وغيرهم عن أبي موسى موقوفًا. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف هو الصواب. وقد روى معناه عن أبي عبيدة ﵁ أبو نعيم في الحلية (١/ ١٠٢) وغيره، وفيه انقطاع. (ز).
(٢) "ط": "وروي عن".
(٣) أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في أطراف الغرائب والأفراد (٣/ ٩٨) (٢١٤٦)، والبيهقي في القضاء والقدر (٣٨٦). قال الدارقطني: "غريب من حديثه، عن سهل (يعني أبا حازم)، تفرد به ذؤيب بن عمامة، عن عبد العزيز، عن أبيه". (ز).
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥٣٥، ٦٦١). وسيأتي بلفظ آخر في ص (١٤٦).
[ ١ / ١٣٨ ]
وقال أيوب السَّخْتِياني: "أدركتُ الناسَ، وما كلامهم إلا: إن قُضِي، إن قُدِّرَ" (^١).
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] قال: "كتب اللَّه أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة". قال: "والملائكة تستنسخ ما يعمل بنو آدم يومًا بيوم، فذلك قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ [الجاثية/ ٢٩] " (^٢).
وفي الآية قول آخر: إن استنساخ الملائكة هو كتابتهم لما يعمل بنو آدم بعد أن يعملوه (^٣).
وقد يُقال وهو الأظهر: إنَّ الآية تعمُ الأمرَين، فيأمر اللَّه ملائكته فتنسخ (^٤) من أم الكتاب أعمالَ بني آدم، ثمَ يكتبونها عليهم إذا عملوها، فلا تزيد على ما نسخوه من أم الكتاب ذرةً ولا تنقصها (^٥).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر/ ٤٩]: "خلَق اللَّه الخلقَ كلَّهم بقدر، وخلق الخير والشر؛ فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة" (^٦).
وفي صحيح مسلم عن أبي الأسود الدِّيلي (^٧) قال: قال لي عمران بن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٢١٣)، وسنده صحيح. (ز).
(٢) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥٦).
(٣) المصدر السابق، زاد المسير (٧/ ٣٦٥).
(٤) "ك، ط": "فتستنسخ".
(٥) وانظر: شفاء العليل (٥٤).
(٦) تفسير الطبري (٢٧/ ١١١).
(٧) "ط": "الدؤلي". وهكذا يقول البصريون. وكان ابن إسحاق وأبو عبيد وابن =
[ ١ / ١٣٩ ]
حصين: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون، أشيء قُضي عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيهم وثبتت به الحجة؟ قال قلتُ: لا، بل فيما قضي عليهم ومضى. قال: أفيكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعتُ فزعًا شديدًا وقلتُ: إنه ليس شيء إلا خلقه وملكه، ولا يُسأل عمَّا يفعل، وهم يُسْألَون. فقال: سددك اللَّه، إنما سألتك لأحزر (^١) عقلك. إنَّ رجلًا من مُزينة -أو جهينة- أتى النبيّ -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه، أرأيت ما يعمل النَّاس ويتكادحون فيه، أشيءٌ قضي عليهم ومضى، أو فيما يستقبلون ممَّا أتاهم به نبيُّهم؟ قال: "فيما قضي عليهم ومضى". فقال الرجل: ففيم العمل؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من كان خلقه اللَّه لإحدى المنزلتين فسيستعمله لها. وتصديقُ ذلك في كتاب اللَّه ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس/ ٧، ٨] (^٢).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة/ ٣٠]. قال: علِم من إبليس المعصية وخلقه لها (^٣).
وقال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف/ ٣٠]،
_________________
(١) = حبيب يقولون: "الديلي"، كما جاء في الأصل وغيره. انظر: تقييد المهمل (١/ ٢٤٩ - ٢٥١) وفرحة الأديب (٣٥).
(٢) أي لأمتحن عقلك، وأصل الحزر: التقدير والخرص. وفي "ط": "لأحرز"، تصحيف.
(٣) أخرجه مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٠).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٦٥) (٣٦) والطبري في تفسيره (١/ ٤٧٧)، وسنده صحيح (ز).
[ ١ / ١٤٠ ]
قال ابن عباس: إنَّ اللَّه سبحانه بدأ خلقَ ابن آدم (^١) مؤمنًا وكافرًا، ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن/ ٢]، ثمَّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقَهم: مؤمنٌ وكافرٌ (^٢).
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال/ ٢٤] قال: يحول بين المؤمن والكفر ومعاصي اللَّه، ويحول بين الكافر وبين الإيمان (^٣) وطاعة اللَّه (^٤).
وقال ابن عباس ومالك وجماعة مني السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود/ ١١٨، ١١٩] قالوا: خلق أهلَ الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف (^٥).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة/ ٢٥٣]، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس/ ٩٩]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام/ ١١٢].
وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [الأعراف/ ٣٧]، أي نصيبهم ممَّا كتب لهم (^٦).
_________________
(١) "ط": "خلق آدم"، وصحح في القطرية.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (١٢/ ٣٨٢). وفيه: "مؤمنًا وكافرًا". وسنده حسن. (ز).
(٣) "بين" لم يرد في "ك، ط".
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٦٨).
(٥) انظر تفسير الطبري (١٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦).
(٦) تفسير الطبري (١٢/ ٤١٣).
[ ١ / ١٤١ ]
وقال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾ [الشعراء/ ٢٠٠]، قال الحسن وغيره: الشرك والتكذيب (^١).
وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)﴾ [المطففين/ ٧]، قال محمد بن كعب القُرَظي: رقم اللَّه ﷿ كتاب الفجار في أسفل الأرض، فهم عاملون بما قد رُقِمَ في ذلك الكتاب. ورقم كتابَ الأبرار، فجعله في عليّين، فهم يؤتى بهم حتى يعملوا ما قد رُقِمَ عليهم في ذلك الكتاب (^٢).
وقال ابن عباس: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد/ ١]: بما جرى من القلم في اللوح المحفوظ (^٣).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس/ ٩] قال: "عن الحق" (^٤). وفي قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الإسراء/ ٤٦] قال: "كالجَعْبة فيها السهام" (^٥).
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية/ ٢٣]، قال: "أضلَّه في سابق علمه" (^٦). وقال في قوله حكاية عن عدوه إبليس
_________________
(١) تفسير الطبري (١٩/ ١١٥).
(٢) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٥٣٤)، وسنده حسن (ز).
(٣) أخرجه البيهقي في القضاء والقدر (٤٩١) بسند صحيح، ولفظه: "أوَّل ما خلق اللَّه القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن، فكتب فيما كتبَ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (ز).
(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ١٥٢).
(٥) تفسير الطبري (٢٤/ ٩١).
(٦) تفسير الطبري (٢٥/ ١٥١).
[ ١ / ١٤٢ ]
﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الأعراف/ ١٦] قال: "أضللتني" (^١).
وقال في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾ [الصافات/ ١٦٢، ١٦٣] قال: "من قضيتُ له أنَّه صالي الجحيم" (^٢).
وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد اللَّه أن لا يعصى لم يخلق إبليس، وقد فصَّل لكم وبين لكم: ما أنتم عليه بفاتنين إلا من قدِّر له (^٣) أن يصلى الجحيم (^٤).
وقال وُهَيب بن خالد: حدثنا خالد قال: قلتُ للحسن: ألهذه خلق آدم -يعني السماء- أم للأرض؟ فقال: "لا بل للأرض". قال: قلتُ: أرأيتَ لو اعتصمَ من الخطيئة فلم يعملها، أكان تُرِكَ في الجنة؟ قال: "سبحان اللَّه كان (^٥) له بد من أن يعملها؟ " (^٦).
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَ﴾ [الأنبياء/ ٧٣]، وقال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص/ ٤١]، وقال: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان/ ٧٤]، أي أئمة يُهْتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضالين يَدعُون إلى النار.
_________________
(١) تفسير الطبري (١٢/ ٣٣٢).
(٢) تفسير الطبري (٢٣/ ١٠٩).
(٣) "له" ساقط من "ط".
(٤) أخرجه الآجري في الشريعة (٢٣٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٧٣) (ز).
(٥) "ن، ط": "أكان".
(٦) أخرجه اللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٠٦) (ز).
[ ١ / ١٤٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام/ ٢٨].
وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام/ ١١٠].
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١].
وقال زيد بن أسلم: "واللَّه ما قالت القدرية كما قال اللَّه ﷿، ولا كما قال رسوله، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس. قال اللَّه ﷿: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان/ ٣٠، التكوير/ ٢٩]، وقالت الملائكة: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة/ ٣٢]، وقال شعيب: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف/ ٨٩]، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف/ ٤٣]، وقال أهل النار: ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون/ ١٠٦]، وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر/ ٣٩] " (^١).
وقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء/ ١٣] قال: "مكتوب في عنقه شقي أو سعيد" (^٢).
وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة/ ٤١] "يقول: ومن يرد اللَّه ضلالته لم تغنِ عنه شيئًا" (^٣).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي (١٠١٢) (ز).
(٢) نحوه في تفسير الطبري (١٥/ ٥١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٣٣) (٦٣٧٠، ٦٣٧١) وسنده حسن (ز).
[ ١ / ١٤٤ ]
وذكر الطبري وغيره من حديث سويد بن سعيد (^١) عن سوَّار بن مصعب عن أبي حمزة عن مِقسَم عن ابن عباس: صعد النبي -ﷺ- المنبر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثمَّ بسط يده اليمنى فقال: "بسم اللَّه الرحمن الرحيم، كتاب من اللَّه الرحمن الرحيم لأهل الجنَّة بأسمائهم، وأسماء آبائهم وقبائلهم وعشائرهم، مجمَلٌ (^٢) أوَّلُهم على آخرهم، لا ينقَص منهم ولا يُزاد فيهم، فرغ ربكم. وقد يُسلك بأهل السعادة طريق الشقاء حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل (^٣) هم هم، فيردّهم ما سبق لهم من اللَّه من السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها قبل موته بفَواق ناقة. وقد يُسلك بأهل الشقاء طريق السعادة حتى يقال: كأنهم هم، بل هم هم، ما أشبههم بهم، بل هم هم، فيردّهم ما سبق لهم من اللَّه، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ولو قبل موته بفَواق ناقة. فصاحب الجنَّة مختوم له بعمل أهل الجنَّة وإنْ عمِل عملَ أهل النار، وصاحب النار مختوم له بعمل أهل النار وإنْ عمِل بعمل أهل الجنَّة". ثمَّ قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الأعمال بخواتيمها" (^٤).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
_________________
(١) "ط": "سعد" خطأ.
(٢) "ف": "فحمل" بالحاء، وأكد ناسخها بوضع حاء صغيرة تحتها، وهو تصحيف. وفي "ك، ط": "فجمل"، وهي قراءة محتملة. وستأتي الكلمة مرة أخرى في ص (١٦٧). جَمَلَ الشيءَ: جمعه عن تفرق. وفي رواية: "أُجمِل على آخرهم" أي أحصوا وجُمعوا. انظر: النهاية (١/ ٢٩٨).
(٣) سقطت "بل" من "ط". وفي القطرية: "بلى"!
(٤) أخرجه اللالكائي (١٠١٧). من حديث ابن عباس ﵄، وسنده ضعيف جدًّا (ز).
[ ١ / ١٤٥ ]
كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة/ ٦]، وفي قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام/ ٣٥]، وقوله (^١): ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام/ ١٢٥]، وفي قوله (^٢): ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام/ ١١١]، وقوله (^٣): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (^٤) [يس/ ٨]، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [الكهف/ ٢٨] ونحو هذا من القرآن: "وإنَّ رسول اللَّه -ﷺ- كان يحرص أن يؤمن جميعُ النَّاس ويتابعوه على الهدى، فأخبره اللَّه ﷿ أنه لا يؤمن إلا من سبق له من اللَّه السعادة في الذكر الأوَّل. ثمَّ قال لنبيه -ﷺ-: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء/ ٣]، ويقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾ [الشعراء/ ٤]، ثمَّ قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر/ ٢]. ويقول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران/ ١٢٨] (^٥).
وفي صحيح مسلم عن طاوس: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- يقولون: كلُّ شيءٍ بقدر. وسمعت عبد اللَّه بن عمر يقول: قال رسول
_________________
(١) "ك، ط": "وفي قوله".
(٢) "ط": "وفي قوله تعالى".
(٣) "ط": "وفي قوله".
(٤) في الأصل وغيره: "وجعلنا"، وهو سهو.
(٥) انظر: تفسير الطبري (١/ ٢٥٢)، والأسماء والصفات (١٠٤) للبيهقي، وليس فيها آية فاطر وآية آل عمران.
[ ١ / ١٤٦ ]
اللَّه -ﷺ-: "كل شيء بقدر، حتَّى العَجْز والكَيْس" (^١).
وفي صحيح مسلم أيضًا (^٢) عن عبد اللَّه بن عمرو (^٣) قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "كتب اللَّه مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء" (^٤).
وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "المؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، فاحرصْ على ما ينفعك واستعنْ باللَّه ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أنِّي فعلتُ كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر اللَّهُ وما شاءَ (^٥) فعل، فإنَّ "لو" تفتح عمل الشيطان" (^٦).
وفي صحيحه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنَّ النذْرَ لا يُقَدِّرُ لابن آدمَ شيئًا لم يكن اللَّه قدرَه، ولكنِ النذرُ يُوافِقُ القدَر فيُخرِجُ ذلِكَ من البَخيلِ مَا لَمْ يكن يريد أن يُخرجَه" (^٧).
وفي حديث جبريل وسؤاله للنبي (^٨) -ﷺ- عن الإيمان قال: "الإيمان أن تؤمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره" (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب القدر (٢٦٥٥).
(٢) سقط "أيضًا" من "ك، ط".
(٣) "ك، ط": "عمر"، خطأ.
(٤) كتاب القدر (٢٦٥٣).
(٥) "ط": "ما شاء اللَّه".
(٦) كتاب القدر (٢٦٦٤).
(٧) كتاب النذر (١٦٤٠)، وانظر: صحيح البخاري (٦٦٩٤).
(٨) "ك، ط": "النبي -ﷺ-".
(٩) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (٨) من حديث عمر ﵁.
[ ١ / ١٤٧ ]
وفي الصحيحين حديث ابن مسعود في التخليق، وفيه: "فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنَّة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتابُ، فيعملُ بعمل أهل النَّارِ، فيدخل النَّار. وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النارِ حتَّى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتابُ، فيعمل بعمل أهل الجنَّة، فيدخلها" (^١).
ذكر (^٢) الطبري عن الحسن بن علي الطوسي، حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي البصري محدث البصرة قال: رأيتُ النبي -ﷺ- في النوم فقلتُ: يا رسول اللَّه، حديث عبد اللَّه بن مسعود حدَّثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: "إي واللَّه الذي لا إله إلا هو حدثتُ به، رحم اللَّه عبد اللَّه بن مسعود حيث حدث به، ورحم اللَّه زيد بن وهب حيث حدَّث به، ورحمَ اللَّه الأعمش حيث حدَّث به، ورحمَ اللَّه من حدَّث به قبل الأعمش، ورحمَ اللَّه من يحدث به بعد الأعمش" (^٣).
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: "الشقيُّ من شَقِيَ في بطن أُمِّه، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره" (^٤).
وقد رويَ حديث تقدير السعادة والشقاوة في بطن الأم من حديث عبد اللَّه بن مسعود (^٥)، وأنس بن مالك (^٦)، وعبد اللَّه بن
_________________
(١) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٤) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٣).
(٢) "ن، ط": "وذكر".
(٣) انظر اللالكائي (١٠٤٣).
(٤) كتاب القدر (٢٦٤٥).
(٥) انظر التعليق السابق.
(٦) البخاري (٦٥٩٥)، ومسلم (٢٦٤٦).
[ ١ / ١٤٨ ]
عمر (^١)، وعائشة أم المؤمنين (^٢)، وحذيفة بن أُسَيد (^٣)، وأبي هريرة (^٤).
وقال أبو الحسن علي بن عبيد (^٥) الحافظ: سمعتُ أبا عبد اللَّه بن أبي خيثمة يقول: سمعت عمرو بن علي الفلاس يقول: انحدرتُ من سُر من رأى إلى بغداد في حاجة لي، فبينما أنا أمشي في بعض الطريق إذا بجُمْجُمةِ قد نخِرت فأخذتُها، فإذا على الجبهة مكتوب: "شقي"، والياء مكسورة إلى خلف! (^٦) وهؤلاء كلهم أئمة حفاظ، ذكره الطبري في "السنَّة".
وفي الصحيحين حديث علي عن النبي -ﷺ-: "ما منكم من أحدٍ إلا كُتِبَ مقعده من النار ومقعده من الجنَّة، فقالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نتكلُ على كتابنا، وندعُ العمل؟ فقال: "اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلِقَ له: أما من كان من أهل السعادة فييسَّر لعمل أهل السعادة، وأمَّا من كان من أهل الشقاوة فييسَّر لعمل أهل الشقاوة" ثمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل/ ٥ - ١٠] (^٧).
_________________
(١) عند ابن وهب في القدر (٣٠) وغيره. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصواب أنَّه موقوف كما في القدر للفريابي (١٣٨، ١٣٩) والسنة لابن أبي عاصم (١٨٨، ١٩٠) (ز).
(٢) عند اللالكائي (١٠٥٣)، والآجري فى الشريعة (٣٦٥)، وهو حديث منكر (ز).
(٣) في صحيح مسلم (٢٦٤٤).
(٤) عند اللالكائي (١٠٥٥، ١٠٥٦) وغيره، وسنده صحيح (ز).
(٥) "علي" ساقط من "ط"، واستدرك في القطرية.
(٦) اللالكائي (١٠٦١) (ز).
(٧) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز وغيره (١٣٦٢، ٤٩٤٥ - ٤٩٤٨)، ومسلم في =
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي الصحيحين عن عمران بن حصين أنَّ النبيّ -ﷺ- سُئِلَ: أَعُلِمَ أهلُ الجنة من أهل النارِ؟ قال: "نعم"، قيل له (^١): ففيم يعمل العاملون؟ قال: "نعم، كلّ ميسَّر لما خلق له" (^٢).
وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: دُعِيَ رسول اللَّه -ﷺ- إلى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول اللَّه، طوبى لهذا، عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يدرك السوءَ ولم يعمله. قال: "أو غيرَ ذلك، إنَّ اللَّه تعالى خلق للجنَّة أهلًا، خلقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم. وخلق للنارِ أهلًا، خلقَهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٣).
وفي الصحيحين (^٤) عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن النبيّ -ﷺ- قال: "الغلام الذي قتله الخضر طُبع يومَ طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهقَ أبوَيه طغيانًا وكفرًا".
وفي مسند الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: سمعتُ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إنَّ اللَّهَ خلقَ الخلقَ في ظلمة، ثمَّ ألقى عليهم من نوره". وفي لفظ: "فجعلهم في ظلمة واحدة، فأخذ من نوره فألقاه على تلك الظلمة، فمن أصابه النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقولُ:
_________________
(١) = القدر (٢٦٤٧).
(٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(٣) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٦)، ومسلم في القدر (٢٦٤٩).
(٤) كتاب القدر (٢٦٦٢).
(٥) كذا عزاه المصنف إلى الصحيحين هنا، وفي تهذيب السنن (١٢/ ٣٢٠)، وشفاء العليل (٥٠)، ولكن لم يرد هذا اللفظ إلا في صحيح مسلم في كتاب القدر (٢٦٦١).
[ ١ / ١٥٠ ]
جفَّ القلمُ على علم اللَّه" (^١).
وذكر راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن أبي قتادة (^٢) السلَمي سمع (^٣) النبي -ﷺ- يقول: "خلقَ اللَّهُ آدمَ وأخرجَ الخلقَ من ظهره فقال: هؤلاء في الجنَّة ولا أبالي، وهؤلاء في النارِ ولا أُبالي" قال: قيل علامَ (^٤) نعمل؟ قال: على مواقع القَدَر" (^٥).
وذكر أبو داود في كتاب القدر عن عبد اللَّه بن مسعود أنَّهُ مرَّ على رجل
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٦٤٤)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن حبان (٦١٦٩، ٦١٧٠) من حديث عبد اللَّه بن عمرو، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصححه ابن حبان (ز).
(٢) "أبي قتادة": كذا وقع في الأصل وغيره، وكذا نقله المصنف في إسناد آخر "عن إسحاق بن راهويه، أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد، عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة البصري عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام. . . ". الروح (٣٧٩)، أحكام أهل الذمة (٥٤٧)، شفاء العليل (٣١) (وليس فيه "البصري"). ثمَّ قال في أحكام أهل الذمة (٥٥٩): "وأبو قتادة البصري، وهو مجهول". قلت: لم أجد من سمَّى أبا عبد الرحمن: "أبا قتادة" سواء في هذا السند أو السند السابق. فالصحابي المعروف: عبد الرحمن بن قتادة السلمي، كما في طبقات ابن سعد (٧/ ٤١٧)، والإصابة (٤/ ٣٥٢) وغيرهما. أما "البصري" فهو في مطبوعتي الروح وأحكام أهل الذمة تصحيف "النصري". وانظر الكلام على نسب الصحابي واضطراب هذا السند في تفسير الطبري (١٣/ ٢٤٦ - ٢٤٨) (حاشية المحقق).
(٣) "ط": "راشد بن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي أنَّ أبا قتادة سمع"!
(٤) رسمها في الأصل وغيره: "على ما". وفي المسند: "على ماذا".
(٥) أخرجه أحمد (١٧٦٦٠)، وابن حبان (٣٣٨)، والحاكم (١/ ٣١)، وصححاه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٨٦): "ورجاله ثقات". وقد وقع فيه اختلاف كثير، راجع القدر للفريابي (٢٢ - ٢٦) (ز).
[ ١ / ١٥١ ]
فقالوا: هذا هذا. . ونالوا منه. فقال عبد اللَّه: أرأيتم لو قطعتم يده، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له يدًا؟ قالوا: لا، قال: فلو قطعتم رجله، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رجلًا؟ قالوا: لا (^١)، قال: فلو قُطِعَ رأسُه، أكنتم تستطيعون أن تخلقوا له رأسًا؟ قالوا: لا. قال: فكما لا تستطيعون أن تغيروا خَلقَه لا تستطيعون أن تغيروا خُلقه. إنَّ النطفة إذا وقعت في الرحم بعث اللَّه إليه (^٢) ملَكًا، فيكتب أجله، وعمله، ورزقه، وشقيٌّ أو سعيد (^٣).
وذكر فيه عن ابن مسعود مرفوعًا: "إنَّما هُما اثنتان: الهدي والكلام. فأحسن الكلام كلام اللَّه، وأحسن الهدي هدي محمد. وشرُّ الأمور محدثاتها، وإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة، وإنَّ كلَّ ما هو آتٍ قريبٌ. وإنَّ الشقيَّ من شقيَ في بطن أُمِّه، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره" (^٤).
وقال ابن وهب: أخبرني يونس عن ابن شهاب أنَّ عبد الرحمن بن هنيدة (^٥) حدَّثه أنَّ عبد اللَّه بن عمر (^٦) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا أرادَ
_________________
(١) "قال: فلو قطعتم رجله. . . " إلى هنا ساقط من "ط".
(٢) "إليه" ساقط من "ط".
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٨٨٨٤)، والفريابي في القدر (١٣٠)، والبيهقي في القضاء والقدر (٤٧٩) بنحوه. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٦) "ورجاله ثقات" (ز).
(٤) أخرجه ابن ماجه (٤٦) من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعًا. وسنده ضعيف، لضعف عبيد بن ميمون، فقد جهله أبو حاتم الرازي كما في تهذيب الكمال (١٩/ ٢٣٧) (ز).
(٥) في حاشية الأصل: "نسخة: بن أبي هنيدة"، وانظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٢٩١).
(٦) في الأصل وغيره: "عمرو"، هو سهو.
[ ١ / ١٥٢ ]
اللَّهُ أن يخلق النَّسَمة قال ملَكُ الأرحام مُعرضًا (^١): يا ربّ، أذَكَرٌ أم أنثى؟ فيقضي اللَّه أمره. ثمَّ يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيقضي اللَّه أمره. ثمَّ يكتب بين عينيه ما هو لاقٍ حتَّى النكبةَ يُنكبها" (^٢).
وقال الليث عن عُقَيل (^٣) عن ابن شهاب: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنَّ رسول اللَّه -ﷺ- قال، فذكره سواء. قال الزهري: وحدَّثني عبد الرحمن بن أذينة (^٤) عن ابن عمر مثل ذلك.
وذكر أبو داود أيضًا عن عائشة ترفعه: "إنَّ اللَّه حينَ يريدُ أن يخلقَ الخلقَ يبعث ملكًا فيدخل على الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام، أو جارية، أو ما شاء اللَّه أن يخلق في الرحم، فيقول: أي ربّ، أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي، أو سعيد. فيقول: أي رب، ما أجله؟ فيقول كذا وكذا، فيقول: أي رب، ما خلقه؟ فيقول كذا وكذا. قال: [فيقول] (^٥): يا رب، ما خلائقه؟ فيقول كذا وكذا. قال: "فما من شيءٍ إلا وهو يخلق معه في الرحم" (^٦).
_________________
(١) ضبط في الأصل بتشديد الرَّاء، وفي "ف" بتخفيفها، وفي "ك": "تعرضا"، و"ط": "تعرُّفا".
(٢) القدر لابن وهب (٣٠)، وأخرجه معمر في جامعه (٢٠٠٦٦)، واللالكائي في أصول الاعتقاد (١٠٥١) من حديث ابن عمر موقوفًا. وقد اختلف في رفعه ووقفه، والصحيح الموقوف كما تقدم في ص (١٤٧) (ز).
(٣) "ن": "وقال أحمد بن عقيل"، تحريف.
(٤) قال ابن حجر: "صوابه: ابن هنيدة، قاله جماعة عن الزهري، وتفرد به هارون بن محمد عن الليث عن عقيل عنه بقوله: ابن أذينة". تهذيب التهذيب (٦/ ١٣٥).
(٥) ما بين الحاصرتين من "ك، ط".
(٦) أخرجه اللالكائي (١٠٥٣)، وهو حديث منكر كما تقدم في ص (١٤٩). =
[ ١ / ١٥٣ ]
وذكر ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن أبي تميم الجيشاني، عن أبي ذر أنَّ المنيّ إذا مكث في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس فعرَج به إلى الرب تعالى في راحته فيقول: يا رب، عبدك ذَكَر أم أنثى؟ فيقضي اللَّه ما هو قاض. أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاقٍ بين عينيه. قال أبو تميم: وزاد (^١) أبو ذر من فاتحة سورة التغابن خمس آيات (^٢).
وقال ابن وهب: أخبرني ابن لهيعة، عن كعب بن علقمة، عن عيسى ابن هلال، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أنه قال: إذا مكثت النطفةُ في رحم المرأة أربعين يومًا جاءَها مَلَك، فاختلجها (^٣)، ثمَّ عرَجَ بها إلى الرحمن ﷿ فقال: اخلُق يا أحسن الخالقين، فيقضي اللَّه فيها بما يشاء من أمره، ثمَّ تدفع (^٤) إلى الملَك، فيسأل الملَك عن ذلك، فيقول: يا ربّ، سِقْط أم تِمّ؟ فيبيّن له، ثمَّ يقول: يا ربّ، واحد أو توأم؟ فيبين له، ثمَّ يقول: يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيبين له، فيقول: يا ربّ، أناقص الأجل أم تامّ الأجل؟ فيبيّن له (^٥)، ثمَّ يقول: يا ربّ، أشقيٌّ أم سعيد؟ فيبين له، ثمَّ يقول: يا ربّ، اقطع رزقَه مع خلقِه، فيهبط بهما جميعًا. فوالذي
_________________
(١) = انظر: الكامل لابن عدي (٣/ ٢٢٧) (ز).
(٢) "ط": "وقرأ".
(٣) أخرجه ابن وهب في القدر (٣٦) من حديث أبي ذر مرفوعًا، والفريابي في القدر موقوفًا. والحديث مداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف، وهذا الاضطراب منه. راجع الفوائد المجموعة للشوكاني مع تعليق المعلمي (٤٥١) (ز).
(٤) يعني: انتزعها.
(٥) هذه قراءة "ن"، وكذا في القدر لابن وهب. وفي "ف" وغيرها: "يدفع".
(٦) "ك، ط": "له ذلك".
[ ١ / ١٥٤ ]
نفسي بيده ما ينال من الدنيا إلا ما قُسِمَ له، فإذا أكل رزقه قُبِضَ" (^١).
وفي صحيح مسلم (^٢): عن حذيفة بن أُسيد يبلغ به النبي -ﷺ- قال: "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة فيقول: يا رب، أشقي أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد فيها ولا ينقص".
وفي الصحيحين عن أنس بن مالك -ورفع الحديث- قال: "إن اللَّه وكّل بالرحم ملكًا فيقول: أي ربّ نطفة، أي ربّ علقة، أي رب مضغة. فإذا أراد اللَّه أن يقضي خلقًا قال الملك: أي ربّ، ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، فما الرزق، فما الأجل؟ فيكتب ذلك في بطن أمه" (^٣).
وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود عن النبي -ﷺ-: "إن أحدكم يُجمَع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم ينفخ فيه الروح، ويبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد" (^٤).
ففي (^٥) حديث ابن مسعود أنّ هذا التقدير وهذه الكتابة في الطور
_________________
(١) أخرجه ابن وهب في القدر (٤٥)، والفريابي في القدر (١٤٥). وحسَّنه الحافظ في الفتح (١١/ ٤٧٩). قلتُ: فيه ابن لهيعة ضعيف الحديث. وعيسى بن هلال مجهول (ز).
(٢) كتاب القدر (٢٦٤٤).
(٣) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٥) وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٦).
(٤) أخرجه البخاري في القدر (٦٥٩٤)، وغيره، ومسلم في القدر (٢٦٤٣).
(٥) "ك، ط": "وفي".
[ ١ / ١٥٥ ]