القراءة الأخرى: "يُدافِعُ". فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوَّة الإيمان وضعفه.
فإذا (^١) صارت النفس حرَّةً مطمئنةً غنيةً بما أغناها به مالكها وفاطرها من النور الذي وقع في القلب، ففاض منه إليها = استقامت بذلك الغنى على الأمر المرغوب (^٢)، وسلِمتْ به عن الأمر المسخوط، وبرئت من المراياة (^٣). ومدار ذلك كله على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا (^٤)، ولهذا كان الدِّين كفُه في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود/ ١١٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾ [الأحقاف/ ١٣].
فصل [في الدرجة الثالثة وهي: الغنى بالحق سبحانه، ولها ثلاث مراتب]
وهذه الاستقامة تُرَقِّيها إلى الدرجة الثالثة من الغنى، وهو الغنى بالحق ﵎ عن كلِّ ما سواه، وهي أعلى درجات الغنى.
فأوَّل هذه الدرجة أن تشهد ذكرَ اللَّه ﷿ إيَّاك قبلَ ذكرك له،
_________________
(١) = عمرو، ثمَّ ذكرت قراءة الباقين: "يدافع". وعلى هذا الترتيب جاء كلام المؤلف: "فكمال الدفع والمدافعة". والناشر قد غير الترتيب في إثبات القراءتين.
(٢) "ك، ط": "لماذا".
(٣) "ط": "الموهوب"، تحريف.
(٤) انظر ما سلف في ص (٦٧).
(٥) "ك، ط": "باطنًا وظاهرًا".
[ ١ / ٨٣ ]
وأنَّه (^١) تعالى ذَكَرَك فيمن ذكَره من مخلوقاته ابتداءً قبلَ وجودِك وطاعتِك وذكرِك، فقدّر خلقَك ورزقَك وعمَلَك وإحسانَه إليك ويعمَه عليك حيث لم تكن شيئًا البتة.
وذكَرك سبحانه بالإسلام، فوفقك له، واختارك له دون من خذله، قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج/ ٧٨] فجعلك أهلًا لما لم تكن أهلًا له قطّ، وإنَّما هو الذي أفَلَك بسابق ذكره، فلولا ذكرُه لك بكل جميلٍ أولاكَه لم يكن لكَ (^٢) إليه سبيل.
ومن الذي ذكَرك باليقظة، حتَّى استيقظتَ، وغيرُك في رقدة الغفلة مع النُّوَّام؟
ومَن الذي ذكرك سواه بالتوبة حتَّى وفَّقك لها، وأوقعَها في قلبك، وبعث دواعيك عليها (^٣)، وأحيا عزَماتِك الصادقةَ عليها، حتَّى تُبْتَ (^٤) إليه، وأقبلتَ عليه، فذقتَ حلاوة التوبة وبردَها ولذَّتَها؟ (^٥)
ومَن الذي ذكرك سواه بمحبَّته حتَّى هاجت من قلبك لواعجُها، وتوجَّهتْ نحوَه سبحانه ركائبُها؛ وعمرَ قلبَك بمحبَّته بعد طول الخراب، وآنسَك بقربه بعد طول الوحشة والاغتراب؟
ومن تقرَّب إليك أوَّلًا حتَّى تقرَّبت إليه، ثمَّ أثابك على هذا التقرب
_________________
(١) " ك": "وأنَّ اللَّه".
(٢) "لك" سقط من "ط" واستدرك في القطرية.
(٣) "عليها" ساقط من "ك، ط".
(٤) "ط": "ثُبت".
(٥) "ط": "لذَّاتها".
[ ١ / ٨٤ ]
تقرُّبًا آخر، فصار التقرُّبُ منك محفوفًا بتقرّبَين منه تعالى: تقرُّبٍ قبله، وتقرُّب بعده؛ والحبُّ منك محفوفًا بحبَّينِ منه: حبٍّ قبله، وحُبٍّ بعده؛ والذكرُ منك محفوفًا بذكرَين: ذكرٍ قبله، وذكرٍ بعده؟
فلولا سابقُ ذكره إيَّاك لم يكن من ذلك كلّه شيء، ولا وصل إلى قلبك ذرّةٌ ممَّا وصل إليه من معرفته وتوحيده ومحبَّته وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه والتقرب إليه. فهذه كلُّها آثارُ ذكره لك.
ثمَّ إنَّه سبحانه ذَكَرك بنعمه المترادفة المتواصلة بعدد الأنفاس، فله عليك في كل طرفة عينٍ ونفَسٍ نعمٌ عديدةٌ ذكَرك بها قبلَ وجودك، وتعرَّف بها إليك، وتحبَّب بها إليك، مع غناه التامّ عنك وعن كل شيء. وإنَّما ذلك مجرَّد إحسانه وفضله وجوده، إذ هو الجوادُ (^١) المحسنُ لذاته، لا لمعاوضةٍ، ولا لطلب جزاءٍ منك، ولا لحاجةٍ دعته إلى ذلك، كيف وهو الغني الحميد؟ فإذا وصل إليك أدنى نعمة منه فاعلم أنَّه ذكرك بها، فَلْتعظُمْ عندك لِذكره لك بها، فإنَّه (^٢) ما حقَّرك مَن ذكَرك بإحسانه، وابتدأك بمعروفه، وتحبَّب إليك بنعمته؛ هذا كلّه مع غناه عنك.
فإذا شهد العبدُ ذكرَ ربِّه له، ووصل شاهدُه إلى قلبه شَغَلَه ذلك عمَّا سواه، وحصل لقلبه به غنًى عالٍ لا يشبهه شيء. وهذا كما يحصل للمملوك الذي لا يزال أستاذُه وسيّدُه يَذكُره ولا ينساه، فهو يحصل له -بشعوره بذكر أستاذه له- غنى زائد على إنعام سيّده عليه وعطاياه السنية له؛ فهذا هو غني ذكر اللَّه للعبد.
_________________
(١) زاد هنا في "ك، ط": "المفضل".
(٢) "ط": "فإنَّها".
[ ١ / ٨٥ ]