قد رتب المؤلف ﵀ معظم كتبه على المنهج المألوف، فقسمها إلى أبواب أو فصول أو مسائل تقسيمًا محكمًا، وصرّح بعددها، وسرد عناوينها في مقدمة الكتاب؛ كما ترى في شفاء العليل، وإغاثة اللهفان، وروضة المحبين، وعدة الصابرين، وغيرها. وقد أشار إلى اجتهاده في الترتيب والتبويب في مقدمة كتاب حادي الأرواح إذ قال: "وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه وتفصيله وتبويبه. . . وقد قسمت الكتاب سبعين بابًا". ثم ذكر عناوينها كلها.
أمّا كتابنا هذا فلم يرتبه ذلك الترتيب. بل اقتصر في مقدمته على الإشارة إلى مبحثين، وهما المبحث الأول والمبحث الأخير من الكتاب فقال: "وابتدأناه بباب الفقر والعبودية، إذ هو باب السعادة الأعظم وطريقها الأقوم الذي لا سبيل إلى دخولها إلا منه، وختمناه بذكر طبقات المكلفين من الجن والإنس في الآخرة ومراتبهم في دار السعادة والشقاء. فجاء الكتاب غريبًا في معناه، عجيبًا في مغزاه. . . ".
وهذه نظرة في البناء العام للكتاب:
١ - خطبة الكتاب (٥ - ١١).
٢ - "فصل" في الفقر والغنى (١٢ - ١١٥).
٣ - "قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب والنفس، بل وإلى الروح التي بين جنبيه" في كون اللَّه سبحانه هو المطلوب المعبود المحبوب وحده لا شريك له، وهو وحده المعين للعبد على حصول مطلوبه. (١١٦ - ٣٤٦).
[ المقدمة / ٢٥ ]
٤ - "قاعدة" في أن كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من إحدى جهتين (٣٤٧).
٥ - "قاعدة" في الابتلاء (٣٤٨ - ٣٤٩).
٦ - "قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب" (٣٥٠ - ٣٧٢).
٧ - "قاعدة" في الإنابة ودرجاتها (٣٧٣ - ٣٧٦).
٨ - "قاعدة في ذكر طريق قريب موصل إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال" (٣٧٧ - ٣٨٢).
٩ - "قاعدة شريفة" في أن الطريق إلى اللَّه واحد (٣٨٣ - ٣٩٦).
١٠ - "قاعدة" في أن السير إلى اللَّه لا يتم إلا بقوتين علمية وعملية (٣٩٧ - ٤٠٢).
١١ - "قاعدة نافعة" في أقسام العباد في سفرهم إلى الدار الآخرة، ووصف أحوالهم (٤٠٣ - ٧٦٠).
١٢ - "فصل في مراتب المكلّفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقة" (٧٦١ - ٩٣١).
ونلاحظ هنا أن المؤلف لم يذكر موضوع الفصل أو القاعدة إلّا في ثلاثة مواضع (٦، ٨، ١٢). وفي غيرها اكتفى بكلمة "فصل" أو "قاعدة" أو "قاعدة شريفة" أو "قاعدة نافعة".
أما حجم هذه القواعد، فالقاعدة الأولى جاءت في ٢٣٠ صفحة، والقاعدة الأخيرة في ٣٥٧ صفحة. وبين هاتين القاعدتين الكبيرتين سبع
[ المقدمة / ٢٦ ]
قواعد لطيفة تراوح حجمها بين ٦ أسطر و٢٢ صفحة. والقواعد التسع وقعت بين فصلين استغرق أحدهما ١٠٤ صفحة والآخر ١٧٠ صفحة. وتحت كل فصل وقاعدة -إلّا القواعد القصار- فصول كثيرة تطول أو تقصر حسب مقتضى الكلام.
هذا البناء العام للكتاب قد انطوى على عدد كبير من المباحث العظيمة والمطالب الشريفة والمسائل المشكلة، يستحق بعضها أن يفرد بالتأليف، وبعضها إذا استخرج من هذا الكتاب صار رسالة مستقلة في موضوعها. ونشير هنا بصفة خاصة إلى مبحثين عظيمين، قد وردا في الظاهر عرضًا، ثم استتبع الكلام عليهما مسائل أخرى، وسيقف القارئ من خلال عرضهما على بعض طرائق المؤلف ﵀ في التأليف.