إنّ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم رحمهما اللَّه يغرفان جميعًا من ينبوع واحد، ومنهجهما واحد في تقويم الأقوال والآراء ووزنها بميزان الكتاب والسنة دون التعصب لشخص أو مذهب. ثم من طول الملازمة والمذاكرة والموافقة امتزجت الأفكار وتشابهت العبارات، وكادت تتحدّ بعض الأحيان.
وقد يتناول ابن القيم قاعدة من قواعد شيخ الإسلام ويفسرها ويبسط الكلام عليها من غير أن يشير إلى أن أصلها من كلام شيخه، ولا عجب
[ المقدمة / ٤٥ ]
في ذلك، فهو حامل علمه وناشره وشارحه. وكذلك بعض أقوال الشيخ وآرائه يعزوها إليه حينًا، ويغفل العزو حينا آخر. ومن ثم يجب على من يريد دراسة أفكار ابن القيم في موضوع من الموضوعات أن يستوعب النظر في مؤلفات شيخه أيضًا.
ذكر ابن القيم شيخه في هذا الكتاب في عشرة مواضع. أورد في موضعين (١٢، ١٨٦) ثلاثة أبيات من تائيته. وفي موضعين (٣٢٨، ٥١٨) ذكر كتابه "موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح" وأثنى عليه. وفي موضعين آخرين (١٨٤، ٦٥٨) نقل مناظرة له مع بعض شيوخ الجبرية حكاها له. وفي (٨٤٩) نقل حكمه على حديث بأنه باطل موضوع. وفي المواضع الأخرى (٢٠٠، ٢١٤، ٥٣٤) نقل أقوال شيخه في بعض المسائل.
أما النصوص التي هي لشيخه بدليل وجودها في كتبه أو أن ابن القيم نفسه عزاها إليه في كتاب آخر له، فمنها أنه ذكر في (٢٩) قول المسيح للحواريين: "إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين" وفسّره واستدل كذلك بقراءة لأبي بن كعب، من غير إشارة إلى شيخه. ولكن في مدارج السالكين (٣/ ٣٤) نقل ذلك كله عن الشيخ.
ومنها أنه لما فسّر "العزيز" من أسماء اللَّه سبحانه بأن العزة تتضمن القوة قال: "يقال: عز يعَز -بفتح العين- إذا اشتدّ وقوي. ومنه الأرض العزاز للصلبة الشديدة. وعز يعز -بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه. وعز يعُز -بضم العين- إذا غلبَ وقهر. فأعطوا أقوى الحركات -وهي الضمة- لأقوى المعنى، وهو الغلبة والقهر للغير. . . " (٢٣١). ونحوه في مدارج السالكين (٣/ ٢٣٨) وجلاء الأفهام (١٤٧) أيضًا، ولكن السياق في جلاء الأفهام يدلّ على أنه من كلام شيخ الإسلام، إذ قال فيه:
[ المقدمة / ٤٦ ]
"ثم ذكر لي فصلًا عظيم النفع في التنالسب بين اللفظ والمعنى، ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى الحركات للمعنى الأقوى. . . فيقولون: عز يعَز بفتح العين إذا صلب. وأرض عزاز: صلبة. . . " ونجد الفكرة بعينها مع تفسير الكلمة على هذا الوجه في منهاج السنة (٣/ ٣٢٥).
ومنها القاعدة الأولى بعد باب الفقر والغنى، التي عنوانها: "قاعدة شريفة عظيمة القدر حاجة العبد إليها أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب. . . ". وخلاصتها أن اللَّه ﷿ هو المعبود المطلوب المحبوب وحده، وهو المعين للعبد على حصول مطلوبه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. فقد بنى ابن القيم كلامه في هذه القاعدة إلى أول الفصل الثالث (١١٦ - ١٣٣) على كلام شيخه، ونقل معظمه بنصه مع بسطه. وكذا فعل في الباب السادس من كتابه إغاثة اللهفان (٧٠ - ٩٦)، ولكنه رتبه هناك على نحو آخر، ولم يشر هنا ولا في الإغاثة إلى شيخ الإسلام. وكلام الشيخ في مجموع الفتاوى (١/ ٢١ - ٣٣).
ولا أستبعد أن يكون نقد ابن القيم لكتاب ابن العريف في علل المقامات مبنيًا على قاعدة الشيخ المذكورة في مؤلفاته، وقد سبقت الإشارة إليها.
وفي آخر هذه الفقرة نشير إلى موضعين في تفسير قول النبي -ﷺ-: "ربنا ولك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد". ذكر في الموضع الأول (٢٤٠) أن قوله: "ملء ما شئت من شيء بعد" يحتمل أمرين: أحدهما أن يملأ ما يخلقه
[ المقدمة / ٤٧ ]
اللَّه بعد السماوات والأرض، والثاني أن يكون المعنى: ملء ما شئت من شيء ويقدّر مملوءًا بحمدك، وإن لم يكن موجودًا. ثم أورد وجوهًا تقوي المعنى الأول. وختم الوجه الثاني في المسوّدة (٤١/ أ) بقوله: "هذا تقرير شيخنا. قلت: وفيه نظر، إذ قوله: "وملء ما شئت من بعد" يحتمل بعدية الزمان وبعدية المكان المغايرة، أي ما شئت غير ذلك. والبعدية مستعملة فيهما". ثم ضرب على هذه العبارة، فبقي تقرير الوجه الثاني دون إشارة إلى أنه من كلام شيخ الإسلام، ودون التعقيب عليه.
وفي الموضع الثاني (٢٤٢) ذكر المؤلف اختلاف الناس في معنى كون حمد اللَّه سبحانه يملأ السماوات والأرض وما بينهما، وأن طائفة ذهبت إلى أن ذلك على وجه التمثيل. ثم كتب في مسودته (٤١/ أ): "وكان شيخنا ﵀ يرى أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف، بل الحمد يملؤها حقيقة". ثم ضرب على هذه العبارة واستكمل استدلال الطائفة الأولى، ثم قال: "والصواب أنه لا يحتاج إلى هذا التكلف البارد، فإن ملء كل شيء يكون بحسب المالئ والمملوء". ثم أورد استعمالات وشواهد عديدة ليخلص إلى أنه حقيقة في بابه.
[ المقدمة / ٤٨ ]