فكذلك (^١) نظره إليه ببقاءِ الآخرّية حيث يبقى بعد الأسباب كلها. فكان اللَّه ولم يكن شيءٌ غيره، وكلّ شيءٍ هالك إلّا وجهه.
فتأمَّلْ عبوديّةَ هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى اللَّه وحده ودوام الفقر إليه دون كلّ شيءِ سواه، وأنّ الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهي الأمر حيث (^٢) تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيءٍ وآخره. وكما أنّه ربُّ كلِّ شيءٍ وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلّا بأن يكون هو غايته وحده. كما أنه لا وجود له إلّا بكونه وحده هو ربّه وخالقه، فكذلك لا كمال له ولا صلاح إلّا بكونه تعالى (^٣) وحده هو غايته ونهاية مقصوده (^٤).
فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها (^٥) وإرادتها (^٦) ومحبتها، فليس وراءَ اللَّه شيءٌ يُقصَد ويُعبَد ويُتألّه، كما أنه ليس قبله شيءٌ يَخلُق ويَبرأ. فكما كان واحدًا في إيجادك، فاجعله واحدًا في تألّهك وعبوديتك (^٧). وكما ابتدأ وجودك
_________________
(١) "ط": "وكذلك".
(٢) "ينتهي الأمر حيث" ساقط من "ط".
(٣) من قوله "هو غايته وحده" إلى هنا ساقط من "ط".
(٤) "ط": "نهايته ومقصوده".
(٥) "ك": "عبوديتها".
(٦) "ن، ك، ط": "إراداتها".
(٧) "ط": "تألهك إليه لتصح عبوديتك"، وهو غلط ناشئ من السقط في بعض النسخ.
[ ١ / ٣٨ ]
وخلقك منه، فاجعل (^١) نهايةَ حبّك وإرادتك وتألهك (^٢) إليه لتصحّ لك عبوديته باسمه الأول والآخر. وأكثر الخلق تعبّدوا له باسمه "الأول"، وإنّما الشأن في التعبد له باسمه "الآخر"، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو ربّ العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده.
وأما عبوديته باسمه "الظاهر" كما (^٣) فسّره النبي -ﷺ - بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء" (^٤). فإذا تحقق العبدُ علوَّه المطلق على كل شيءٍ بذاته، وأنّه ليس شيءٌ فوقه (^٥) البتة، وأنّه قاهر فوق عباده، يدبّر الأمر من السماءِ إلى الأرض ثم يعرج إليه ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر/ ١٠] صار لقلبه أَمَمًا يقصده، وربًّا يعبده، وإلهًا يتوجّه إليه؛ بخلاف من لا يدري أين ربه، فإنَّه ضائع مشتَّت القلب، ليس لقلبه قبلةٌ يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجه إليه قصده.
وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبُه إلهًا يسكن إليه ويتوجه إليه، وقد اعتقد أنَّه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنَّه ليس فوق العالم إله يُعبَد ويُصلَّى له ويُسْجَد، وأنَّه ليس على العرش مَن يصعد إليه الكلمُ الطيب ولا يُرفع إليه العملُ الصالحُ. جال قلبُه في الوجود
_________________
(١) "ك، ط": "فاجعله"، وهو خطأ.
(٢) قوله "وعبوديتك" إلى هنا ساقط في "ك" "لانتقال النظر.
(٣) "ك، ط": "فكما".
(٤) من حديث أبي هريرة ﵁، أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (٢٧١٣).
(٥) "ك، ط": "ليس فوقه شيء".
[ ١ / ٣٩ ]
جميعِه فوقع في الاتحاد ولا بد، وتعلق قلبُه بالوجود المطلق الساري في المعيّنات، فاتخذه إلهَه (^١) من دون الإله الحق (^٢)، وظن أنَّه قد وصل إلى عين الحقيقة! وإنَّما تأله وتعبد لمخلوق مثله، أو لخيالٍ (^٣) نَحَتَهُ بفكره واتخذه إلهًا من دون اللَّه، وإلهُ الرسل وراءَ ذلك كله:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾ [يونس/ ٣ - ٤].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة/ ٤ - ٩].
فقد تعرَّف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفةً لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه، وإن زعم أنَّهُ مقرٌّ به.
_________________
(١) "ك، ط": "فاتخذ إلهه".
(٢) "ك، ط": "إله الحق"، وقد صحح في حاشية "ك".
(٣) "ط": "ولخيال".
[ ١ / ٤٠ ]