عن ملاحظة حركته في نفسه، بل قد اندرجت حركته في ضمن حركة الموج، فكأنَّه (^١) لا حركة له بالحقيقة.
وهذا، وإن ظنَّه كثيرٌ من القوم غايةً، وظنَّه بعضهم لازمًا من لوازم التوحيد، فالصواب أنَّ وراءَه (^٢) ما هو أجل منه. وغاية هذا الفناءُ في توحيد الربوبية، وهو (^٣) أن لا يشهد ربًّا وخالقًا ومدبِّرًا إلا اللَّه، وهذا حق (^٤)، ولكن توحيد الربوبية وحده لا يكفي فى النجاة فضلًا عن أن يكون شهودُه والفناءُ فيه هو غاية الموحدين ونهاية مطلبهم.
بل الغاية (^٥) التي لا غايةَ وراءها ولا نهاية بعدها الفناءُ في توحيد الإلاهية. وهو أن يفنى بمحبة ربه عن محبة كل ما سواه، وبتألهه عن تأله ما سواه، وبالشوق إليه وإلى لقائه عن الشوق إلى ما سواه، وبالذلِّ له والفقر إليه من جهة كونه معبودَه وإلهَه ومحبوبَه عن الذل والفقر (^٦) إلى كلِّ ما سواه، وكذلك يفنى بخوفه ورجائه عن خوف ما سواه ورجائه. فيرى أنَّه ليس في الوجود ما يصلح له ذلك إلا اللَّه، ثمَّ يتصف بذلك حالًا (^٧)، وينصبغ به قلبه صبغة، ثمَّ يفنى بذلك عمَّا سواه. فهذا هو التوحيد الخاصّ (^٨) الذي شمَّر إليه العارفون، والورد الصافي الذي حام
_________________
(١) "ك، ط": "وكأنَّه".
(٢) "ط": "من ورائه".
(٣) "ك": "وهي".
(٤) "ك، ط": "هو الحق".
(٥) "ط": "فالغاية".
(٦) "الفقر" ساقط من "ك، ط"، ومستدرك في حاشية "ك".
(٧) "ك": "تتصف بذلك حاله".
(٨) "ط": "الخاصي".
[ ١ / ٦٠ ]
حوله المحبون.
ومتى وصل إليه العبدُ صار في يد التقطع والتجريد، واشتمل بلباس الفقر الحقيقي، ومزَّق (^١) حبُّ اللَّه من قلبه كلَّ محبَّة، وخوفُه كلَّ مخافة (^٢)، ورجاؤه كلَّ رجاءٍ، فصار حبُّه وخوفه ورجاؤه وذله وإيثاره وإرادته ومعاملته = كلُّ ذلك واحدًا (^٣) لواحدٍ، فلم ينقسم طلبُه ولا مطلوبُه. فتعددُ المطلوب وانقسامُه قادحٌ في التوحيد والإخلاص، وانقسامُ الطلب قادحٌ في الصدق والإرادة. فلا بدَّ من توحيد الطلب والإرادة، وتوحيد المطلوب المراد. فإذا غاب بمحبوبه عن حب غيره، وبمذكوره عن ذكر غيره، وبمألوهه عن تأله غيره، صارَ من أهل التوحيد الخاص (^٤). وصاحبُه مجرَّدٌ عن ملاحظة سوى محبوبه أو إيثاره أو معاملته أو خوفه أو رجائه. وصاحبُ توحيد الربوبية في قيد التجريد عن ملاحظة فاعلٍ غير اللَّه، وهو مجردٌ عن ملاحظة وجوده هو، كما (^٥) كان صاحبُ الدرجة الأولى مجرَّدًا عن أمواله، وصاحبُ الثانية مجرَّدًا عن أعماله وأحواله.
وصاحبُ (^٦) الفناءِ في توحيد الإلهية مجرَّدٌ عن سوى مراضي محبوبه وأوامره، قد فني بحبه وابتغاء مرضاته عن حبِّ غيره وابتغاء مرضاته.
_________________
(١) "ك، ط": "فرَّق".
(٢) "ك، ط": "خوف".
(٣) "ط": "واحد".
(٤) "ط": "الخاصي".
(٥) "ك، ط": "وهو كما".
(٦) "ط": "فصاحب".
[ ١ / ٦١ ]