وجِمَاعُ هذا أنَّك إذا كنتَ غيرَ عالمٍ بمصلحتك، ولا قادرٍ عليها، ولا مريدٍ لها كما ينبغي، فغيرك أولى أن لا يكون عالمًا بمصلحتك، ولا قادرًا عليها، ولا مريدًا لها. واللَّه سبحانه هو يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله (^٢) لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا لِتكثُر بك، ولا لِتعزز بك؛ ولا يخاف الفقر، ولا تنقص خزائنه على سعة الإنفاق. ولا يحبس فضلَه عنك لحاجةٍ منه إليه (^٣) واستغناءً به (^٤)، بحيث إذا أخرجه أثَّر ذلك في غناه.
وهو يحب الجود والبذل والعطاءَ والإحسان أعظمَ ممَّا تحبّ أنت الأخذ والانتفاع بما سألته، فإذا حبسه عنك فاعلم أنَّ هناك أمرَين لا ثالث لهما:
أحدهما: أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوّق لوصول فضله إليك، وأنت حجر في طريق نفسك. وهذا الأمر (^٥) هو الأغلبُ على الخليقة، فإنَّ اللَّه سبحانه قضى فيما قضَى به أنَّ ما عنده
_________________
(١) بعده في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٢) انتهى هنا ما نقله المصنف من كلام شيخه مع بسطه، انظر: مجموع الفتاوى (١/ ٣٣).
(٣) "ك، ط": "إليك".
(٤) "ن، ك، ط": "استغنائه"، تحريف.
(٥) "الأمر" ساقط من "ك، ط".
[ ١ / ١٣٣ ]
لا يُنال إلا بطاعته، وأنَّه ما استُجلِبتْ نِعَمُ اللَّه بغير طاعته، ولا استُديمتْ بغير شكره، ولا عُوِّقتْ وامتنعتْ بغير معصيته. وكذلك إذا أنعمَ عليك ثمَّ سلبك النعمة فإنه لم يسلبها لبخل منه ولا استئثار بها عليك، وإنَّما أنت السبب (^١) في سلبها عنك، فإنَّ اللَّه لا يغيِّر ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال/ ٥٣].
فما أُزيلت نعمُ اللَّه بغير معصيته: (^٢)
إذا كنتَ في نعمةٍ فارْعَهَا فإنَّ الذنوبَ تُزيلُ النِّعَمْ (^٣)
فآفتُك من نفسك، وبلاؤك منك (^٤)، وأنت في الحقيقة الذي بالغتَ في عداوتك، وبلغتَ من معاداة نفسك ما لا يبلغ العدوُّ منك، كما قيل:
ما يبلغُ الأعداءُ من جَاهلٍ ما يبلغُ الجاهلُ من نفسِهِ (^٥)
_________________
(١) "ك": "المتسبب"، "ط": "المسبب".
(٢) زاد في "ك": "شعر".
(٣) من ثمانية أبيات ذكرها المؤلف في الداء والدواء (١١٩)، وهذا البيت وحده في بدائع الفوائد (٧١٢) وسيأتي مرة أخرى في كتابنا ص (٥٨٢). وفي "ك، ط": "فإنَّ المعاصي". وقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥٤/ ٧٠) بسنده أن عمر بن عبد العزيز كان يتمثل بهذا البيت وبيت آخر بعده: ولا تحقرن صغير الذنوب فإن الإله شديد النقمْ وانظر أيضًا: تاريخ دمشق (٥١/ ١٠٣).
(٤) "ك، ط": "من نفسك".
(٥) ذكره المصنف في الداء والدواء (١٥٩)، والمدارج (١/ ٢٦٤)، والمفتاح =
[ ١ / ١٣٤ ]
ومن العجب أنَّ هذا شأنك مع نفسك، وأنت تشكو المحسن البريء عن الشكاية، وتتهم أقداره وتعاتبها (^١) وتلومها! فقد ضيعت فرصتك، وفرَّطت في حظك، وعجز رأيك عن معرفة أسباب سعادتك وإرادتها، ثمَ قعدتَ تعاتب القدرَ بلسان الحال والقال! فأنت المعنيّ بقول القائل:
وعاجزُ الرَّأي مِضياعٌ لِفرصته حتَّى إذا فاتَ أمرٌ عاتَبَ القَدَرا (^٢)
ولو شعرتَ بدائك (^٣)، وعلمتَ من أين دُهِيتَ ومن أين أُصِبتَ، لأمكنك تداركُ ذلك. ولكن قد فسدت الفطرة، وانتكس القلب، وأطفأ الهوى مصابيح العلم والإيمان منه، فأعرضتَ عمَّن أصلُ بلائك ومصيبتك منه، وأقبلتَ تشكو مَنْ كلُّ إحسان دقيق أو جليل وصل إليك فمنه. فإذا شكوته إلى خلقه كنتَ كما قال بعض العارفين، وقد رأى رجلًا يشكو إلى آخر ما أصابه ونزل به (^٤): يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك!
وإذا عَرَتْكَ مصيبةٌ فاصْبِرْ لها صبرَ الكريمِ فإنَّهُ بك أرحَمُ (^٥)
_________________
(١) = (٣/ ٣٨)، والبدائع (١١٨٨). وهو لصالح بن عبد القدوس. انظر: التمثيل والمحاضرة (٧٧)، والحماسة البصرية (٨٧٤).
(٢) "ط": "تعانيها"، تصحيف.
(٣) تمثل به المصنف في الروح (٢٩)، والفوائد (١٨١). وقد أنشده الجاحظ في البيان (٢/ ٣٥٠)، ونسب في المنتخل (١/ ٤٦٣) إلى الخليل بن أحمد.
(٤) "ك، ط": "برأيك"، تحريف.
(٥) زاد في "ط" بعد "به": "فقال".
(٦) "ط": "وإذا أتتك".
[ ١ / ١٣٥ ]
وإذا شكوتَ إلى ابنِ آدمَ إنَّما تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يرحمُ (^١)
وإذا علمَ العبدُ حقيقة الأمر، وعرف من أين أُتِيَ، ومن أيِّ الطرقِ أُغيرَ على سَرْحه (^٢)، ومن أي ثَغرَة سُرِقَ متاعُه وسُلِبَ = استحيا من نفسه -إن لم يستحي من اللَّه- أن يشكوَ أحدًا من خلقه، أو يتظلَّمهم، أو يرى مصيبته وآفته (^٣) من غيره.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى/ ٣٠].
وقال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران/ ١٦٥].
هذا، ومن المخاطب بهذا الخطاب؟ (^٤) وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء/ ٧٩].
_________________
(١) قول العارف مع البيتين في المدارج (٢: ١٩٢). ونسب البيتان في الكشكول (١: ٧٤) إلى الإمام زين العابدين -مع اختلاف في الألفاظ- والبيت الثاني مع آخر في عيون الأخبار (٢/ ٢٦٠).
(٢) السرح: الماشية الراعية.
(٣) "ف": "وافية"، تحريف.
(٤) "هذا. . . الخطاب" كذا في الأصل وغيره، وهو ساقط من "ط".
[ ١ / ١٣٦ ]