الجمع بين هذه الروايات أنّ للملَك ملازمةً ومراعاةً لِحال (^٦) النطفة، وأنّه يقول: ياربّ هذه نطفة، هذه علقة، هذه مضغة، في أوقاتها. فكلّ وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر اللَّه تعالى، وهو أعلم بها منه (^٧).
ولِكلام الملَك وتصرُّفِه أوقاتٌ: أحدها حين يخلقها (^٨) اللَّه نطفةً ثم ينقلها علقةً، وهو أول أوقات علمِ الملك بأنه ولد، لأنه ليس كلّ نطفة تصير ولدًا، وذلك بعد الأربعين الأولى في أول الطور الثاني. ولهذا -واللَّه أعلم- وقعت الإشارة إليه في أول سورة أنزلها على رسوله ﴿اقْرَأْ
_________________
(١) "ك، ط": "ذكرت أيضًا".
(٢) "ن": "وفي حديث صحيح".
(٣) أخرجه مسلم في القدر (٢٦٤٥) من حديث حذيفة بن أسيد.
(٤) في صحيح مسلم أيضًا. انظر الموضع السابق.
(٥) زاد في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٦) "ك، ط": "بحال".
(٧) "منه" ساقط من "ك، ط".
(٨) "ك، ط": "بكلام الملك، فتصرفه في أوقات. . ". "ف": "بكلام الملك، فيصرفه أوقات أخذها حتى يخلقها". والصواب ما أثبتنا من الأصل. وكذا في "ن" إلا أنَّ فيها: "حين يجعلها"، وهو تحريف.
[ ١ / ١٥٦ ]
بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق/ ١ - ٢] إذ خلقُه من علقة هو أول مبدأ الإنسانية، وحينئذ يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته.
ثمّ للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر، وهو تصويره وتخليق سمعه وبصره وجلده وعظمه ولحمه وذكوريته وأنوثيته. وهذا إنّما يكون في الأربعين الثالثة قبل نفخ الروح فيه، لأن (^١) نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام تصويره.
فههنا تقديران وكتابتان (^٢):
التقدير الأول عند ابتداءِ تعلّق (^٣) التخليق في النطفة، وهو إذا مضى عليها أربعون، ودخلت في طور العلقة، ولهذا في إحدى الروايات: "إذا مرّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة".
والتقدير الثاني والكتابة الثانية إذا (^٤) كمل تصويره وتخليقه وتقدير أعضائه وكونه ذكرًا أو أُنثى.
فالتقدير الأول تقدير لما يكون للنطفة بعد الأربعين، والتقدير الثاني تقدير لما يكون للجنين بعد تصويره.
ثم إذا وُلِد قُدّر مع ولادته كلَّ سنة ما يلقاه في تلك السنة، وهو ما يقدَّر ليلة القدر من العام إلى العام. فهذا التقدير أخصّ من التقدير
_________________
(١) "ك، ط": "فيها فإن".
(٢) "ط": "كتابان".
(٣) "ك، ط": "تعليق".
(٤) "ك، ط": "الثاني الكتابة إذا".
[ ١ / ١٥٧ ]
الثاني، والثاني أخصّ من الأول.
ونظير هذا أيضًا أنّ اللَّه سبحانه قدّر مقاديَر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم قدّر مقادير هذا الخلق حين خلقه وأوجده (^١)، ثم يقدّر كلّ سنة في ليلة القدر ما يكون في ذلك العام.
وهكذا تقدير أمر النطفة وشأنها يقع بعد تعلّقها بالرحم، وبعد كمال تصوير الجنين، وقد تقدّم ذلك (^٢) تقديرُ شأنها قبل خلق السموات والأرض، فهو تقدير بعد تقدير.
ونظير هذا أيضًا رفعُ الأعمال وعرضُها على اللَّه، فإنّ عمل العام يُرفَع في شعبان، كما أخبر به الصادق المصدوق أنه شهر ترفع فيه الأعمال، قال: "فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم" (^٣). ويُعرض عملُ الأسبوع يوم الاثنين والخميس، كما ثبت ذلك عن النبيّ -ﷺ- (^٤). ويُعْرَض عملُ اليوم في آخره والليلة في آخرها، كما في حديث أبي موسى الذي رواه البخاري (^٥) عن النبي -ﷺ-: "أنَّ اللَّه لا ينامُ ولا ينبغي له أن ينام، يخفض
_________________
(١) "ك، ط": "خلقهم وأوجدهم".
(٢) "ط": "تقدم ذكر تقدير"، خطأ.
(٣) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣)، والنسائي (٢٣٥٧) واللفظ له، من حديث أسامة بن زيد ﵄، وسنده حسن (ز).
(٤) أخرجه أحمد (٢١٧٥٣، ٢١٧٨١)، وأبو داود (٢٤٣٦)، والنسائي في الكبرى (٢٧٨١، ٢٧٨٢) من حديث أسامة بن زيد، وسنده لا بأس به. وله طريق آخر عن أسامة عند ابن خزيمة (٢١١٩) (ز).
(٥) وكذا في روضة المحبين (٥٦٥). وفي تهذيب السنن (١٣/ ٢٤) عزاه إلى الصحيحين، وهو سهو. فإنما أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (١٧٩).
[ ١ / ١٥٨ ]
القسط ويرفعه، يُرفَع إليه عملُ الليل قبل النهار وعملُ النهار قبل الليل".
فهذا الرفع والعرض اليومي أخص من العرض يوم الاثنين والخميس، والعرضُ فيهما (^١) أخص من العرض في شعبان، ثمَّ إذا انقضى الأجلُ رُفِعَ العمل كله، وعُرِضَ على اللَّه، وطويت الصحف، وهذا عرضٌ آخر.
وهذه المسائل العظيمة القدرِ هي من أهم مسائل الإيمان بالقدر، فصلوات اللَّه وسلامه على كاشف الغمّة وهادي الأمة محمد -ﷺ-.
فإنْ قيل: فما (^٢) تقولون في قوله: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً بعث اللَّه إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجِلْدها ولَحْمها (^٣) وعظمها ثمَّ قال: يا ربّ أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شَاء، ويكتب الملك، ثمَّ يقول: يا ربّ أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك". وهذه بعض ألفاظ مسلم في الحديث. وهذا يوافق الرواية الأخرى "يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة (^٤) وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أم سعيد (^٥)؟ "، ويوافق الرواية الأخرى: "إنَّ النطفة تقع في الرحم أربعين ليلةً ثمَّ يتسور عليها الملك". وهذا يدل على أن تصويرها عقيب الأربعين الأولى.
_________________
(١) "ط": "فيها"، خطأ.
(٢) "ك، ط": "ما".
(٣) "ف": "ومخها"، خلاف الأصل.
(٤) كذا في الأصل وغيره، وفي "ط": "خمس".
(٥) "ط": "أو سعيد".
[ ١ / ١٥٩ ]
قيل: لا ريب أنَّ التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، لا يقع عقيب الأولى، هذا أمرٌ معلوم بالضرورة، فإمَّا أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ الأربعين الثالثة، وسمَّى المضغة فيها نطفةً اعتبارًا بأوَّل أحوالها وما كانت عليه. أو يكون المراد بها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابةَ تصويرها وتخليقها (^١) وتقديرَه تخليقًا اعتبارًا بما يؤول؛ فيكون قوله "صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثمَّ يفعله (^٢) بعد الأربعين الثالثة.
أو يكون المراد به (^٣) الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعين حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر. فإنَّ النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة، وحينئذٍ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس. ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُورت التصويرَ المحسوس المشاهد.
فأحد التقديرات الثلاثة متعيِّن (^٤)، ولا بُدَّ؛ ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم. وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدل على القدرة (^٥)، واللَّه أعلم بمراد رسوله. غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم
_________________
(١) "ط": "تصويره وتقديره"، وفيه سقط وتحريف.
(٢) "ك، ط": "يفعله به". "ن": "ثم يكون ذلك".
(٣) "ط": "به أي الأربعين". "ك": "به أي بالأربعين المراد به الأربعين الأولى حقيقة".
(٤) "ط": "يتعين".
(٥) "ك، ط": "القدر".
[ ١ / ١٦٠ ]
واللحم إنَّما يكون بعد الأربعين الثالثة. والمقصود أنَّ كتابة الشقاوة والسعادة وما هو لاقٍ، عند أوَّل تخليقه.
ويحتمل وجهًا رابعًا وهو أنَّ النطفة في الأربعين الأولى لا يُتعرَّض إليها ولا يُعتنى بشأنها (^١)، فإذا جاوزتها وقعتْ في أطوار التخليق طَورًا بعد طَور، ووقع حينئذٍ التقدير والكتابة. فحديث ابن مسعود صريحٌ بأن وقوع ذلك بعد الطور الثالث عند تمام كونها مضغة، وحديث حذيفة بن أُسَيد وغيره من الأحاديث المذكورة إنَّما فيه وقوع ذلك بعد الأربعين، ولم يوقِّت فيها البَعدية (^٢) بل أطلقها، وقد قيدها ووقَّتها في حديث ابن مسعود، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد بلا ريب. فأخبر بما يكون للنطفة (^٣) بعد الطور الأوَّل من تفاصيل شأنها وتخليقها، وما يقدر لها وعليها، وذلك يقع في أوقات متعددة، وكلّه بعد الأربعين الأولى، وبعضه متقدم على بعض؛ كما أنَّ كونها علقةً متقدم (^٤) على كونها مضغةً، وكونها مضغة متقدِّم (^٥) على تصويرها، والتصوير متقدم على نفخ الروح، ومع (^٦) ذلك فيصح أن يقال: إنَّ النطفة بعد الأربعين تكون علقة ومضغة، ويصوَّر خلقُها، وتركَّب فيها العظام والجلد، ويشق لها السمع والبصر، وينفخ فيها الروح، ويكتب شقاوتها وسعادتها. وهذا لا يقتضي وقوع ذلك كله عقيب الأربعين الأولى من غير فصل.
_________________
(١) قراءة "ف": "ولا يعتبر شأنها".
(٢) "ف": "التعدية" تصحيف.
(٣) "ف، ط": "تكون النطفة"، "ك": "يكون بالنطفة".
(٤) "ف، ك، ط": "يتقدم"، والصوابُ ما أثبتنا، وهي قراءة "ن".
(٥) "وكونها مضغة" ساقط من "ن، ك". وفي "ن" هنا: "يتقدم".
(٦) سقطت الواو من "ك، ط".
[ ١ / ١٦١ ]