فصل
إذا تبيَّن هذا ظهر أنَّ أحدًا من المخلوقين لا يقصد منفعتَك بالقصد الأوَّل، بل إنَّما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدلَ، فإذا دعوتَه فقد دعوتَ من ضرُّه أقربُ من نفعه. وأمَّا الربُّ ﵎ فهو يريدك لك ولمنفعتك لا لينتفع بك، وذلك منفعة لك محضة لا ضرر فيها.
فتدبَّرْ هذا حقَّ التدبُّر وراعِه حق المراعاة، فملاحظتُه تمنعك أن ترجو المخلوق أو تطلب منه منفعته لك، فإنَّه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأوَّل، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلًا أو آجلًا، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك لا نفعك بنفسه. فتأمَّل ذلك، فإنَّ فيه منفعةً عظيمةً، وراحة، ويأشا من المخلوقين، وسدًّا (^١) لباب عبوديتهم، وفتحًا لباب عبودية اللَّه وحده. فما أعظمَ حظَّ من عرفَ هذه المسألة ورعاها حقَّ رعايتها!
ولا يحملنَّك هذا على جفوة النَّاس، وترك الإحسان إليهم واحتمال أذاهم، بل أحْسِن إليهم للَّه لا لرجائهم، فكما لا تَخَفْهم فلا ترجُهم (^٢).
وممَّا يبين ذلك أنَّ غالبَ الخلق يطلبون إدراك حاجتهم بك، وإن كان ذلك ضررًا عليك، فإنَّ صاحبَ الحاجة أعمى (^٣) لا يرى إلا قضاءَها.
_________________
(١) "ط": "سدًّا" دون واو العطف.
(٢) كذا في الأصل و"ف". وفي "ن": "لم تخفهم". وفي "ك، ط": "فكما لا تخافهم لا ترجوهم".
(٣) "أعمى" ساقط من "ط".
[ ١ / ١٣٠ ]
فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجاتهم (^١)، بل لو كان فيها هلاكُ دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك.
وهذا إذا تدبره العاقل علم أنَّه عداوة في صورة صداقة، وأنَّهُ لا أعدى للعاقل اللبيب من هذه العداوة. فهم يريدون أن يُصَيِّروك (^٢) كالكِير، تنفخ بطنَك وتعصر أضالعَك (^٣) في نفعهم ومصالحهم، بل لو أبيح لهم أكلُك لجزَرُوك كما يجزُرون الشاة! وكم يذبحونك كلَّ وقت بغير سكين لمصالحهم، وكم اتخذوك جسرًا ومعبرًا لهم إلى أوطارهم وأنت لا تشعر. وكم بعتَ آخرتك بدنياهم وأنت لا تعلم، وربما علمتَ! وكم بعتَ حظَّك من اللَّه بحظوظهم منك، ورُحْتَ صفر اليدين! وكم فوتوا عليك من مصالح الدَّارين، وقطعوك عنها، وحالوا بينك وبينها؛ وقطعوا عليك (^٤) طريق سفرك إلى منازلك الأولى ودارك التي دُعِيتَ إليها، وقالوا: نحن أحبابك، وخدمك، وشيعتك، وأعوانك، والساعون في مصالحك؛ وكذبوا! واللَّه إنْ هم إلا أعداء (^٥) في صورة أولياءَ، وحربٌ في صورة مسالمين، وقُطّاع طريق في صورة أعوان. فواغوثاه ثمَّ واغوثاه (^٦) باللَّه الذي يغيث ولا يغاث!
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ
_________________
(١) "ط": "حاجتهم".
(٢) "ك": "يضروك"، تحريف.
(٣) كتبت الكلمة في الأصل بالظاء، وكذا في "ف". وفي "ك، ط": "أضلاعك"، وفي حاشية "ك" إشارة إلى ما في الأصل. وفيها أيضًا: "ينفخ. . . يعصر".
(٤) "عليك" ساقط من "ك، ط".
(٥) "ك، ط": "إنهم لأعداء".
(٦) "ثم واغوثاه" سقط من "ط" واستدرك في القطرية.
[ ١ / ١٣١ ]
فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن/ ١٤].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ [المنافقون/ ٩].
فالسعيد الرابح من عامل اللَّه فيهم، ولم يعاملهم في اللَّه. وخاف اللَّه فيهم، ولم يخفهم في اللَّه؛ وأرضى اللَّه بسخطهم، ولم يُرضِهم بسخط اللَّه. وراقب اللَّه فيهم، ولم يراقبهم في اللَّه؛ وآثرَ اللَّه عليهم، ولم يؤثرهم على اللَّه. وأماتَ خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه، وأحيا حب اللَّه وخوفَه ورجاءَه فيه. فهذا (^١) هو الذي يكتَب عليهم، وتكون معاملته لهم كلُّها ربحًا، بشرط أن يصبر على أذاهم، ويتخذه مغنمًا لا مغرمًا، وربحًا لا خسرانًا.
وممَّا يوضح الأمر أن الخلقَ لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة، إلا بإذن اللَّه ومشيئته وقضائه وقدره. فهو في الحقيقة الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس/ ١٠٧].
قال النبي -ﷺ- لعبد اللَّه بن عباس: "واعلم أنَّ الخليقة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضرّوك لم يضروك إلا بشيءٍ كتبه اللَّه عليك" (^٢).
_________________
(١) "ن": "وهذا".
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦). والحديث صححه الترمذي وابن رجب. وأشار العقيلي إلى لين أسانيده عن ابن عباس. انظر: الضعفاء للعقيلي (٣/ ٥٤)، وجامع العلوم والحكم (١/ ٤٦٢) (ز).
[ ١ / ١٣٢ ]