* قال يحيى بن معاذ (^٣): "الفقر أن لا يستغني بشيء غير اللَّه،
_________________
(١) أثبت ناشر "ط" البيتين نثرًا، والبيت الأوَّلى ذكره المصنف في إغاثة اللهفان (٩٣٣)، وفيه: "حرًّا عزَّةً وصيانةً".
(٢) من حديث زيد بن ثابت، أخرجه أحمد (٢١٥٩٠) مطوَّلًا، والترمذي (٢٦٥٦)، وأبو داود (٣٦٦٠) مختصرًا، وابن ماجه (٤١٠٥) مطوَّلًا، وابن حبان (٦٧) مختصرًا. وليس عندهم لفظ "وكان اللَّه بكل خير إليه أسرع"، والحديث حسَّنه الترمذي، وصححه ابن حبان والبوصيري. وقد جاء الحديث عن أنس وأبي هريرة نحوه (ز).
(٣) الرَّازي أبو زكريا، الواعظ، من كبار المشايخ. مات في نيسابور سنة (٢٥٨ هـ). =
[ ١ / ٩٦ ]
ورسمُه عدمُ الأسباب كلها" (^١).
قلتُ: يريد عدَمَها في الاعتماد عليها والطمأنينة بها، بل تصير عدمًا بالنسبة إلى سبق مسبِّبها بالأوَّلية، وتفرده بالأزلية.
* وسُئِلَ محمد بن عبد اللَّه الفرغاني (^٢) عن الافتقار إلى اللَّه تعالى والاستغناء به أيهما أكمل (^٣)؟ فقال: "إذا صحَّ الافتقار إلى اللَّه تعالى صحَّ الاستغناء به، واذا صحَّ الاستغناءُ به صحَّ الافتقار إليه، فلا يقال أيهما أكملُ لأنَّه لا يتمّ أحدهما إلا بالآخر" (^٤).
قلتُ: الاستغناء باللَّه هو عين الفقر إليه، وهما عبارتان عن معنى واحد؛ لأنَّ كمالَ الغنى به هو كمالُ عبوديته، وحقيقةُ العبوديةِ كمالُ الافتقار إليه من كلِّ وجه، وهذا الافتقار هو عين الغنى به. فليس هنا شيئان يُطلَب تفضيلُ أحدهما على الآخر، وإنَّما يُتوهَّم كونُهما شيئين بحسب المستغنى عنه والمفتقَر إليه. فهي حقيقة واحدة ومقام واحد يُسمَّى "غنًى" بالنسبة إلى فراغه عن الموجودات الفانية، و"فقرًا" بالنسبة إلى قَصْر همَّته وجمعها على اللَّه ﷿. فهي همَّة سافرت عن شيء واتصلت بغيره، فسفرها عن الغير "غنى"، وسفرها إلى اللَّه "فقر". فإذا وصلتْ إليه استغنت به لكمال (^٥) فقرها إليه، إذ يصير لها بعد الوصول
_________________
(١) = طبقات الصوفية (١٠٧)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٥).
(٢) الرسالة القشيرية (٢٧٢).
(٣) نزل بغداد، ولزم الجنيد واشتهر بصحبته، وروى عنه كلامه. الأنساب (٤/ ٣٦٨).
(٤) "أيهما أكمل" ساقط من "ك، ط".
(٥) نقله القشيري (٢٧٣) من كلام الجنيد.
(٦) "ك، ط": "بكمال".
[ ١ / ٩٧ ]
فقر آخر غير فقرها الأوَّل، وإنَّما يكمل فقرها بهذا الوصول.
* وسئل رُويم (^١) عن الفقر فقال: "إرسال النفس في أحكام اللَّه تعالى" (^٢).
قلت: إن أراد الحكم الديني فصحيح، وإن أراد الحكم الكونيّ القدريّ فلا يصح هذا الإطلاق، بل لا بدّ فيه من التفصيل كما تقدَّم بيانه (^٣). وإرسالُ النفس في أحكامه التي يسخطها ويبغضها، أو إرسالُها في أحكامه التي يجب منازعتُها ومدافعتُها بأحكامه خروجٌ عن العبودية.
* وقيل: "نعتُ الفقير ثلاثة أشياء: حفظ سرّه، وأداءُ فرضه، وصيانة فقره" (^٤).
قلتُ: حفظُ السرِّ كتمانُه صيانةً له من الأغيار، وغيرةً عليه أن ينكشف لمن لا يعرفه ولا يؤمَن عليه. وأداء الفرض قيامٌ بحقّ العبودية. وصيانةُ الفقر حفظُه عن لَوث مساكنةِ الأغيار، وحفظُه عن كلِّ سببٍ يفسده، وكتمانه ما استطاع.
* وقال إبراهيم بن أدهم (^٥): "طلبنا الفقرَ فاستقبلَنا الغنى، وطلب
_________________
(١) رُويم بن أحمد بن يزيد البغدادي. من جلَّة المشايخ، كان مقرئًا وفقيهًا على مذهب داود الظاهري، توفي سنة (٣٠٣ هـ). طبقات الصوفية (١٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٣٤).
(٢) الرسالة القشيرية (٢٧٣).
(٣) انظر ما سلف في ص (٧٤).
(٤) القشيرية (٢٧٣).
(٥) العجلي -وقيل: التميمي- البلخي، نزيل الشام، الزاهد المشهور، توفي سنة (١٦٢ هـ)، طبقات الصوفية (٢٧)، السير (٧/ ٣٨٧).
[ ١ / ٩٨ ]
النَّاسُ الغنى فاستقبلهم الفقرُ" (^١).
* وسُئِلَ يحيى بن معاذ عن الغنى فقال: "هو الأمن باللَّه ﷿" (^٢).
* وسُئِلَ أبو حفص (^٣): بماذا ينبغي أن يقدم الفقير على ربِّه؟ فقال: "ما ينبغي للفقير أن يقدم على ربِّه بشيء سوى فقره" (^٤).
* وقال بعضهم (^٥): إنَّ الفقير الصادق لَيخشى من الغنى حِذارًا (^٦) أن يدخله فيفسد عليه فقره، كما يخشى الغنيُّ الحريصُ من الفقر أن يدخله فيفسد عليه غناه".
* وقال بشر بن الحارث (^٧): "أفضل المقامات اعتقاد الصبر على الفقر إلى القبر" (^٨).
قلتُ: ومن ههنا قال القائل (^٩):
_________________
(١) القشيرية (٢٧٣).
(٢) المصدر السابق (٢٧٤)، وقد تقدم قوله في الفقر في أوَّل الفصل.
(٣) عمرو بن سلمة النيسابوري الزاهد، شيخ خراسان. قال السلمي: هو أوَّل من أظهر طريقة التصوف بنيسابور، توفي سنة ٢٦٤ هـ، وقيل غير ذلك. طبقات الصوفية (١١٥)، السير (١٢/ ٥١٠).
(٤) القشيرية (٢٧٤)، وسيأتي له قول آخر.
(٥) وهو ابن الكُرِّيني كما في القشيرية (٢٧٤)، وهو أبو جعفر محمد بن كثير، من صوفية البغداديين. انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٤١٣)، والأنساب (٤/ ٦٣).
(٦) "ط": "حذرًا".
(٧) المروزي ثمَّ البغدادي المعروف بالحافي، الزاهد المشهور (١٥٢ - ٢٢٧ هـ)، السير (١٠/ ٤٦٩).
(٨) القشيرية (٢٧٤).
(٩) من أربعة أبيات أوردها أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٤٠) لأبي بكر الشبلي (٣٣٤ هـ)، وهي في القشيرية (٢٧٨)، وعوارف المعارف (٢٣٦).
[ ١ / ٩٩ ]
قالوا: غدا العيدُ ماذا أنت لابسُه؟ فقلتُ: خلعةَ ساقٍ حِبَّه جُرَعا (^١)
فقرٌ وصبرٌ هما ثوبان تحتهما قلبٌ يرى إلفَه الأعيادَ والجُمَعا (^٢)
الدهر لي مأتمٌ إن غبتَ يا أملي والعيدُ مادمتَ لي مرأى ومستمَعا (^٣)
* وسئل ابن الجلّاءِ (^٤): متى يستحقّ الفقير اسمَ الفقر؟ فقال: "إذا لم يبقَ عليه بقيّةٌ منه". فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: "إذا كان له فليس له، وإذا لم يكن له فهو له" (^٥).
قلت: معنى هذا أنّه لا يبقَى عليه بقيّة من نفسه، فإذا كان لنفسه فليس لها، بل قد أضاع حقَّها، وضيَّع سعادتَها وكمالَها. وإذا لم يكن لنفسه، بل كان كلُّه لربّه، فقد أحرز كلَّ حظٍّ له، وحصّل لنفسه سعادتَها. فإنه إذا كان للَّه كان اللَّه له، وإذا لم يكن للَّه لم يكن اللَّه له، فكيف تكون نفسه له؟ فهذا من الذين خسروا أنفسهم.
* وقيل: "حقيقة الفقر أن لا يستغني الفقيُر في فقره بشيء إلّا بمن إليه فقرُه" (^٦).
* وقال أبو حفص (^٧): "أحسنُ ما توسّل به العبدُ إلى مولاه دوامُ الفقر
_________________
(١) الحلية: أتى العيد. العوارف: "عبدَه الجرعا".
(٢) العوارف: "يرى ربه".
(٣) في الحلية والقشيرية: "ما كنت لي".
(٤) أبو عبد اللَّه أحمد بن يحيى، أصله من بغداد، أقام بالرملة ودمشق، وكان من كبار مشايخ الشام. طبقات الصوفية (١٧٦).
(٥) القشيرية (٢٧٥).
(٦) المصدر السابق.
(٧) قد سبق آنفًا قول آخر لأبي حفص.
[ ١ / ١٠٠ ]
إليه على جميع الأحوال، وملازمةُ السنّة في جميع الأفعال، وطلبُ القوت من وجه حلال" (^١).
* وقال بعضهم (^٢): "ينبغي للفقير أن لا تسبق همتُه خطوتَه".
قلتُ: يشير إلى تعلق همَّته بواجب وقته، وأنَّهُ لا تتخطى همَّته واجبَ الوقت قبل إكماله. وأيضًا يشير إلى قصر أمله، وأنَّ همَّته غيرُ متعلقةٍ بوقتٍ لا يحذث نفسه ببلوغه. وأيضًا يشير إلى جمع الهمَّة على حفظ الوقت، وأن (^٣) لا يضعفها بتقسيمها على الأوقات.
* وقيل: "أقلُّ ما يلزم الفقير في فقره أربعة أشياء: علم يسوسُه، وورع يحجزُه، ويقين يحمِله، وذكر يؤنسه" (^٤).
* وقال أبو سهل الخشَّاب لمنصور المغربي (^٥): "إنَّما هو فقر وذلّ"، فقال منصور: "بل فقر وعز"، فقال أبو سهل: "فقر وثرى"، فقال منصور: "بل فقر وعرش" (^٦).
قلتُ: أشار أبو سهل إلى البداية، ومنصور إلى الغاية.
* وقال الجنيد: "إذا لقيتَ الفقيرَ فَالْقَه بالرفق ولا تَلْقَه بالعلم، فإنَّ
_________________
(١) القشيرية (٢٧٥).
(٢) وهو أبو محمد المرتعش النيسابوري المتوفى ببغداد سنة (٣٢٨ هـ). انظر: القشيرية (٢٧٥) وطبقات الصوفية (٣٤٩).
(٣) "ك، ط": "ولا".
(٤) القشيرية: (٢٧٦).
(٥) منصور بن خلف المغربي من شيوخ أبي القاسم القشيري.
(٦) القشيرية (٢٧٦).
[ ١ / ١٠١ ]
الرفقَ يؤنسه، والعلم يُوحشه"، فقلتُ (^١): يا أبا القاسم، كيف يكون فقير يوحشه العلم؟ فقال: "نعم، الفقير إذا كان صادقًا في فقره فطرحتَ عليه العلمَ ذاب كما يذوب الرصاص في النار".
* وقال أبو المظفر القِرْمِيسِيني (^٢): "الفقير هو الذي لا يكون له إلى اللَّه حاجة". قال أبو القاسم القشيري: "وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم، وإنَّما أشار قائله إلى سقوط المطالبات، وانتفاء الاختيار (^٣)، والرضى بما يُجريه الحقُّ ﵎" (^٤).
قلتُ: وبعدُ فهو كلام مستدرَكٌ خطأ، فإنَّ حاجاتِ هذا العبد إلى اللَّه بعدد الأنفاس، إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام، بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتَفْلَةٍ في بَحْر. فإنَّ حاجتَه إلى اللَّه في كلِّ طرفة عين أن يحفظ عليه حالَه، ويثبّت قلبَه، ويُرقّيَه في مقامات العبودية، ويصرفَ عنه ما يفسدها عليه، ويعرِّفه منازلَ الطريق ومكامنها وآفاتِها (^٥)، ويعرِّفه مواقعَ رضاه ليفعلها ويعزم عليها، ومواقعَ سخطه ليعزم على تركها (^٦) ويجتنبها. فأي حاجاتٍ أكثر وأعظم
_________________
(١) القائل أبو محمد المرتعش. انظر: القشيرية (٢٧٦). وطبقات الصوفية (١٦٠).
(٢) كذا في الأصل وغيره. ولعله سهو، فإنَّه في القشيرية -مصدر المؤلف- وغيره "المظفر" لا "أبو المظفر". وهو من كبار مشايخ الجبل، صحب عبد اللَّه الخراز الرازي المتوفى قبل (٣١٠ هـ) ومن فوقه من المشايخ. طبقات الصوفية (٣٩٦).
(٣) "ك، ط": "الاختيارات".
(٤) القشيرية (٢٧٧).
(٥) "ك، ط": "أوقاتها"، تحريف.
(٦) "على تركها" سقط من "ف" سهوًا.
[ ١ / ١٠٢ ]
من هذه؟
فالصوابُ أن يقال: الفقيرُ هو الذي حاجاته إلى اللَّه بعدد أنفاسه أو أكثر، فالعبدُ له في كلِّ نفس ولحظة وطرفة عين عدَّةُ حوائج إلى اللَّه لا يشعر بكثيرٍ منها، فأفقر النَّاسِ إلى اللَّه من شعر بهذه الحاجات وطلَبها من معدنها بطريقها. وإن كان لا بُدَّ من إطلاق تلك العبارة -على أنَّ منها كلَّ بدّ! - فيقال: هو الذي لا حاجة له إلى اللَّه تُخالِف مرضاتَه وتحطُّه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء. وأمَّا أن يقال: لا حاجة له إلى اللَّه، فشطح قبيح.
وأمَّا حملُ أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار، فإنَّما يحسن في بعض الحالات، وهو في القدَر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَرٍ آخر كما تقدم (^١). وأمَّا إذا كان مأمورًا بدفعه ومنازعته بقدَر هو أحبُّ إلى اللَّه منه، وهو مأمور به أمرَ إيجابٍ أو استحباب، فإسقاطُ المطالبات وانتفاءُ الاختيار فيه والسعي عينُ العجز، واللَّه تعالى يلوم على العجز.
* وقال ابن خفيف (^٢): "الفقرُ عدمُ الأملاك، والخروجُ عن أحكام الصفات" (^٣).
_________________
(١) انظر: ص (٧٧).
(٢) أبو عبد اللَّه محمد بن خفيف الشيرازي المتوفى سنة (٣٧١ هـ) كان شيخ المشايخ في وقته. طبقات الصوفية (٦٤٢).
(٣) القشيرية (٢٧٧).
[ ١ / ١٠٣ ]
قلتُ: يريد به (^١) عدمَ إضافةِ شيءٍ إليه إضافةَ ملك، وأن يخرج عن أحكام صفات نفسه، ويبدلها بأحكام صفات مالكه وسيده. مثاله أن يخرج عن حكم صفة قدرته واختياره التي تُوجِبُ له دعوى الملَكة (^٢) والتصرف والإضافات، ويبقى بأحكام صفة القدرة الأزلية التي توجبُ له العجز والفقر والفاقة، كما في دعاء الاستخارة: "اللَّهمَّ إنِّي أستخيرك بعلمكَ، وأستقدِرُكَ بقدرتِكَ، وأسألك من فضلك، فإنَّك تعلمُ ولا أعلمُ، وتقدِرُ ولا أقدِرُ (^٣)، وأنت علَّامُ الغيوب" (^٤)، فهذا اتصاف بأحكام الصفات العلى في العبد، وخروج عن أحكام صفات النفس.
* وقال أبو حفص (^٥): "لا يصح لأحدٍ الفقر حتَّى يكون العطاءُ أحبَّ إليه من الأخذ، وليس السخاءُ أن يعطي الواجدُ المعدِمَ، وإنَّما السخاءُ أن يعطي المعدمُ الواجدَ" (^٦).
* وقال بعضهم (^٧): "الفقيرُ: الذي لا يرى لنفسه حاجةً إلى شيءٍ من الأشياءِ سوى ربه ﵎".
_________________
(١) "به "ساقط من "ك، ط".
(٢) "ط": "الملك". وفي "ك": "دعوة الملك".
(٣) "ك، ط": "من فضلك العظيم، فإنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم". وكذا في صحيح البخاري.
(٤) من حديث جابر ﵁. أخرجه البخاري في كتاب التهجد (١١٦٢)، وانظر رقم (٧٣٩٠).
(٥) قد سبق له قولان آخران في ص (٩٩، ١٠٠).
(٦) القشيرية (٢٧٧).
(٧) هو محمد المُسُوحي، انظر: المصدر السابق (٢٧٧).
[ ١ / ١٠٤ ]