* وسُئِلَ سهل بن عبد اللَّه (^١): متى يستريحُ الفقير؟ فقال: "إذا لم ير لنفسه غير الوقت الذي هو فيه".
*وقال أبو بكر بن طاهر (^٢): "من حكم الفقير أن لا يكون (^٣) له رغبة، وإنْ كان لا بدَّ فلا تجاوز رغبتُه كفايتَه" (^٤).
* وسُئِلَ بعضهم (^٥) عن الفقيرِ الصادق، فقال: "الذي لا يَملِك ولا يُملَك".
*وقال ذو النون (^٦): "دوام الفقرِ إلى اللَّه تعالى مع التخليط أحبُّ إليَّ من دوام الصفاء مع العُجْبِ" (^٧).
فصل
فجملة نعت الفقيرِ حقًّا أنَّه المتخلي من الدنيا تظرّفًا (^٨)، والمتجافي عنها تعفّفًا، لا يستغني بها تكثّرًا (^٩)، ولا يستكثر منها تملُّكًا. وإن كان
_________________
(١) التستري، انظر: المصدر السابق.
(٢) اسمه عبد اللَّه بن طاهر الأبهري، من أقران الشبلي. وكان من أجلِّ المشايخ بالجبل. توفي نحو (٣٣٠ هـ)، طبقات الصوفية (٣٩١).
(٣) "ف": "تكون"، والأصل غير منقوط. وفي "ك، ط" والقشيرية كما أثبتنا.
(٤) القشيرية (٢٧٨).
(٥) هو أبو بكر المصري كما في القشيرية. وهو محمد بن أحمد بن محمد الكناني المصري الشافعي ابن الحدَّاد، لازم النسائي وتخرَّج به، توفي سنة (٣٤٥ هـ). السير (١٥/ ٤٤٥).
(٦) القشيرية (٢٧٨).
(٧) بعده في "ك، ط": "واللَّه أعلم".
(٨) "ك": "تطرقًا"، "ط": "تطرفًا"، وكلاهما تصحيف.
(٩) "ن": "تكبرًا".
[ ١ / ١٠٥ ]
مالكًا لها بهذا الشرط لم تضرَّه (^١)، بل هو فقيرٌ غناه في فقره، وغني فقرُه في غناه.
ومن نعته أيضًا أن يكون فقيرًا من حاله، وهو خروجه عن الحال تبرِّيًا، وتركُ الالتفات إليه تسلّيًا، وتركُ مساكنة الأحوال، والرجوعُ عن موافقتها؛ فلا (^٢) يستغني بها اعتمادًا عليها، ولا يفتقرُ إليها مساكنةً لها.
ومن نعته أنَّه يعمل على موافقة اللَّه في (^٣) الصبر والرضى والتوكل والإنابة، فهو عاملٌ على مراد اللَّه منه لا على موافقة هواه، وهو تحصيل مراده من اللَّه. فالفقيرُ خالص بكلِّيته للَّه ﷿، ليس لنفسه ولا لهواه في أحواله حظٌّ ولا نصيب (^٤)، بل عملُه بقيام شاهدِ الحقِّ وفناءِ شاهد نفسه. قد غيّبه شاهدُ الحقِّ عن شاهد نفسه، فهو يريد اللَّه بمراد اللَّه، فمعوَّله على اللَّه، وهمَّته لا تقف دون شيءٍ سواه. قد فني بحبّه عن حبِّ ما سواه، وبأمره عن هواه، وبحسن اختياره له عن اختياره لنفسه. فهو في وادٍ، والنَّاسُ في واد!
خاضع، متواضع، سليم القلب، سلِس القياد (^٥) للحقِّ، سريع القلب إلى ذكر اللَّه، بريء من الدعاوى لا يدعي بلسانه ولا بقلبه ولا بحاله. زاهدٌ في كلِّ ما سوى اللَّه، راغبٌ في كلِّ ما يقرِّب إلى اللَّه، قريبٌ من النَّاسِ، أبعد شيءٍ منهم، يأنس بما يستوحشون منه،
_________________
(١) "ف": "لم يضره" تصحيف.
(٢) "فلا" ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.
(٣) "ط": "والصبر"، وصحح في القطرية.
(٤) "ط": "ونصيب".
(٥) "ط": "القيادة"، وصحح في القطرية.
[ ١ / ١٠٦ ]
ويستوحش ممَّا يأنسون به، متفرد (^١) في طريق طلبه، لا تقيده الرسوم، ولا تملكه العوائد (^٢)، ولا يفرح بموجود، ولا يأسف على مفقود.
من جالسه قرَّت عينه به، ومن رآهُ ذكَّرتْه رؤيتُه باللَّه. قد حملَ كَلَّه ومُؤنته عن النَّاسِ، واحتمل أذاهم، وكفَّ (^٣) أذاه عنهم. وبذلَ لهم نصيحته، وسبَّل لهم عِرْضه ونفسه لا لمعاوضة ولا لذلَّة وعجز. لا يدخلُ فيما لا يعنيه، ولا يبخلُ بما لا ينقصه.
وصفه الصدق والعفَّة والإيثار والتواضع والحلم والوقار والاحتمال. لا يتوقع لما يبذله للنَّاسِ منهم عوضًا (^٤)، ولا مدحة. لا يعاتِب، ولا يخاصم، ولا يطالِب، ولا يرى له على أحدٍ حقًّا، ولا يرى له على أحدٍ فضلًا.
مقبلٌ على شأنه، مكرمٌ لإخوانه، بخيل بزمانه، حافظ للسانه، مسافرٌ في ليله ونهاره، ويقظته ومنامه، لا يضغ عصا السيرِ عن عاتقه حتَّى يصل إلى مطلبه.
قد رُفِعَ له عَلَمُ الحبِّ، فشمَّرَ إليه، وناداهُ داعي الاشتياق، فأقبل بكلّيته عليه. أجابَ منادي المحبة إذ دعاه: حيَّ على الفلاح، وواصل السُّرى (^٥) في بيداءِ الطلب، فحمِد عند الوصول مسراه (^٦)، وإنَّما يحمد
_________________
(١) "ك، ط": "منفرد".
(٢) "ك، ط": "الفوائد"، تحريف.
(٣) "ك": "بكف أذاه".
(٤) "ط": "عوضًا منهم".
(٥) "ك": "وصل السير". "ط": "وصل السرى".
(٦) "ط": "سراه".
[ ١ / ١٠٧ ]