آخريته، والآخِر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.
والتعبد بهذه الأسماء له (^١) رتبتان:
الرتبة الأولى: أن يَشهدَ (^٢) الأوليةَ منه تعالى في كل شيء، والآخريةَ بعد كل شيء، والعلوَّ والفوقية فوق كل شيء، والقربَ والدنوَّ دون كل شيء. فالمخلوق يحجبه مثلُه عمَّا هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب؛ والربُّ ﷻ ليس دونه شيء هو (^٣) أقرب إلى الخلق منه.
والمرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كلَّ اسم بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسَبْقَه بفضله وإحسانه الأسبابَ كلَّها، بما يقتضيه ذلك من إفراده، وعدم الالتفات إلى غيره، والوثوق بسواه والتوكل على غيره. فمن (^٤) الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتَّى سمَّاك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عِمالاتِ (^٥) المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك عن (^٦) التزام الرق لمن له شكل ونديد؟ ثمَّ وَجِّه وجهةَ قلبِك إليه ﵎ دون ما سواه.
_________________
(١) "له" ساقط من "ط".
(٢) "ك، ط": "تشهد".
(٣) "هو" ساقط من "ك، ط".
(٤) "ك، ط": "من ذا".
(٥) أقطع فلانًا أرضًا: أعطاه إياها تمليكًا أو للانتفاع بها. والعمالة: أجرة العامل، والإمارة والولاية.
(٦) "ك، ط": "مِن".
[ ١ / ٤٨ ]
فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القِدَم، أن يُتِمَّ عليك نعمةَ هو ابتدأها، وكانت أوليتُها منه بلا سبب منك. واسْمُ بهمتك عن ملاحظة الأغيار (^١)، ولا تركن (^٢) إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون. وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة اللَّه، فانَ اللَّه ﷿ قضى أن لا ينالَ ما عنده إلا بطاعته. ومن كان للَّه كما يريد كان اللَّه له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقَّاه من بعيد، ومن تصرّف بحوله وقوَّته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد.
ثمَّ اسمُ بسرِّك إلى المطلب الأعلى، واقصُرْ حبَّك وتقربك على من سبق فضلُه وإحسانهُ إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأها لك (^٣)، وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكَّلْ عليه وحده، وعامِلْه وحده، وآثِرْ مرضاتَه (^٤) وحده، واجعل حُبَّه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفًا بها، مستلمًا لأركانها، واقفًا بملتزمها. فيا فوزك ويا سعادتك إن اطَّلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخِلَع أفضاله! "اللَّهم لا مانعَ لما أعطيتَ ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ" (^٥)، سبحانَك وبحمدِك.
_________________
(١) "ط": "الاختيار". وكذا كان في "ك"، فأصلحه بعض القراء.
(٢) "ك، ط": "ولا تركنن".
(٣) "ط": "وهيأ لك".
(٤) "ك، ط": "رضاه".
(٥) من حديث سيأتي في ص (٤٤٣).
[ ١ / ٤٩ ]
ثمَّ تعبَّدْ له باسمه "الآخر" بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءَه. فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعدَ كل آخِر، فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإنَّ إلى ربِّك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات، فليس وراءه مرمى ينتهى إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه "الظاهر".
وأمَّا التعبد باسمه "الباطن" فإذا شهدتَ إحاطته بالعوالم، وقربَ البعيد (^١) منه، وظهورَ البواطن له، وبدوَّ السرائر له (^٢)، وأنَّه لا شيء بينه وبينها، فعامِلْه بمقتضى هذا الشهود، وطهِّر له سريرتك، فإنَّها عنده علانية؛ وأصلحْ له غيبَك، فإنَّه عنده شهادة؛ وزكِّ له باطنك، فإنَّه عنده ظاهر.
فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعةُ جمَاعَ المعرفة باللَّه، وجماع العبودية له. فهنا وقفَتْ شهادةُ العبدِ مع فضَل خالقه ومنته، فلَا يرى لغيره شيئًا إلا به وبحوله وقوَّته؛ وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو ممَّا كان يستند إليه، أو يتحلَّى به، أو يتخذه عُقدة (^٣)، أو يراه ليوم فاقته، أو يعتمد عليه في مهمَّة من مهمَّاته. فكلُّ ذلك من قصورِ نظرِه وانعكاسِه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع، كما هو شأن الطبيعة والهوى، وموجَب الظلم والجهل، والإنسان ظلومٌ جهول.
فمن جلَّى اللَّه سبحانه صدأَ بصيرته، وكمَّل فطرته، وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها، أصبح
_________________
(١) "ك، ط": "العبيد".
(٢) "له" ساقط من "ك، ط".
(٣) "ف": "عقده"، وكذا في "ط". وفي "ك": "عمده". ولعلَّ الصواب ما أثبتنا، والعقدة هي المال الذي يقتنيه المرء.
[ ١ / ٥٠ ]
كالمفلس (^١) حقًّا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه. يقول: أستغفر اللَّه من علمي ومن عملي، أي من انتسابي إليهما وغيبتي (^٢) بهما عن فضل من ذكَرني بهما، وابتدأني بإعطائهما، من غير تقدُّم سبب منِّي يُوجبُ ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبقِ مِنّته ودوامها (^٣)، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية (^٤) بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابَين:
أحدهما: الخلاصُ من رؤية الأعمال حيث كان يراها، ويمتدح بها، ويستكثرها؛ فيستغرق بمطالعة الفضل غائبًا عنها، ذاهبًا عنها، فانيًا عن رؤيتها.
الثواب الثاني: أن يقطعه عن شهود الأحوال -أي عن شهود نفسه فيها متكثرةً بها- فإنَّ الحالَ محلُّه الصدر، والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاءُ في الصدر للقلب (^٥) وَثَبَتْ (^٦) النفسُ لتأخذَ نصيبها من العطاء، فتتمدح به، وتُدِلُّ به، وتزهو، وتستطيل، وتقرِّر إنِّيَّتها، لأنَّها جاهلة ظالمة، وهذا مقتضى الجهل والظلم. فإذا وصلَ إلى القلبِ نورُ صفة المِنَّة، وشهد معنى اسمه "المنَّان"، وتجلَّى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه "الأوَّل" ذَهَلَ القلبُ والنفسُ به، وصار العبدُ فقيرًا
_________________
(١) "ك، ط": "كمفلس".
(٢) الأصل غير منقوط، وقراءة "ف": "غنيتي"، والمثبت من غيرها.
(٣) "ك، ط": "دوامه".
(٤) "ف": "الغالبة لحقيقة"، تصحيف.
(٥) "ف": "انقلب"، تحريف.
(٦) "ط": "ثبتت"، تحريف.
[ ١ / ٥١ ]
إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأوَّل، فصارَ مقطوعًا عن شهود أمرٍ أو حالٍ ينسبه إلى نفسه، بحيث يكون بشهادته لحاله مفصومًا مقطوعًا عن رؤية عزةِ مولاه وفاطِرِه وملاحظة صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منَّة خالقِه وفضلِه، ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها؛ وغائب بمشاهدة عزَّة نفسه عن عزَّة مولاه. فينعكس هذا الأمر في حقِّ هذا العبد الفقير، وتشغله رؤيةُ عزَّةِ مولاه ومنّته ومشاهدةُ سبقِه بالأولية عن حالٍ يعتزُ بها العبد أو يشرُف بها.
وكذلك الرجوعُ إلى السبق بمطالعة الفضل يمحِّصُ من أدناس مطالعات المقامات، فـ "المقام" ما كان راسخًا فيه، "والحال" ما كان عارضًا لا يدوم. فمطالعاتُ المقامات (^١)، وتشرُّفُه (^٢) بها، وكونُه يرى نفسَه صاحبَ مقام قد حقَّقه وكمَّله، فاستحقَّ أن ينسب إليه، ويوصف به، مثل أن يقال: زاهدٌ صابرٌ خائفٌ راجٍ محبٌّ راضٍ = فكونُه يرى نفسَه مستحقًّا بأن تضاف المقاماتُ إليه وبأن يوصَف بها -على وجه الاستحقاق لها- خروجٌ عن الفقر إلى الغنى، وتعدٍّ لطور العبودية، وجَهلٌ بحقِّ الربوبية.
فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرقُ همة العبد، ويمحّصُه، ويُطهّره (^٣) من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفًّى بنور اللَّه عن رذائل هذه الأرجاس.
_________________
(١) "ك، ط": "المقامة"، ثمَّ أصلحها بعضهم في "ك".
(٢) "ط": "تشوفه".
(٣) "ف": "تستغرق. . . تمحصه وتطهره" تصحيف.
[ ١ / ٥٢ ]