والمقصود أنَّ التعبد باسم (^١) "الظاهر" يجمع القلبَ على المعبود، ويجعل له ربًّا يقصده، وصمدًا يصمُد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه. فإذا استقرَّ ذلك في قلبه، وعرف ربه باسمه "الظاهر" استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفرُّ كل وقتٍ إليه.
وأمَّا تعبده باسمه "الباطن" فامرٌ يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكِلّ اللسانُ عن وصفه، وتصطلم الإشارةُ إليه، وتجفو العبارة عنه؛ فإنَّه يستلزمُ معرفةً بريئةً من شوائب التعطيل، مخلَصةً من فرْث التشبيه (^٢)، منزَّهةً عن رجس الحلول والاتحاد؛ وعبارةً مؤدية للمعنى كاشفةً عنه، وذوقًا صحيحًا، سليمًا من أذواق أهل الانحراف. فمن رُزِقَ هذا فهِمَ معنى اسمه "الباطن"، وصحَّ له التعبد به.
وسبحانه اللَّه كم زلَّت في هذا المقام أقدام، وضلَّت فيه أفهام! وتكلَّم فيه الزنديق بلسان الصدِّيق، واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين، لِنُبوِّ الأفهام عنه، وعزَّةِ تخلّص الحقَّ من الباطل فيه، والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه اللَّه بصيرةً في الحقِّ، ونورًا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانًا يفرِّق به (^٣) بين الحقِّ
_________________
(١) "ك، ط": "باسمه".
(٢) هذا التعبير مأخوذ من قوله تعالى في سوره النحل ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. وقد لهج به المصنف، فورد في غير موضع من كتبه. انظر مثلًا مقدمة النونية: (٤٢)، وبدائع الفوائد: (٢٩١)، ومدارج السالكين (٣: ١٢٢). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب في ص (٥٤). وانظر نحوه في قول الشاشي في نفح الطيب (٥: ٢٨٦).
(٣) "به" ساقطة من "ك، ط". وقد استدركت في القطرية.
[ ١ / ٤١ ]
والباطل، ورُزِقَ مع ذلك اطلاعًا على أسباب الخطا، وتفرق الطرق، ومثار الغلط، فكان (^١) له بصيرة في الحقِّ والباطل. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.
وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب ﵎ بالعالم وعظمته، وأنَّ العوالم كلها في قبضته، وأنَّ السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد (^٢)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء/ ٦٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾ [البروج/ ٢٠]
ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدالّين على هذين المعنيين: اسم العلوّ الدالّ على أنَّهُ الظاهر وأنَّهُ لا شيء فوقه، واسم العظمة الدالّ على الإحاطة وأنَّهُ لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة/ ٢٥٥، الشورى/ ٤]، وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾ [سبأ/ ٢٣]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [البقرة/ ١١٥] (^٣).
وهو ﵎ كما أنَّه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهرَ على كلِّ شيء وكان (^٤) فوقه،
_________________
(١) "ط": "وكان".
(٢) يشير إلى قول ابن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد اللَّه إلا كخردلة في يد أحدكم" وقد أخرجه الطبري في في تفسيره (٢٠/ ٢٤٦).
(٣) وانظر الصواعق: (١٣٦٥).
(٤) "ك": "وهو فوقه". "ن": "فكان"، وكذا في "ط".
[ ١ / ٤٢ ]
وبطن فكان أقرب إلى كلِّ شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس (^١) في قبضة نفسه، فهذا قرب الإحاطة العامة (^٢).
وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقربٌ خاصٌّ من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه "الباطن"، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة/ ١٨٦]، فهذا قربه من داعيه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف/ ٥٦] فذكَّر (^٣) الخبر -وهو"قريب"- عن لفظ "الرحمة" وهي مؤنثة إيذانًا بقربه تعالى من المحسن (^٤)، فكأنَّهُ قال: إنَّ اللَّه برحمته قريبٌ من المحسنين (^٥).
وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- (^٦): "أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد" (^٧) و"أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل" (^٨)، فهذا
_________________
(١) "ط": "وليس شيء".
(٢) "ط": "أقرب للأحاطة العامة"، غلط.
(٣) في الأصل: "فوحد"، وهو سهو، وكذا في "ف، ن".
(٤) "ك، ط": "المحسنين".
(٥) وانظر كلامًا مستفيضًا للمؤلف على هذه المسألة في بدائع الفوائد (٨٦٢ - ٨٨٩). وانظر أيضًا: رسالتي الروذراوري وابن مالك (ط سليمان العايد) ورسالة ابن هشام (ط الحموز).
(٦) زاد في "ط": "قال".
(٧) من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٨٢).
(٨) أخرجه الترمذي (٣٥٧٩)، والنسائي (٥٧٢)، وابن خزيمة في صحيحه (١١٤٧)، والحاكم في المستدرك (١/ ٤٥٣) (١١٦٢) وغيرهم. قال الترمذي: =
[ ١ / ٤٣ ]
قربٌ خاصٌّ غير قرب الإحاطة وقرب البطون.
وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنَّهم كانوا مع النبي -ﷺ- في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال: "أيها النَّاس اربعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّ الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ، أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته" (^١)، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعني: فأيُّ حاجة بكم إلى رفع الأصوات، وهو لقربه يسمعها، وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنَّه سميع قريب؟
وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلَّما كان الحب أعظم كان القرب أكثر (^٢). وقد يستولي (^٣) محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيره، ويغلب محبوبه على قلبه حتَّى كأنَّهُ يراه ويشاهده، فإنْ (^٤) لم يكن عنده معرفة صحيحة باللَّه وما يجب له ويستحيل (^٥) عليه، وإلا (^٦) طرق بابَ الحلول إن لم يلِجْه. وسببه ضعف تمييزه، وقوة
_________________
(١) = "حسن صحيح غريب من هذا الوجه". والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، ولم يتعقبه الذهبي (ز).
(٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (٢٩٩٢) وغيره.
(٣) وانظر: المدارج (٢/ ٣٠٥)، والبدائع (٣/ ٨٤٥)، ومجموع الفتاوى (١٥/ ١٧).
(٤) كذا في الأصل بالياء. وفي "ك، ط": "وقد استولت".
(٥) "ك": "فإذا".
(٦) "ط": "وما يستحيل".
(٧) وقعت "إلا" هنا في غير موقعها، ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، ولعلَّه من الأخطاء الشائعة في زمن المصنف، فقد تكرَّر في كتبه وكتب شيخه. انظر مثلًا =
[ ١ / ٤٤ ]
سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه (^١)، وفي مثل هذه الحال يقول: "سبحاني" أو "ما في الجبة إلا اللَّه" (^٢)، ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن تُغفرَ (^٣) له ويُعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال.
فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله سبحانه أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.
ومن كثُفَ ذهنُه وغلُظ طبعُه عن فهمِ هذا فليضرِبْ عنه صفحًا إلى ما هو أولى به (^٤)، فقد قيل:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوِزْه إلى ما تستطيع (^٥)
فمن لم يكن له ذوقٌ مِن قرب المحبة، ومعرفةٌ بقرب المحبوب من محبّه غاية القرب، وإنْ كان بينهما غايةُ المسافة -ولاسيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإنَّ المحبَّ كثيرًا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره،
_________________
(١) = هذا الكتاب ص (٢٢٧، ٢٢٨)، والداء والدواء (٢٣٩)، وشفاء العليل (١٩٨)، وجامع المسائل (١/ ٩٢، ١٧١) و(٢/ ٢٠٢)، ومجموع الفتاوى (١١/ ٢٧).
(٢) "ط": "ما سواه". وانظر: الوابل الصيب (١٥٩).
(٣) تنسب هذه الكلمات إلى أبي يزيد البسطامي (٢٦١ هـ) انظر مجموع الفتاوى (٨/ ٣١٣)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٨٨).
(٤) "ك، ط": "يغفر".
(٥) "به" ساقط من "ك"، وبعده فيها: "وقد قيل".
(٦) البيت لعمرو بن معد يكرب في مجموع شعره (١٤٥).
[ ١ / ٤٥ ]