القوم السُّرى عند الصباح:
فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها منازلُكَ الأولى وفيها المخيَّمُ (^١)
ولكنَّنا سَبْيُ العدوّ، فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلِّمُ
وحيَّ على روضاتها وخيامها وحيَّ على عيشِ بها ليس يُسأَمُ
وحيَّ على يوم المزيد وموعدِ الـ ـمحبِّين، طوبى للذي هو منهمُ
وحيَّ على وادٍ بها [هو أفيَحٌ وتربتُه من أذفرِ المسك أعظمُ] (^٢)
منابرُ من نورٍ [هناكَ وفضَّةٍ ومن خالص العِقيانِ لا يتفصّمُ] (^٣)
_________________
(١) هذه القصيدة الميمية للمصنف ﵀. وقد أورد ٤٨ بيتًا منها في حادي الأرواح (٣٠ - ٣٢)، وطبعت كاملة ضمن مجموعة لم أقف عليها بعنوان "أربح بضاعة في معتقد أهل السنة والجماعة" سنة ١٣١٦ هـ في الهند. ثم نشرتها مع النونية مكتبة ابن تيمية بالقاهرة سنه ١٤٠٧ هـ.
(٢) كذا ورد البيت في "ك، ط" وحادي الأرواح. وفي الأصل: وحيَّ على واد بها أفيح به منابر من نور. . . . . . . . . . كذا ورد ناقضا، وبعده بياض، فأراد بعضهم استدراك النقص فقال في الحاشية: "لعله "لدى الرسل تُعلم" أو "بها الرسل تكرم". وقد أثبت ناسخ "ف" الاقتراح الأوَّل، ولكن نبَّه على أنَّه "ليس هذا من كلام المصنف ﵀". وفي "ن" أيضًا ورد البيت كما في الأصل، فضرب بعضهم على "به منابر من نور"، وكتب بعده الشطر الثاني كما ورد في "ك". وقد تبين من "ك" وحادي الأرواح أن "منابر من نور" ليس جزءًا من هذا البيت، بل هو بداية البيت التالي. هذا، وقد كتب بإزائه في الحاشية اليسرى: "تضيء بهم تلك المنابر" كأنَّه بداية بيت جديد لم يكتمل!
(٣) تكملة هذا البيت من "ك"، ولم يرد في الأصل وغيره إلَّا أوَّله مع صدر البيت السابق. "لا يتفصم": كذا بالفاء في "ك". وتفصم الشيء: انكسر دون بينونة. =
[ ١ / ١٠٨ ]
يروَن به الرحمنَ ﷻ كرؤية بدْرِ التِّمِّ لا يُتَوهَّمُ
أو الشمس صحوًا ليس من دون أُفْقِها ضَبابٌ ولا غَيْمٌ هناكَ يُغيِّمُ
وبيناهمُ في عيشهم وسرورهم وأرزاقُهم تُجرى عليهم وتُقسَمُ
إذا هُمْ بنورٍ ساطع قد بدا لهم فقيل: ارفعوا أبصاركم، فإذا هُمُ
بربِّهِمُ مِن فوقِهمْ وهو قائلٌ: سلامٌ عليكم طبتُمُ وسلِمتُمُ
فياعجبًا، ما عذرُ من هو مؤمنٌ بهذا ولا يسعى له ويُقدِّمُ
فبادِرْ إذًا ما دام في العمر فسحةٌ وعَدْلُك مقبولٌ وصَرْفُك قيِّمُ
فما فرحتْ بالوصل نفسٌ مَهينةٌ ولا فاز قلبٌ بالبطالة يَنعَمُ
فجِدَّ وسارعْ واغتنِمْ ساعةَ السُّرى ففي زمن الإمكان يُسْعَى ويُغنَمُ (^١)
وسِرْ مسرعًا فالسَّيلُ (^٢) خلفك مسرعٌ وهيهاتَ ما منه مفرٌّ ومهزَمُ
فهنَّ المنايا أيُّ واد نزلتَه عليها القدومُ أو عليك ستقدَم
وإن تكُ قد عاقتْك سُعدى فقلبُك الـ ـمُعَنَّى رهينٌ في يديها مسلَّمُ
وقد ساعدتْ بالوصل غيرَك فالهوى لها منكَ والواشي بها يتنعَّمُ
فدَعْهَا وسلِّ النفسَ عنها بجنَّةٍ من الفقر في روضاتها الدرُّ يَبسمُ
ومن تحتها الأنهارُ تخفِق دائمًا وطيرُ الأماني فوقها يترنَّمُ
_________________
(١) = وفي حادي الأرواح بالقاف.
(٢) "ط": "تسعى وتغنم".
(٣) "ط": "فالسير"، تحريف.
[ ١ / ١٠٩ ]
وقد ذُلِّلتْ منها القطوفُ فمن يُرِدْ جناها يَنَلْه كيف شاءَ وينعَمُ
وقد فُتِحت أبوابها وتزينت لِخُطَّابها (^١) فالحسنُ فيها مقسَّمُ
أقام على أبوابها داعي الهدى هلمُّوا إلى دار السعادة تغنموا
وقد طابَ منها نُزْلُها ومقيلُها فطوبى لمن حلُّوا بها وتنعموا
وقد غرس الرحمنُ فيها غِراسَه من النَّاسِ، والرحمن بالغرس أعلمُ
فمن كان من غرس الإله فإنَّهُ سعيدٌ وإلا فالشقا متحتِّمُ
فيا مسرعينَ السيرَ باللَّه ربِّكم قِفوا بي على تلك الربوع وسلِّموا
وقولوا: محبٌّ قاده الشوقُ نحوَكم قضى نحبَه فيكم تعيشوا وتسلَموا
قضى اللَّه ربّ العالمين قضيةً بأنَّ الهوى يُعمي القلوبَ ويُبكِمُ
وحبُّكُمُ أصلُ الهدى ومدارُه عليه وفوزٌ للمحبِّ ومغنمُ
وتفنى عظامُ الصَّبِّ بعد مماته وأشواقُه وقفٌ عليه محرَّمُ
فياأيها القلبُ الذي ملَك الهوى أعِنّتَه، حتَّامَ هذا التلؤُّمُ
وحتَّامَ لا تصحو وقد قرُب المدى ودقّت كؤوسُ السير والنَّاسُ نُوَّمُ
بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا ويبدو لك الأمرُ الذي كنت تكتمُ
ويا موقدًا نارًا لغيرك ضؤوها وحرُّ لظاها بين جنبَيك يضرَمُ
أهذا جنَى العلمِ الذي قد غرستَه وهذا الذي قد كنتَ ترجوه تطعَمُ
_________________
(١) "ك": "لخاطبها".
[ ١ / ١١٠ ]
وهذا هو الحظُّ الذي قد رضيتَه لنفسك في الدَّارين لو كنت تفهَمُ
وهذا هو الربحُ الذي قد كسبته لعمرُك لا ربحٌ ولا الأصلُ يسلَمُ
بخلتَ بشيءٍ لا يضرُّك بذلُه وجُدْتَ بشيءٍ مثلُه لا يُقومُ
وبعتَ نعيمًا لا انقضاءَ له ولا نظيرَ ببخسٍ عن قليلٍ سيُعدَمُ
فهلَّا عكستَ الأمرَ إن كنتَ حازمًا ولكن أضعت الحزم لو (^١) كنتَ تعلمُ
وتهدِمُ ما تبني بكفِّك جاهدًا فأنتَ مدى الأيام تبني وتهدمُ
وعندَ مراد الحق تفنى كميِّتٍ وعندَ مراد النفس تُسْدِي وتُلحِمُ
وعند خلاف الأمر تحتجُّ بالقضا ظهير على الرحمن للجبر يزعُمُ (^٢)
تُنزه تلك النفسَ عن سوءِ فعلها وتعتِبُ (^٣) أقدارَ الإله وتظلِمُ
وتزعمُ مَعْ هذا بأنَّكَ عارف كذبتَ يقينًا في الذي (^٤) أنت تزعمُ
وما أنت إلا جاهل ثمَّ ظالم وإنَّكَ بين الجاهلبن مقدمُ
إذا كان هذا نُصْحَ عبدٍ لنفسه فمن ذا الذي منه الهُدَى يتعلمُ
وفي مثل هذي الحال (^٥) قد قال من مضى وأحسنَ فيما قالَه المتكلِّمُ:
_________________
(١) "ط": "إن".
(٢) كذا في الأصل و"ف". وفي غيرهما: "ظهيرًا. . . تزعم". وفي "ن": "ظهير" فزاد قارئ آنفًا!
(٣) "ط": "وتغتاب".
(٤) "ك": "بالذي".
(٥) "ك": "هذا الحال". "ط": "هذا كان".
[ ١ / ١١١ ]
(فإِن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ)
ولو تبصِرُ الدنيا وراءَ ستورها رأيتَ خيالًا في منامٍ سيصرَمُ
كحُلْم بطيفٍ زارَ في النوم وانقضى الـ ـمنام وراح الطيفُ والصَّب مغرمُ
وظل أرتْه الشمسُ عند طلوعها سيقلِصُ في وقت الزوال ويُفصَمُ
ومُزنةِ صيفٍ طاب منها مقيلُها فولت سريعًا والحَرورُ تضرَّمُ
فجُزْها مَمَرًّا لا مَقرًا، وكنْ بها غريبًا تعِشْ فيها حميدًا (^١) وتسلَمُ
أو ابنَ سبيل قال في ظلِّ دوحةٍ وراحَ وخلَّى ظلَّها يتقسَّمُ
أخا سفر (^٢) لا يستقرُّ قرارُه إلى أن يرى أوطانَه ويُسلِّمُ
فيا عجبًا كم مصرعٍ وعظتْ به بنيها (^٣) ولكن عن مصارعها عَمُوا
سقَتْهم بكأس الحبِّ حتَّى إذا انتشَوا (^٤) سقتهم كؤوسَ السُّمَّ والقومُ قد ظَمُوا
وأعجبُ ما في العبد رؤية هذه الـ ـعظائمِ منها وهو فيها متيَّمُ
وأعجبُ من ذا أنَّ أحبابها الأُلي تُهينُ ولِلأَعداء تَرْعَى (^٥) وتُكرِمُ
وذلك برهان على أنَّ قدرَها جناحُ بَعوضِ أو أدقُّ وألأَمُ
وحسبُك ما قال الرسولُ ممثِّلًا لها ولدار الخلد والحقُّ يُفْهَمُ
_________________
(١) "ك": "سعيدًا".
(٢) رسمه في الأصول: "أخى سفر" غير أن ناسخ "ف" ضبط الخاء بالفتحة.
(٣) "ط": "عطبوا به بنيها"! الضمير في "وعظت" راجع إلى الدنيا.
(٤) "ط": "انثنوا"، تصحيف.
(٥) "ط": "للأعداء تُراعي".
[ ١ / ١١٢ ]
كما يُدخِل الإنسانُ في اليمِّ إصبعًا وينزعُها منه فما ذاك يغنمُ
ألا ليتَ شعري هل أبيتَنَّ ليلةً على حذرٍ منها وأمريَ مُحكمُ
وهل أَرِدَنَ ماءَ الحياةِ وأرتوي على ظمأٍ من حوضه وهو مُفعَمُ
وهل تبدوَنْ أعلامُهم بعدما سَفَتْ عليها السوافي (^١) تستبينُ وتُعلَمُ
وهل أفرُشَنْ خدِّي ثرى عتَباتِهم خضوعًا لهم كيما يرِقُّوا ويرحموا
وهل أَرَيَنْ نفسي طريحًا ببابهم وطيرُ أماني الحبِّ فوقي تُحَومُ
فوا أسفا تفنى الحياةُ وتنقضي وعتبُكُم باقٍ، بقيتُمْ وعِشْتُمُ
فما منكمُ بدٌ ولا عنكمُ غنًى وما لِيَ من صبرٍ فأسلوَ عنكمُ
فمن شاءَ فليغضبْ سواكم فلا إذًا (^٢) إذا كنتمُ عن عبدكم قد رضيتمُ
وعُقْبَى اصطباري في رضاكم حميدةٌ ولكنها عنكم عِقَابٌ ومَغرمُ (^٣)
وما أنا بالشاكي لما ترتضونه ولكنني أرضى به وأسلمُ
وحسب انتسابي من بعيدٍ إليكمُ وذلك حظٌ مثلُهُ يتيمَّمُ
إذا قيل: هذا عبدهم ومحبُّهم تهلَّلَ بِشرًا ضاحكًا يتبسَّمُ
وها هو قد أبدى الضراعةَ قائلٌ (^٤) لكم بلسان الحال والحالُ يُعلَمُ
_________________
(١) السوافي: الرياح التي تحمل الغبار وتذرو التراب.
(٢) "ط": "أذى"، خطأ.
(٣) "ط": "رضاكم هوى لكم حميد ولكنه عقاب".
(٤) كذا في الأصل وغيره. وفي "ط": "قائلًا".
[ ١ / ١١٣ ]
أحِبَّتنَا عطفًا علينا فإنَّنا بنا ظمأٌ، والموردُ العذبُ أنتمُ
فيا ساهيًا في غَمْرةِ الجهلِ والهوى صريعَ الأماني عن قليلٍ ستندَمُ
أَفِقْ قد دنا الوقتُ الذي ليس بعده سوى جنَّةٍ أو حرِّ نارٍ تضرَّمُ
وبالسنة الغرَّاءِ كنْ متمسِّكًا هي العروة الوثقى التي ليس تُفْصَمُ
تمسَّكْ بها مَسْكَ البخيل بمالهِ وعَضَّ عليها بالنواجذِ تسلمُ
وإِيَّاكَ ممَّا أحدث الناسُ بعدها فمرتعُ هاتيكَ الحوادثِ أوخَمُ
وهَيِّئْ جوابًا عندما تسمع النِّدا من اللَّه يومَ العرضِ: ماذا أجبتمُ
بهِ رُسُلي لمَّا أتوكمْ، فمن يُجِبْ سواهم سيخزى عند ذاك ويندمُ
وخذْ من تقى الرحمن أسبغَ جُنَّةٍ ليومٍ به تبدو عيانًا جهنَّمُ
ويُنصبُ ذاك الجسرُ من فوق متنها فهاوٍ ومخدوشٌ وناجٍ مسلَّمُ
ويأتي إلهُ العالمين لوعده فَيفْصِلُ ما بين العباد ويحكمُ
ويأخذ للمظلوم إذ ذاك حقَّه فياويحَ من قد كان للخلق يَظلِمُ
ويُنشَر ديوانُ الحساب وتوضَع الـ ـموازينُ بالقسط الذي لا يُظَلمُ (^١)
فلا مُجْرِمٌ يَخْشَى هناكَ ظُلامةً ولا مُحسِنٌ من أجره الذرَّ يُهضَمُ
وتشهد أعضاء المسيء بما جنى لذاك على فيه المهيمنُ يَختِمُ
_________________
(١) كذا في الأصل وغيره، وضبط في الأصل و"ف" بفتح الظاء واللام المشددة المفتوحة. والمعنى: الذي لا يُنسب إلى الظلم. وفي "ط": "ليس يظلم".
[ ١ / ١١٤ ]
ويا ليتَ شعري كيف حالُكَ عندما تَطايرُ كُتْبُ العالمين وتُقسَمُ
أتأخُذُ باليمنى كتابَكَ أم [ترى] (^١) بيُسراكَ خلفَ الظهرِ منك تُسلَّمُ
وتقرأ فيه كلَّ شيءٍ عملتَهُ فيُشرقُ منك الوجهُ أو هو يُظْلِمُ
تقولُ: كتابي هاؤمُ فاقرؤو لي يُبَشِّرُ بالجنَّاتِ حقًا ويُعلِمُ (^٢)
وإنْ تكن الأخرى فإنَّكَ قائِلٌ ألا ليتني لم أوتَهُ فهو مُغرِمُ
فلا والذي شقَّ القلوب وأودع الـ ـمحبَّةَ فيها حيث لا تتصرَّمُ
وحَمَّلها قلبَ المحبِّ وإنَّهُ (^٣) ليضعفُ عن حمل القميص ويألمُ
وذلَلَ فيها أنفسًا دون ذلِّها حياضُ المنايا فوقها هي حُوَّمُ
[فلقد فازَ أقوامٌ وحازوا مَرابحًا بتركهم الدنيا وَالاقبالِ منهُمُ (^٤)
على ربِّهم طولَ الحياة وحبِّهم على نهجِ ما قد سنَّهُ فَهُمُ هُمُ] (^٥)
_________________
(١) زيادة من "ط" لإقامة الوزن، ولم ترد في الأصل وغيره.
(٢) "ك، ط": "اقرؤوه. . . تبشر. . . تعلم".
(٣) "ف": "فإنَّه".
(٤) قد أضيف هذا البيت والذي يليه إلى الأصل قديمًا قبل أن تنسخ منها "ف". ولم يردا في أصل "ن" أيضًا، فزادهما بعضهم فيها بخط حديث.
(٥) بعد هذا البيت بياض في الأصل بقدر نصف صفحة؛ لأن هذا الجزء من الأصل نسخ مستقلًّا عما يليه. وكتب في الحاشية اليمنى: "علق منها لنفسه نسخة علي بن زيد بن علوان بن صَبِرة بن مهدي بن حريز الزبيدي الأثري اليمني داعيًا لناظمها ومالكها ولكل مسلم بالموت على الإسلام والسنة". وصاحب الحاشية من علماء القرن الثامن. ولد في "رَدْما" سنة ٧٤١ هـ. وتوفي بالقاهرة سنة ٨١٣ هـ. انظر ترجمته في شذرات الذهب (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).
[ ١ / ١١٥ ]