هذا المبحث الذي جاء استطرادًا استغرق نحو ٢١٠ صفحة (١٣٧ - ٣٤٦)، ومن المعلوم أن للمؤلف كتابًا مفردًا في هذا الموضوع كما سبق، ولكن الظاهر أنّه لم يكن ألفه إلى ذلك الحين، وإلّا لأحال عليه، وأوجز الكلام على المسألة حسب الاقتضاء. فلننظر كيف تطرق الحديث إلى هذا الموضوع؟
ذكر المؤلف في أحد فصول القاعدة الأولى أن الإنسان ليس عالمًا بمصلحته ولا قادرًا عليها، واللَّه تعالى هو الذي يعلم ويقدر، ويحب الجود والبذل، ويعطي من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة، فإذا حبس فضله عن الإنسان فهناك أمران لا ثالث لهما. وذكر الأمر الأول وهو أن يكون الإنسان نفسه واقفًا في طريق مصالحه ومعوقًا لوصول فضله إليه. فإن نعمة اللَّه لا تنال إلا بطاعته ولا تستدام إلا بشكره، فآفته من نفسه
[ المقدمة / ٢٧ ]
وبلاؤه منه. ثم قال (١٣٧): "فإن أصررت على اتهام القدر وقلت: فالسبب الذي أُصبتُ به وأُتِيتُ منه ودُهيت منه قد سبق به القدر والحكم، وكان في الكتاب مسطورًا، فلا بدّ منه على الرغم منّي. . . ". وهكذا فتح المؤلف لنفسه بابًا واسعًا للكلام على القدر. فأورد على لسان هذا المحتج بالقدر ما جاء في إثبات القدر من الآيات والأحاديث والآثار. ولما اختلفت الروايات في وقت كتابة المقدور للجنين عقد فصلًا في الجمع بينها، ثم عاد إلى سرد الأحاديث الأخرى في إثبات القدر.
وبعدما فرغ من ذلك شرع في الردّ على الذي احتج بالقدر فقال (١٧٨): "فالجواب أن ههنا مقامين: مقام إيمان وهدى ونجاة، ومقام ضلال وردى وهلاك. زلّت فيه أقدام فهوت بأصحابها إلى دار الشقاء. . . ". فهذا الجواب في ص (١٧٨) عن قوله: "فإن أصررت على اتهام القدر. . . " الذي سبق في ص (١٣٧). وقد ذكر في مقام الضلال حكايات وأقوالًا للمحتجين بالقدر من خصماء اللَّه، ثم نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن القدرية المذمومين في السنة وعلى لسان السلف ثلاث فرق: القدرية النفاة، والقدرية الإبليسية، والقدرية المشركية. وذكر أن أربعة مواضع في القرآن بين سبحانه فيها أن الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين، وأن الناس تفرقوا في الكلام على هذه الآيات أربع فرق، وبيّن مذاهبها. ثم ذكر مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة، وأوضح صلة القدر بالقدرة والعلم والحكمة وقال (١٩٩): "فكما لا يخرج مقدور عن علمه وقدرته ومشيئته، فهكذا لا يخرج عن حكمته وحمده، وهو محمود على جميع ما في الكون من خير وشر حمدًا استحقه لذاته، وصدر عنه خلقه وأمره، فمصدر ذلك كله عن الحكمة".
[ المقدمة / ٢٨ ]
وهنا واجه مسألة كبيرة أخرى من المعضلات، قد أشكلت على الفلاسفة وغيرهم من أصحاب الديانات والمقالات قديمًا وحديثًا، فخبطوا فيها خبط عشواء. هي مصدر الشرّ الموجود في العالم وحكمة خلق الأضداد. فناقش المؤلف هذه المسألة من وجوه مختلفة، وأعاد فيها وأبدأ ذاكرًا مذاهب الناس في دخول الشر في القضاء الإلهي، والأصول التي تفرّعت عنها تلك المذاهب، وفي أثنائها تعرض لمسألة إيلام الأطفال والبهائم. وفي الأخير نقل فصلًا لفخر الدين الرازي في هذه المسألة من كتابه المباحث المشرقية، وعقّب عليه.
وقد اتضح من هذا العرض المقتضب لمسألة القضاء والقدر وما يتصل بها كيف تطرق الكلام إليها، ثم اقتضى خطرها وكثرة التنازع فيها أن يتوسع في مناقشتها. ولعلك تذكر قول المؤلف في بداية الفصل أن اللَّه سبحانه لا يحبس فضله عن الانسان إلا لأمرين، وأنه ذكر الأمر الأول الذي قاده إلى هذه المسألة العظيمة الواسعة الأطراف، فذهب عليه مع استطالة الكلام أن يذكر الأمر الثاني. وهذا الموضع ومواضع أخرى تدلّ على أن المؤلف ﵀ لم يتمكن من إعادة النظر في الكتاب بعد تسويده.