الإيمان هو الإقرار والاعتراف المستلزم للقبول للأخبار والإذعان للأحكام.
فلا يكفي في تحقيق الإيمان المعرفة وحدها أو التصديق القلبي فقط، فلو أن رجلًا أقر بالله تعالى وبصحة نبوة محمد ﷺ ولكنه لم يقبل ويستسلم لما بلغه من أحكام الإسلام فإنه كافر وليس بمؤمن.
لأجل ذلك قال الله تعالى عن الكفار من أهل الكتاب ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠) سورة الأنعام.
وعلى ذلك فالإيمان إقرار بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، فأعمال الجوارح تبع لأعمال القلب. والإيمان يزيد حيث إقرار القلب وطمأنينته وسكونه.
والإنسان يجد ذلك من نفسه، فتارة تدمع العين من تلاوة آية واحدة وتارة لا تدمع ولو طالت القراءة. وكذلك عندما يحضر مجلس
[ ٨ ]
ذكر فيه موعظة فإنه يزداد إيمانه ويشعر بإقبال على الخير، وعندما توجد الغفلة يخف ذلك اليقين في قلبه والإقبال.
وقد جاء في القرآن ما يثبت أن الإيمان يزيد وينقص قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ (٣١) سورة المدثر.
وقال تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤) سورة التوبة.
قال الشافعي ﵀: "كان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية ولا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر" .. نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى.
بينما هناك من يخطئ خطأ فاحشًا فيعتقد أن الإيمان وهو التصديق القلبي المجرد من قول اللسان وعمل الأركان، وذلك هو
[ ٩ ]
في الأصل فكر الإرجاء الذي ما زال يفتك بالأمة والذي يقوم على مبدأ أن الإيمان الذي في القلب لا تؤثر فيه المعاصي ولا تنقص منه وأن العمل الصالح ليس شرطًا في صحة الإيمان، ومن صوره الواقعية في العصر الحاضر تبرير العاصي لمعصيته ودفع اللوم عنه بقوله: الإيمان في القلب والمهم هو عقيدة القلب وإيمانه. والبعض يقول: دينك في قلبك، فيفضلون بين الإيمان الذي في القلب بزعمهم وبين العمل الظاهر وأنه لا ارتباط بينهما في الزيادة والنقص أو الوجود والعدم.
وفي ذلك إلغاء لمظهر الدين والشرع وإسراع في إزاحة الدين عن الواقع والحياة وغسل كل أثر طيب من آثار الإيمان ونفحاته، كما أن الانتماء إلى الفكر الإرجائي يشجع على الاسترسال في المعاصي والجرأة على المحرمات بحجة أنها لا تضر الإيمان الذي في القلب.
[ ١٠ ]
قال الزهري: "ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهلها من الإرجاء". وقال شريك القاضي عن المرجئة "هم أخبث قوم، حسبك بالرافضة خبثا ولكن المرجئة يكذبون على الله".