الإخلاص، والمحبة، والتوكل، والإنابة، والرجاء، والخوف، والرضا، والصبر، وغيرها من أعمال القلب. وهي في الحقيقة أصل الدين ورأس أمره؛ لأن الأعمال الظاهرة لا تقبل إن
[ ٦٠ ]
خلت من الأعمال القلبية ولا عبرة بصلاح الظاهر مع فساد الباطن.
مثلًا الأعمال كلها يشترط في قبولها الإخلاص لله ﷿ والإخلاص عمل قلبي، لذا لزم على كل مسلم أن يبدأ بالاعتناء بإصلاح قلبه وتحقيق تلك الأعمال فيه.
ففي الصحيحين من حديث النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
فإذا كان القلب سليمًا ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يسخط الله، صلحت تبعًا لذلك حركات جوارحه وانقادت لذلك الخير الذي في قلبه، بخلاف ما إذا كان القلب قد استولى عليه حب الهوى واتباع الشهوات وتقديم حظوظ النفس، فإن من كان كذلك فسدت حركات جوارحه تبعًا لما في قلبه.
[ ٦١ ]
والمقصود أن أعظم باعث للإيمان وأنفع مقوياته وأهم أسباب زيادته ونمائه هو إصلاح القلب بحب الله وحب رسوله وحب من يحبه الله ورسوله ﷺ وتطهيره مما يخالف ذلك ويناقضه.
وجماع ذلك وتحقيقه بإشغال القلب بالفكر بما فيه صلاحه وفلاحه فيشغله بمعرفة ما يلزمه من توحيد الله وتعظيمه وحقوقه ﷿، وتذكر الموت وما بعده من دخول الجنة أو النار، والتعرف على آفات القلوب وأعمالها المفسدة والتحرز منها، كالشرك بأنواعه والشك وتعظيم الخلق والحسد والرياء والعمل على طرح الإرادات التي تضره والعزم على الإرادات التي تنفعه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان".
ومعنى هذا أن كل حركات القلب إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان صاحبه.
[ ٦٢ ]
لذلك كان أكمل المؤمنين إيمانًا هم أهل المحبة الذين انعقدت قلوبهم على محبة الله ﷿ ومحبة ما يحبه وبغض ما يبغضه، وكذلك أهل التوكل الذين بلغوا أعلى قمة الإيمان لذلك العمل القلبي فأدخلهم بعد رحمة الله الجنة بغير حساب، كما في قول النبي ﷺ في صفتهم "وعلى ربهم يتوكلون".