كذكر الله ﷿ وحمده والثناء عليه وقراءة كتابه والصلاة والسلام على رسوله ﷺ والاستغفار والدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله .. وغير ذلك من الأعمال التي تكون باللسان .. فلا شك أن القيام بها والمداومة عليها والإكثار منها من أعظم أسباب زيادة الإيمان.
قال الشيخ السعدي - ﵀: ومن أسباب دواعي الإيمان الإكثار من ذكر الله كل وقت، فإن ذكر الله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكرًا لله قوي
[ ٦٣ ]
إيمانه، كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي الإيمان بل هي روحه.
وقد ورد في الكتاب والسنة نصوص كثيرة في الأمر بالذكر والحث على الإكثار في الأمر بالذكر والحث على الإكثار منه بما يبين أهميته قال تعالى ﴿وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾. وقال تعالى ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأرضاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله".
[ ٦٤ ]
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﵎: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه " وغيرها من النصوص الدالة على فضل الذكر وأهميته، وفضل الاشتغال به.
فإن أعرض الإنسان عن ذلك ولم يشغل لسانه بذكر الله ﷿، اشتغل لسانه بغير ذلك من اللغو والخوض الباطل والغيبة والفحش؛ لأن العبد لابد له أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذكر أوامره تكلم بهذه الأمور.
قال ابن القيم: "فإن اللسان لا يسكت ألبتة، فإما لسان ذاكر وإما لسان لاغ، ولابد من أحدهما، فها هي النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وكذلك القلب، إن لم تسكنه محبة الله ﷿، سكنته محبة المخلوقين ولابد، وهذا اللسان، إن لم تشغله بالذكر، شغلك باللغو، وهي عليك ولابد، فاختر لنفسك إحدى الخطتين، وأنزلها في إحدى المنزلتين".
[ ٦٥ ]
فالإيمان يزيد من حيث القول؛ فإن من ذكر الله عشر مرات ليس كمن ذكر الله مئة مرة، فالثاني أزيد بكثير.
ثم إن من أعظم العبادات القولية التي تزيد في الإيمان الدعاء والدعوة إلى الله، ولأهمية هذين الأمرين ولعظم نفعهما في زيادة الإيمان لزم الحديث عنهما:
- أما الدعاء فهو من أقوى الأسباب لتقوية الإيمان؛ لأنه في حقيقته هو العبادة كما قال ﷺ: "الدعاء هو العبادة".
فالعبد عندما يتوجه إلى ربه بالدعاء فإن ذلك يدل على ما في القلب من الثقة بالله وحسن الظن به، وفيه أيضاَ تظهر عبودية الافتقار إلى الله والذل والخضوع له، وكلما حقق ذلك أكثر كان إلى الله أقرب. قال ﷺ "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء".
[ ٦٦ ]
وكذلك بالدعاء يتوجه العبد إلى ربه بطلب التوفيق إلى أسباب زيادة الإيمان وتقوية اليقين لأن الله سبحانه هو مسبب الأسباب وميسر الأمور، وقد قال الرسول ﷺ: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم".
وتقدم معنا أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان يقول في دعائه "اللهم زدني إيمانًا ويقينًا وفقهًا".
- أما الدعوة إلى الله تعالى وإلى دينه ففيها يكمّل العبد نفسه وإيمانه ويكمَل غيره.
كما أقسم الله تعالى بالعصر أن جنس الإنسان لفي خسر إلا من أتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين بهما تكمل النفس، والتواصي بالحق الذي هو العمل النافع، والصبر على ذلك كله، وبهما تكمل الهداية للنفس وللغير.
والدعوة إلى الله من أكبر مقويات الإيمان؛ لأن صاحبها يسعى إلى نصرة هذه الدعوة ويقيم الأدلة والبراهين لتحقيقها،
[ ٦٧ ]
فالجزاء من جنس العمل، فكما سعى إلى تكميل العباد ونصحهم وتوصيتهم فإن الله يجازيه بتأييده بنور منه وقوة إيمان.
وكما تصدى لنصره الحق فإن الله يفتح عليه الفتوحات العملية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه.
قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾.
كما ينبغي للآمر الناهي الداعي إلى الله أن يلتزم الصدق والإخلاص، وأن يلتزم في دعوته بالحكمة والرفق، والصبر على المدعوين والعلم بما يدعوهم إليه، فإن تحققت فيه هذه الأوصاف أثمرت دعوته ونفعت بإذن الله، وكانت سببًا لقوة إيمانه، وقوة إيمان المدعوين.
[ ٦٨ ]