من صلاة وصيام وحج وصدقة وجهاد وغير ذلك من الطاعات، فهي كذلك من أسباب زيادة الإيمان، فالاجتهاد في القيام بالطاعات التي افترضها الله على عباده، وبالقربات التي ندب عباده إليها، والإتيان بها على أحسن الوجوه وأكملها، من أعظم أسباب قوة الإيمان وزيادته.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ* الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١ - ١١) سورة المؤمنون.
[ ٦٩ ]
فهذه الصفات الثماني، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه، كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره.
فحضور القلب في الصلاة، وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله ويفعله من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود، من أسباب زيادة الإيمان ونموه.
وقد سمى الله الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ سورة البقرة (١٤٣). وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (٤٥) سورة العنكبوت. فهي أكبر ناه عن كل فحشاء ومنكر ينافي الإيمان، كما أنها تحتوي على ذكر الله الذي يغذي الإيمان وينميه لقوله: ﴿ولذكر الله أكبر﴾.
[ ٧٠ ]
والزكاة كذلك تنمي الإيمان وتزيده، فرضها ونفلها، كما قال النبي ﷺ: "والصدقة برهان" أي: على إيمان صاحبها، فهي دليل الإيمان، تغذيه وتنميه.
والإعراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه، بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولًا وفعلًا، ولا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان.
ولهذا كان الصحابة ﵃ ومن بعدهم إذا وجدوا غفلة أو تشعث في إيمانهم، يقول بعضهم لبعض "اجلس بنا نؤمن ساعة" فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم.
وكذلك العفة عن الفواحش خصوصًا فاحشة الزنا ولا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته، فالمؤمن لخوفه مقامه بين يدي ربه ﴿ونهى النفس عن الهوى﴾ إجابة لداعي الإيمان.
[ ٧١ ]
ورعاية الأمانات والعهود وحفظها من علامات الإيمان، وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه، فانظر حاله هل يرعى الأمانات؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله والتي بينه وبين العباد؟ فإن كان كذلك فهو صاحب دين وإيمان .. وإن لم يكن نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك.
وختمها بالمحافظة على الصلوات على حدودها وحقوقها، وأوقاتها، لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجري على بستان الإيمان فيسقيه وينميه، ويؤتي أكله كل حين.
وشجرة الإيمان محتاجة إلى تعاهد كل وقت بالسقي وهو المحافظة على أعمال اليوم والليلة من الطاعات والعبادات، وإلى إزالة ما يضرها من الصخور والنوابت الغريبة الضارة، وهو
[ ٧٢ ]
العفة عن المحرمات قولًا وفعلًا فمتى تمت هذه الأمور حيا هذا البستان وزها، وأخرج الثمار المتنوعة.
وبهذا البيان يتضح لنا شدة أثر الأعمال الصالحة في زيادة الإيمان، وأن القيام بها والإكثار منها سبب عظيم من أسباب زيادته.
قال الشيخ ابن عثيمين - ﵀ - ولزيادة الإيمان أسباب منها: فعل الطاعة فإن الإيمان يزداد به بحسب حسن العمل، وجنسه، وكثرته، فكلما كان العمل أحسن كانت زيادة الإيمان به أعظم، وحسن العمل يكون بحسب الإخلاص والمتابعة، وأما جنس العمل فإن الواجب أفضل من المسنون وبعض الطاعات أوكد وأفضل من البعض الآخر، وكلما كانت الطاعة أفضل كانت زيادة الإيمان بها أعظم، وأما كثرة العمل فإن الإيمان يزداد بها لأن العمل من الإيمان فلا جرم أن يزيد بزيادته.
[ ٧٣ ]
فالصلاة إيمان، والحج إيمان، والصدقة إيمان والجهاد إيمان بشرط الإخلاص والمتابعة، ومجالسة أهل الخير ومرافقتهم إيمان، بل هو سبب عظيم من أسباب زيادة الإيمان لما يكون في مجالستهم من التذكير بالله تعالى والترغيب في رحمته وعفوه، والترهيب من سخطه وعذابه، وما في مجالستهم من تحريك بواعث التنافس في الخير ودفع العزائم والهمم إلى فعل الطاعات وترك المعاصي.
وقد قال ﷺ: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".
وكما بين الله تعالى أن القلوب تستفيد من مجالس الذكر ويحدث لها نشاطًا وهمه ويوجب لها الانتفاع والارتفاع، بخلاف مجالس اللهو والغفلة فإنها من أعظم أسباب نقص الإيمان.
[ ٧٤ ]
ولهذا كان سلفنا الصالح أشد الناس عناية بمجالس الذكر والحرص عليها وأشدهم بعدًا عن مجالس اللهو والغفلة.
وسبب أخير نختم به هذه الأساليب، ينبغي العناية به وعدم إغفاله: وهو أن الأمور السابقة جميعها تتطلب مجاهدة للنفس وتوطينها على الإتيان بها وتحقيقها فالإيمان لا يأتي دفعة واحدة كما أنه لا يقف عن حد، بالإضافة إلى أن ذلك أيضاَ يستلزم محاسبة النفس على جميع ما من شأنه إنقاص الإيمان أو إضعافه والتوبة مما يقع منها وبالله التوفيق ..
[ ٧٥ ]