فإن سلف هذه الأمة أصحاب النبي ﷺ وتابعيهم بإحسان أهل الصدر الأول من الإسلام هم خير القرون، أهل المشاهد والمواقف العظام، وهم حملة هذا الدين ونقلته لمن جاء بعدهم من العالمين، أقوى الناس إيمانًا وأرسخهم علمًا، يخص منهم أصحاب النبي ﷺ الذين خصهم الله برؤيته وأكرمهم بسماع صوته فأخذوا
[ ٥٣ ]
الدين منه غضًا طريًا، فاستحكمت به قلوبهم، واطمأنت به نفوسهم وثبتوا عليه ثبوت الجبال.
ويكفي في بيان فضلهم أن الله خاطبهم بقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم".
من تأمل حال أولئك الأخيار وقرأ سيرهم وعرف محاسنهم، وما كانوا عليه من خلق عظيم، وتعاهد للإيمان، وإقبال على الطاعة، وتنافس في فعل الخير، وشدة تعبدهم لله، وإعراضهم عن الدنيا الفانية، وإقبالهم على الآخرة الباقية، فإن المتأمل سيقف من خلال ذلك على قصور نفسه وضعف همته وعلى قلة زاده وسيكون ذلك شاحذًا لهمته مقويًا لعزيمته داعيًا إلى صدق التأسي بهم. ولو لم يحصل من ذلك كله إلا حصول
[ ٥٤ ]
محبتهم في القلب ورغبة التحلي بصفاتهم لكفى لأنه كما جاء في الحديث: "المرء يحشر مع من أحب".
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل" و"من تشبه بقوم فهو منهم".
وموضع التأمل والبحث في سير وأخبار هؤلاء الأخيار يكون في: كتب التاريخ والسير، والزهد، والرقائق، والورع وغيرها.